التغيرات المناخية والفيضانات.. امتحانٌ للبنية التحتية بالجزائر
22 يناير 2026
مع كل اضطراب جوي تشهده الجزائر، تعود مشاهد الفيضانات والسيول لتفرض نفسها بقوة على واجهة الأحداث، وتقديم حصاد مؤقت بالأرقام لتدخلات فرق الإنقاذ وحجم الخسائر، تُذكّر بمدى هشاشة التوازن بين الإنسان والطبيعة.
قبل 25 سنة شهدت الجزائر أعنف الفيضانات ما عرف إعلاميا بـ" السبت الحزين " في العاشر من تشرين الثاني/ نوفمبر 2001، بسبب تساقط كميات معتبرة من الأمطار في ساعات قليلة، مما حول منطقة باب الوادي غرب العاصمة إلى "منطقة من الأوحال"، مع تسجيل أكثر من 2000 قتيل وعشرات المفقودين وتهدم المئات من المباني وتشرد أكثر من ثلاثة آلاف عائلة.
تعدّ الأمطار الغزيرة التي تساقطت خلال الساعات الأخيرة، وما خلفته من تدخلات عبر عدة ولايات بالجزائر، حلقةً جديدةً في سلسل متكررة من الأزمات المرتبطة بالتغيرات المناخية، ودق ناقوس على خلل في التخطيط العمراني وضعف الوقاية.
وبين واقع التدخلات الاستعجالية وذاكرة كوارث سابقة ما تزال آثارها حاضرة في الأذهان، يفتح هذا المشهد من جديد النقاش حول قدرة البنية التحتية على الصمود، وحدود مسؤولية الإنسان أمام قوانين الطبيعة التي تشهد تحولات مست الأرض ولا تنسى مجاريها.
الأسئلة القديمة تتجدد
قبل 25 سنة شهدت الجزائر أعنف الفيضانات ما عرف إعلاميا بـ" السبت الحزين " في العاشر من تشرين الثاني/ نوفمبر 2001، بسبب تساقط كميات معتبرة من الأمطار في ساعات قليلة، مما حول منطقة باب الوادي غرب العاصمة إلى "منطقة من الأوحال"، مع تسجيل أكثر من 2000 قتيل وعشرات المفقودين وتهدم المئات من المباني وتشرد أكثر من ثلاثة آلاف عائلة.
هذه الكارثة الطبيعة أعادت وقتها الحديث عن خرائط الوديان ومعطيات المناطق التي يمكن أن تتعرض للفيضانات، كما كانت إنذار قوي حول ضرورة تهيئة البنية التحتية في الجزائر التي ظلت بدورها على مدار السنوات محلّ اختبار حقيقي، في مقابل هيجان الطبيعة، ليبقى الدرس الأبرز أن المياه مهما جرفت في طريقها تعود دومًا إلى مجاري الوديان.
عندما تتحول الأمطار إلى أزمة
تصنف الفيضانات في خانة أكثر الكوارث الطبيعية الكبرى تكرارًا بالجزائر، بعد الزلازل، وخلال ملتقى دولي حول هذه المخاطر الكبرى التي تواجهها البلاد، نظمه مركز البحث في علم الفلك والفيزياء الفلكية والفيزياء الأرضية ومركز التهيئة والاقليم وجامعة قسنطينة (شرق)، كشف الخبراء أنّ منذ سنة 1950 تمثل ما يقارب 61 في المائة من إجمالي الكوارث المسجلة على المستوى الوطني.
ووفق المعطيات الرسمية لـ 2025؛ أسفرت الخسائر بسبب الفيضانات عن 9 وفيات وخسائر اقتصادية بلغت أزيد من 45 مليار دينار جزائري.
أما في الفترة ما بين 2004 إلى 2025، بلغت الخسائر نحو 681 مليار دينار، أي ما يعادل 77 في المائة من إجمالي الخسائر المسجلة جراء الفيضانات وحرائق الغابات، والتي وصلت قيمة الخسائر880 مليار دينار.
وفي الفترة ما بين 2020-2024، سجلت الجزائر 138 وفاة نتيجة الكوارث الطبيعية، إلى جانب خسائر مالية بلغت 192 مليار دينار، فيما تعد سنة 2024 الأكثر كلفة خلال هذه الفترة، حيث أسفرت عن وفاة 57 شخصًا، وتسببت في خسائر بلغت 78 مليار دينار.
وفق المعطيات الرسمية لـ 2025؛ أسفرت الخسائر بسبب الفيضانات عن 9 وفيات وخسائر اقتصادية بلغت أزيد من 45 مليار دينار جزائري
كما خصصت الحكومة للدراسات الوقائية بمنطقة "جانت" جنوب البلاد أكثر من 7 مليارات دينار فيما بلغت الخسائر بسبب فيضانات شهدتها المنطقة في 2019 ما يقارب 17 مليار دينار، وهو ما يؤكد أنّ كل دينار وقاية يوفر 15 دينارًا من كلفة التدخلات إثر الكارثة وإعادة الإعمار.
قوانين الطبيعية في وجه الكوارث
يُقال إنّ الطبيعة تصحّح وتعيد التوازن، فالفيضانات الناجمة عن الأمطار الغزيرة رغم قسوتها على البشر؛ جوهرها رحمة للأرض، فهي تجدّد التربة وتعيد خصوبتها وتذكرنا بأن لكل نهر مجرى سيعود له يوما ولا ينبغي تجاوزه.
عندما تهمل الأودية على حواف المدن والقرى وتبنى عليها الأحياء ويحاصر الإسمنت مجاري المياه، تصبح كل موجة مطر الامتحان الحقيقي لقدرة الإنسان على احترام نظام الطبيعة ورسالتها الواضحة: الوادي سيرجع يومًا إلى مجراه الطبيعي.
عقب كل موجة أمطار غزيرة وفيضانات وسيول مفاجئة، تتكرر المشاهد نفسها في عديد الولايات، من بينها غليزان وتيبازة والجلفة، فضلًا عن طرقات مقطوعة وجسور منهارة وأحياء معزولة، وحياة يومية مشلولة.
وفي كل مرة يقدم الحدث على أنه " كارثة طبيعية" استثنائية، في حين تكشف الوقائع أن ما يحدث ليس إلا نتيجةً غير مباشرة لهشاشة بنية تحتية عجزت الدراسات وعملية التشييد عن الصمود أمام اختبار طبيعي.
الذاكرة المائية في مواجهة العمران الحديث
تشير الحوادث التي عرفتها الجزائر على مر عقود من الزمن، إلى أن الطبيعة لا تنشئ الخلل بل تظهره بوضوح.
ومن هذا المنظور؛ أعاد مؤتمر علمي حول العمران وإشكاليات اجتماعية التأكيد على أن المدن ليست "كيانات عشوائية" بل قامت وفق منظومة طبيعية تراعي مجاري الوديان ومساراتها.
رغم استحالة إيقاف هيجان الطبيعة، يمكن تقليص آثارها وتخفيف الأعباء من تداعياتها عبر التخطيط المسبق، عبر دراسات استباقية خصوصا في أطراف المدن الصغيرة التي نشأت على امتداد المجال الجغرافي للمدن الكبرى، وفي المناطق المعروفة بمرور الأودية
وكشف النقاش حول عدة أوراق مقدمة من قبل الباحثين أن لكل مدينة " ذاكرةً مائية" منذ قرون، يفترض أن تتبع في توسع البناء والتشييد، مثل التجمعات السكنية الجديدة.
اللافت أنّ إهمال أو ما يسميه البعض بـ" القطيعة مع الخرائط الطبيعية" جعلت هذه التجمعات على مستوى عدة مناطق في مواجهة مع الطبيعة بفعل التغيرات المناخية والتقلبات الجوية.
لذلك لا يمكن حصر البنية التحتية في منشآت اسمنتية؛ بل تعتبر – وفق المختصين- منظومة متكاملة تقوم على أساس الدراسات الاستباقية ومعايير السلامة فضلا عن الصيانة الدورية.
ورغم استحالة إيقاف هيجان الطبيعة، يمكن تقليص آثارها وتخفيف الأعباء من تداعياتها عبر التخطيط المسبق، عبر دراسات استباقية خصوصا في أطراف المدن الصغيرة التي نشأت على امتداد المجال الجغرافي للمدن الكبرى، وفي المناطق المعروفة بمرور الأودية.
التخطيط الحضري بين التاريخ والجغرافيا
ويرجع البعض هذه الإشكالية إلى أكثر من ثلاثة عقود مضت، أي منذ الفترة الأمنية العصيبة التي مرت بها البلاد، إذ شهدت توسعًا عمرانيًا غير منظم، تم من خلاله تشييد أحياء سكنية فوق مساحات من الأراضي الزراعية، وعلى ضفاف الوديان، ما يجعلها من أكثر المناطق عرضة للمخاطر الطبيعية.
لكن عندما تنهار الطرقات أو تغرق الجسور وتغرق أنفاق الطرقات بعد تساقط الأمطار، فإن السؤال الأهم: كيف أنجزت هذه المشاريع؟ وبأي معايير؟ ومن راقبها وأين صيانتها؟
يتحول الحدث المناخي في هذه الحالة إلى غياب رؤية قبلية وبعدية للتخطيط والتسيير، فمثلا توسعت المدن الكبرى عبر بناء سكنات عمرانية، ما جعل من الضرورة إعادة هيكلة تلك المناطق بتوفير العديد من المرافق العمومية وخاصة المدارس والطرقات.
على مستوى البرامج الكبرى، تم إنجاز شبكات الطرق خلال السنوات الأخيرة، وتم تحديث الجسور وبناء سدود جديدة، غير أن الواقع الميداني يكشف عن فجوة خطيرة بين الكلفة والجودة، في علاقتها باحترام معايير الاستدامة.
وبسبب الأمطار الغزيرة التي تعرفها الجزائر، سجلت انهيارات وانقطاعات في شبكة الطرقات، إذ تتجلى مفارقة صارخة بين حجم الإنفاق العمومي المعلن وضعف قدرة المنشآت على الصمود.
وعليه تبرز إشكالية الصيانة بحدة في ظل هذه الظروف المناخية، إذ غالبًا ما يتعامل مع هذا الملف باعتباره أولوية ثانوية أو كورقة مؤجلة، رغم أن ديمومة المنشآت والبنى التحتية لا يمكن ضمانها إلا من خلال الصيانة الدورية والمتابعة المستمرة، كبديل أقل كلفة وأكثر فعالية من إعادة البناء بعد تدهور المنشآت.
ويعد غياب الصيانة الدورية وعدم تحين الدراسات التقنية، والتعامل مع البنية التحتية كملف موسمي، كلها عوامل تحول أي تغير مناخي إلى أزمة حقيقية.
إنّ الكوارث الطبيعية ليست الاستثناء في عالم يشهد التحولات المناخية، إذ أصبحت هذه الأخيرة جزءا من الواقع، لذا من الواجب اليوم أن تدمج هذه المعطيات في السياسة التخطيطية، حتى لا تراكم الانهيارات.
هل المواطن شريك غير مباشر؟
لا تقاس البنية التحتية بالمشاريع المنجزة، بل بالقدرة على الصمود وحماية الأرواح وضمان استمرارية الحياة، لذا فإن هذه الكوارث لا تحدث الخلل بل تكشفه، وتضع الحكومة أمام اختبار حقيقي للتعامل مع البنية التحتية كحق جماعي واستثمار استراتيجي، وليس إدارة الأزمة بمنطق ترقيعي.
في مقابل مشاريع البنية التحتية، وجب التذكير أن انسداد قنوات تصريف المياه في الشوارع ليس بسبب ضعف الإنجاز أو غياب الصيانة فقط، بل تمتد لتشمل السلوكيات اليومية للمواطنين، فرمي القمامة في مجاري المياه في الشوارع يؤدي إلى تراكمها في قناة الصرف ويحولها من وسيلة حماية إلى نقطة خطر عند أولى زخات مطر.
الكلمات المفتاحية
دراما رمضان في الجزائر: من مشروعية الاقتباس إلى شُبهة "البلاجيا"
يعيدُ قدومُ شهرِ رمضان كلّ عامٍ رسمَ خريطة قطاع السّمعي البصريّ في الجزائر، حيثُ تتكاثفُ الشّبكات البرامجية، وتغزو الوَمضاتُ الإشهاريةُ كلّ الشّاشات ومواقع التّواصل ومنصّات المُشاهدة، كما يتسابق المنتجون والمخرجون إلى تقديم أعمالٍ برّاقة، وتعودُ إلينا الوجوهُ المألوفة في حكاياتٍ صُمّمت لتؤثّث سهرات العائلة طيلة شهرٍ كامل، ليصبح المسلسلُ الرّمضاني طقسًا جماعيًا، وموعدًا اجتماعيًا مُقدّسًا، كما…
هكذا يشكّل الجزائريون لغتهم.. مواد عربية وطريقة طهي وتوابل جزائرية
ككل البلاد العربية وبلدان أخرى في العالم، احتفلت الجزائر باليوم العالمي للغة العربية، وأقامت للمناسبة أنشطة ثقافية وعلمية عبر مختلف محافظاتها، كان على رأسها توزيع "جائزة رئيس الجمهورية للأدب واللغة العربية"، في طبعتها الأولى. رغم ذلك مازال يصعب على أغلب الأشقاء العرب، خاصة في المشرق العربي تصنيف الدارجة الجزائرية على أنها أداء من أداءات العربية.
" لا يُحبّون بعضهم بعضًا !؟ ".. رسالة مهنيّي السّينما في الجزائر إلى الرئيس
عندما يُصرِّح رئيس الجمهورية عبد المجيد تبّون خلال لقائه مع جمعٍ من الفنّانين في مدينة قسنطينة، بنبرةٍ تجمع بين الانتقاد واللّوم بأنّ " بعض المخرجين في الجزائر لا يحبّون بعضهم بعضًا"، فقد يبدو كلامه خفيفًا أو عابرًا كدُعابة، لكنّ هذه الجُملة في الواقع قد لعبت دور كاشفِ ضوءٍ سلّط نوره القويّ على عمق الأزمة الّتي تعصف بقطاع السّينما، فخلف "الدّعابة الظّاهرة" يختبئ تشخيصٌ قاسٍ…
لماذا يَخشى الجزائريّون إعلانَ الحُبّ؟.. قراءةٌ في جُرحِ الوُجدان الجَمعيّ
حينما تجرّأ شابٌّ جزائريٌّ من ولاية تيزي وزّو شرق عاصمة الجزائر، على طلب يد حبيبته خِلال مباراةٍ لكرة القدم في الدّوري المحلّي، وسط مُدرّجاتٍ ملعب الرّاحل حسين آيت أحمد، وأمام مئات المُناصرين المهلّلين له، انقسم المُتفاعلون مع مقطع الفيديو المُتداول لهما بين مصفّقٍ يرى في الفعل شجاعةً جميلةً وتعبيرًا صادقًا عن الحبّ، في حين قُوبِلَ أيضًا بتيّارٍ غاضبٍ اعتَبر ذلك المشهد الجميل تعدّيًا على الذّوق…
طقس الجزائر.. أمطار غزيرة مرتقبة اليوم في عدة ولايات
أفادت مصالح الأرصاد الجوية، بتساقط أمطار غزيرة خلال يومي الثلاثاء والأربعاء، مصحوبة أحيانًا بحبات البرد، تشمل عدداً من ولايات الوطن.
حوار | محمد فريمهدي: حين تُصبح التقنية والصورة أقوى من الإنسان.. نفقد جوهر الدراما
يختارُ بعض المُمثّلين في المشهد الفنّي الجزائريّ تشييد مسارهم الفنيّ بعيدًا عن ضجيج الانتشار السّريع، مُعتمدين على تراكم التّجربة وصرامة العمل. من هنا، يأتي محمد فريمهدي (1964) ضمن هذا الصّنف من الفنّانين الّذين شقّوا طريقهم بهدوء، متنقّلين بين المسرح والتّلفزيون والسّينما، مع الاحتفاظ بجذورٍ مسرحيّةٍ تُغذّي حضورهم على الشّاشة.
هذا موعد انطلاق أول رحلة للحجاج الجزائريين
كشف، المدير العام للديوان الوطني للحج والعمرة، طاهر برايك أنّ أول رحلة للحجاج لموسم 2026، ستنطلق يوم 29 أبريل/نيسان المقبل من مطار هواري بومدين الدولي بالجزائر العاصمة نحو البقاع المقدسة.