ultracheck
اقتصاد

أكبر عملية تصدير في الجزائر.. تحول اقتصادي أم عملية ظرفية؟

21 أبريل 2026
الجزائر
أسماء بهلولي
أسماء بهلولي صحافية من الجزائر
استفاق الجزائريون يوم السبت 11 أفريل / نيسان 2026 على وقع حدث اقتصادي لافت، تمثل في إطلاق واحدة من أكبر عمليات التصدير خارج المحروقات، والتي شملت شحنات متنوعة انطلقت من عدة ولايات نحو وجهات دولية متعددة، الحدث الذي رافقته تغطية إعلامية واسعة وحضور رسمي، أعاد إلى الواجهة النقاش حول واقع الصادرات الجزائرية ومدى قدرتها على التحول من جهود ظرفية إلى مسار اقتصادي مستدام.

برزت تساؤلات حول ما إذا كانت هذه العمليات تعكس فعلا بداية تحول اقتصادي تدريجي، أم أنها عمليات تصدير ظرفية، كما طُرح بإلحاح سؤال الاستمرارية: هل يمكن أن تتحول هذه الشحنات إلى تصدير منتظم.

في الساعات الأولى من ذلك اليوم، بدت حركة غير اعتيادية في عدد من المناطق الصناعية والفلاحية، حيث تم تجهيز وشحن سلع متنوعة باتجاه الموانئ ومطارات الشحن، وسط تعبئة لوجستية وتنظيمية لافتة،وقد توزعت الشحنات على قطاعات مختلفة بين مواد غذائية ومنتجات صناعية، ما أعطى انطباعا أوليا عن اتساع قاعدة التصدير خارج قطاع المحروقات.

هذا المشهد، الذي امتد من 13 ولاية جزائرية نحو نحو 19 وجهة دولية، اعتبره البعض مؤشرا على ديناميكية جديدة في الاقتصاد الوطني، فيما رآه آخرون خطوة تحتاج إلى قراءة أعمق بعيدا عن الزخم الإعلامي المصاحب لها، فبين الحماس الرسمي والتحليل الاقتصادي، تباينت القراءات حول دلالات هذا التحرك وحدود تأثيره الفعلي على بنية الاقتصاد.

وفي ظل هذا الجدل، برزت تساؤلات حول ما إذا كانت هذه العمليات تعكس فعلا بداية تحول اقتصادي تدريجي، أم أنها مجرد عمليات تصدير ظرفية مرتبطة بفرص آنية، كما طُرح بإلحاح سؤال الاستمرارية: هل يمكن أن تتحول هذه الشحنات إلى نمط ثابت من التصدير المنتظم، أم ستبقى أحداثا معزولة مرتبطة بتواريخ محددة دون أثر هيكلي طويل المدى؟

الصادرات تقترب من 8 مليارات دولار

توقع نائب رئيس الجمعية الوطنية للمصدرين الجزائريين، علي باي ناصري، أن تقارب قيمة الصادرات خارج المحروقات خلال سنة 2026 حدود 8 مليارات دولار، خاصة في ظل الحركية التي يعرفها القطاع خلال السنة الجارية، والتي تميزت -حسبه- بتسجيل واحدة من أكبر عمليات التصدير.

وأوضح باي ناصري، في تصريح لـ"الترا جزائر"، أنه وبالاستناد إلى المعطيات الأولية، فإن الصادرات خارج المحروقات مرشحة لتسجيل أعلى مستوياتها مقارنة بالسنوات الماضية، حيث بلغت سابقا ما بين 6.6 وقرابة 7 ملايير دولار، مرجحا أن تتجاوز لأول مرة سقف 7 مليارات دولار لتقترب من 8 مليارات دولار، وهو ما يعكس، حسبه، التحسن المسجل في تنوع المنتجات الموجهة للتصدير، سواء تعلق الأمر بالمواد الخفيفة أو الثقيلة.

وفي السياق ذاته، أرجع المتحدث هذا الارتفاع إلى وجود فائض في العديد من المواد المصدرة خارج قطاع المحروقات، مؤكدا أن هذا الفائض مرتبط بشكل مباشر بحجم الاستثمارات، حيث أوضح أن “كلما ارتفع مستوى الاستثمار، ارتفعت معه قدرة التصدير”، مشيرا إلى أن نمط الصادرات عرف تحولا لافتا مقارنة بالسنوات السابقة، التي كانت تقتصر أساسا على مواد محدودة، على غرار الأسمدة وبعض المنتجات الفلاحية مثل التمور.

وأضاف باي ناصري أنّ الجزائر اليوم وسعت من قائمة صادراتها لتشمل مواد صناعية متنوعة، من بينها الحديد ومشتقاته، مشيرا إلى أن هذا التحول بدأ يتجسد منذ سنة 2020، أين تم تسجيل صادرات معتبرة في هذا المجال بقيم مالية هامة، وذلك بفضل الاستثمارات التي دعمت قدرات الإنتاج والتصدير.

كما أشار المتحدث إلى أن قطاع الصناعات الكهرومنزلية بدوره أصبح يساهم في هذه الحركية، في ظل توفر مؤسسات إنتاج كبرى على المستوى الإفريقي، وهو ما سمح بتحقيق فائض موجه للتصدير، إلى جانب قطاع صناعة الإسمنت، الذي عرف قفزة في الإنتاج، حيث انتقل من 20 مليون طن سنة 2020 إلى نحو 40 مليون طن حاليا، في حين تقدر احتياجات السوق الوطنية بحوالي 23 مليون طن، ما يفتح المجال لتوجيه الفائض نحو الأسواق الخارجية.
 
ناصري:طاع الصناعات الكهرومنزلية بدوره أصبح يساهم في هذه الحركية، في ظل توفر مؤسسات إنتاج كبرى على المستوى الإفريقي.

وفي نفس الإطار، أشار باي ناصري إلى بروز منتجات أخرى في سلة الصادرات، تشمل مواد صناعية وكهرومنزلية ومنتجات غذائية، على غرار مادة السكر، التي تشهد استثمارات كبيرة، حيث يفوق الإنتاج الوطني مستوى الاستهلاك المحلي، ما يسمح بالتوجه نحو التصدير، متوقعا أن تدر هذه المادة وحدها عائدات تتراوح ما بين 400 و500 مليون دولار على الأقل.

وبخصوص عمليات التصدير الأخيرة، وصفها المتحدث بأنها من بين الأكبر التي سجلتها الجزائر، حيث شملت مشاركة 35 شركة، مع توجيه شحنات نحو 18 دولة، وتنوعت السلع المصدرة بين الصناعات الثقيلة والخفيفة والمواد الغذائية، معتبرا أن هذه العملية تعكس مؤشرات إيجابية على تطور الصادرات خارج المحروقات.

وأشار باي ناصري في  تصريحه إلى أن الدولة ترافق بشكل مباشر هذه العمليات، وهو ما يظهر- حسبه- في حضور الطاقم الحكومي والسلطات المحلية خلال عمليات التصدير، ما يعكس الأهمية التي توليها السلطات العمومية لهذا الملف، باعتباره أحد المحاور الأساسية في تنويع الاقتصاد الوطني وتعزيز موارده خارج قطاع المحروقات.

هل الاستمرارية هي الاختبار الحقيقي؟

وحول الموضوع نفسه، يقول حمزة جرايمي، خبير وأستاذ الاقتصاد بجامعة مونتريال بكندا، في تصريح خصّ به "الترا جزائر"، يتعلق بأكبر عملية تصدير جرت يوم السبت 11 أفريل/نيسان 2026، إن ما حدث لا يمكن اعتباره فوضى في التصدير، لكنه في الوقت نفسه لا يرقى إلى مستوى الدليل الحاسم على حدوث تحول اقتصادي بنيوي عميق في منظومة الصادرات الجزائرية.

ويضيف أن تصدير ثلاثين شحنة انطلقت من 13 ولاية نحو 19 وجهة دولية يعكس بلا شك حركية اقتصادية معتبرة وتعبئة لوجستية وتنظيمية لافتة، غير أن قراءة هذا الحدث يجب أن تتم ضمن سياق اقتصادي شامل، بعيدا عن التناول الإعلامي الذي قد يميل إلى تضخيم الطابع الدعائي للحدث، فاقتصاد التصدير، حسبه، لا يُقاس بعمليات ظرفية أو مبادرات معزولة، بل يُقاس بمدى الاستمرارية والانتظام، وبقدرة الدولة على بناء منظومة إنتاج متكاملة قادرة على النفاذ المستقر إلى الأسواق الخارجية.

جرايمي: في الحالة الجزائرية، فإن السؤال الجوهري المطروح، وفقه، هو ما إذا كانت هذه العمليات التصديرية تعكس فعلًا تشبع السوق المحلية أم أنها مجرد عمليات ظرفية 
ويرى جرايمي أن النماذج الاقتصادية الناجحة عالميا تقوم على منطق التخصص والتكامل، فهناك دول رسّخت مكانتها عبر الصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة العالية مثل اليابان، وأخرى تعتمد على مواد أولية أو قطاعات محددة مثل النفط في بعض دول الخليج وروسيا، أو القمح في دول كأوكرانيا، أما في الحالة الجزائرية، فإن السؤال الجوهري المطروح، وفقه، هو ما إذا كانت هذه العمليات التصديرية تعكس فعلًا تشبع السوق المحلية أم أنها مجرد عمليات تصريف ظرفية لفائض إنتاجي موسمي.

ويؤكد أن العودة إلى بيانات البنك الدولي تُظهر أن الصادرات خارج المحروقات في الجزائر شهدت نموا ملحوظا منذ 2017، حيث تضاعفت ثلاث مرات لتصل إلى نحو 5.1 مليار دولار، مع مساهمة تقارب 2 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يدل على وجود مسار تدريجي نحو تنويع الاقتصاد الوطني، وإن كان هذا المسار لا يزال في مراحله الأولى ويحتاج إلى ترسيخ أكبر.
لكن، يضيف الخبير الاقتصادي، يبقى المعيار الحقيقي لتقييم هذا التوجه هو مدى تحوله إلى عقود تصدير دائمة ومستقرة، قادرة على خلق قيمة مضافة حقيقية وتوفير مناصب شغل مستدامة، بدل الاكتفاء بعمليات موسمية أو "جيوب تصديرية" مرتبطة بمنتجات زراعية أو شحنات ظرفية قصيرة العمر.
ويخلص جرايمي إلى أن الحكم الموضوعي على هذا المسار يجب أن يرتبط بمؤشرات الاستمرارية ونمو الصادرات خارج المحروقات على المدى السنوي، باعتبارها المؤشر الأهم لقياس عمق التحول الاقتصادي الحقيقي في الجزائر.
 
 


 

الكلمات المفتاحية

الجزائر

الجزائر تُنوّع شراكاتها الاقتصادية.. انفتاح محسوب أم إعادة تموضع؟

وبين من يعتبر هذا التحول بداية لبراغماتية اقتصادية جديدة، ومن يراه مجرد إعادة تموضع تدريجي، يبقى السؤال مفتوحا: هل تعيد الجزائر فعليا صياغة خريطة شركائها الاستثماريين، أم أنها تحاول فقط الانتقال نحو توازن خارجي أكثر اتساعا؟


الغاز الجزائري

الجزائر ثاني أكبر مورّد للغاز إلى إسبانيا.. ماذا تكشف الأرقام؟

وبلغت صادرات الغاز الجزائري إلى إسبانيا نحو 9.79 تيراواط/ساعة خلال أبريل/نيسان الماضي، ما يمثل 34.1 بالمائة من إجمالي واردات مدريد من الغاز، مقابل 11.37 تيراواط/ساعة في مارس 2026 و9.87 تيراواط/ساعة في أبريل 2025.


النفط الجزائري

فرنسا وكوريا الجنوبية تتصدران مستوردي النفط الجزائري.. كم برميلًا يوميًا؟

بلغ متوسط صادرات الجزائر من النفط الخام ومشتقاته المنقولة بحرًا نحو 762 ألف برميل يوميًا خلال عام 2025، مقابل 778 ألف برميل يوميًا في عام 2024


الجزائر-أوروبا

زيارات أوروبية متوالية إلى الجزائر.. هل تعجل مراجعة اتفاق الشراكة؟

ملف الطاقة يظل المحرك الأساسي لهذا التقارب الأوروبي، فأزمة الطاقة العالمية جعلت أوروبا تكتشف هشاشة نموذجها الطاقوي واعتمادها المفرط على مورد واحد، وهنا برزت الجزائر كأحد الحلول الواقعية القليلة المتاحة جغرافيا وسياسيا وفق صرارمة

صحراء الجزائر
أخبار

3 مدن جزائرية ضمن الأكثر حرارة في العالم.. تعرّف عليها

كما صنف الموقع مدينة برج باجي مختار في المرتبة السادسة عالميًا بدرجات حرارة وصلت إلى 45.9 مئوية، فيما حلت مدينة إن قزام في المرتبة الحادية عشرة بدرجة 45.5 مئوية،

رحلة صيد
أخبار

مطاردة في الجبال تنتهي بتوقيف 6 أشخاص وحجز 19 كلبًا بباتنة.. ما القصة؟

باشرت المصالح المختصة عملية ترصد ميداني للشاحنة المشبوهة، قبل أن تتمكن من توقيف ستة أشخاص كانوا بصدد تمشيط الشعاب والمناطق الوعرة، بنية صيد الحيوانات البرية


مخطوطات
أخبار

عصاد يدعو لحماية المخطوطات الأمازيغية المكتوبة بالعربية.. ماذا تعرف عنها؟

أشار المتحدث إلى أن جزءًا مهمًا من هذا التراث تعرض خلال الحقبة الاستعمارية الفرنسية للحرق والنهب والتهريب، مما أدى إلى ضياع عدد من الوثائق والكنوز المعرفية،

رياح قوية
أخبار

طقس الجزائر.. تحذير من رياح تصل إلى 70 كلم/سا بعدة ولايات

وأوضحت المصالح ذاتها أن الولايات الغربية المعنية تشمل وهران ومستغانم والشلف، حيث يُرتقب هبوب رياح جنوبية غربية تتراوح سرعتها بين 50 و70 كلم/سا،

الأكثر قراءة

1
مجتمع

الكبش المحلي والمستورد.. هل توجد فروقات حقيقية؟


2
أخبار

تشريعيات 2026.. من يقصد بن قرينة بـ"عدو الانتخابات"؟


3
اقتصاد

الجزائر تُنوّع شراكاتها الاقتصادية.. انفتاح محسوب أم إعادة تموضع؟


4
أخبار

رئيس حزب سياسي: "سأسافر للعلاج حتى لا أزاحم الجزائريين"


5
أخبار

الاقتراض لشراء الأضحية.. ماذا جاء في فتوى جامع الجزائر؟