ultracheck
اقتصاد

الجزائر تُنوّع شراكاتها الاقتصادية.. انفتاح محسوب أم إعادة تموضع؟

15 مايو 2026
الجزائر
أسماء بهلولي
أسماء بهلولي صحافية من الجزائر

في الأسابيع الأخيرة، بدت الدبلوماسية الاقتصادية الجزائرية وكأنها تتجه نحو إعادة ترتيب أولوياتها الخارجية، عبر توسيع شبكة الشراكات والانفتاح على عدة محاور دولية في وقت واحد، ضمن مقاربة تقوم على تنويع العلاقات الاقتصادية بدل الارتهان لشريك واحد.

وبين من يعتبر هذا التحول بداية لبراغماتية اقتصادية جديدة، ومن يراه مجرد إعادة تموضع تدريجي، هل تعيد الجزائر فعليا صياغة خريطة شركائها الاستثماريين، أم أنها تحاول فقط الانتقال نحو توازن خارجي أكثر اتساعا؟

وتتجلى هذه التحركات في عدة مؤشرات متزامنة، أبرزها زيارة الدولة التي أجراها الرئيس عبد المجيد تبون إلى تركيا، وعودة السفير الفرنسي إلى الجزائر، إلى جانب حركية لافتة في العلاقات مع شركاء آخرين بأوروبا وآسيا. كما برزت خلال الفترة نفسها زيارة وفد من رجال الأعمال الجزائريين إلى الولايات المتحدة وعقد لقاءات مع مسؤولين أمريكيين، في مؤشر على انفتاح متزايد نحو السوق والاستثمار الأمريكيين.

كما شهدت الأيام الأخيرة تنظيم لقاء اقتصادي إفريقي بالجزائر، في خطوة تعكس توجها متزايدا نحو تعزيز البعد القاري وربط الاقتصاد الوطني بالأسواق الإفريقية، خاصة في مجالات التبادل والتكامل الإقليمي. وبالتوازي مع ذلك، تتوسع قنوات التعاون مع عدة قوى دولية، من إيطاليا وإسبانيا إلى روسيا، ضمن مقاربة تقوم على تنويع الشراكات وفق طبيعة المصالح والقطاعات، بدل الاعتماد على محور واحد كما كان سائدا في السابق.

وبين من يعتبر هذا التحول بداية لبراغماتية اقتصادية جديدة، ومن يراه مجرد إعادة تموضع تدريجي، يبقى السؤال مفتوحا: هل تعيد الجزائر فعليا صياغة خريطة شركائها الاستثماريين، أم أنها تحاول فقط الانتقال نحو توازن خارجي أكثر اتساعا؟

كسر منطق الشريك الواحد

وفي السياق يرى الخبير الاقتصادي حمزة جرايمي، في تصريح خص به "الترا جزائر"، أن المرحلة التي تعيشها الجزائر اليوم تفرض إعادة صياغة عميقة لمنظور الشراكات الاقتصادية والاستثمارية، بعيدا عن منطق الاعتماد على جهة واحدة أو محور واحد كما كان سائدا في فترات سابقة، نحو رؤية أكثر انفتاحا ومرونة تقوم على تنويع الشركاء وفق مبدأ واضح، لكل دولة أو تكتل اقتصادي مجال قوة يمكن أن يخدم الأولويات التنموية للجزائر.

جرايمي: مكن لفرنسا أن تظل شريكا مهما بحكم التشابك التاريخي وسلاسل التوريد القائمة، خاصة في مجالات الصناعات الدوائية وصناعة المركبات

ويؤكد جرايمي أن الاقتصاد العالمي لم يعد يدار بمنطق الولاءات الحصرية، بل بمنطق المصلحة المتبادلة والبراغماتية الاقتصادية، في هذا السياق، يمكن لفرنسا أن تظل شريكا مهما بحكم التشابك التاريخي وسلاسل التوريد القائمة، خاصة في مجالات الصناعات الدوائية وصناعة المركبات، غير أن ذلك لا يعني حصر التعاون معها في هذه القطاعات، بل إعادة ضبطه ضمن رؤية أوسع لا تقيد الخيارات.

وفي المقابل، يبرز الدور الألماني كخيار استراتيجي في مجالات الطاقات المتجددة، خصوصا الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر والتقنيات الصناعية الدقيقة، بالنظر إلى خبرة برلين في التحول الطاقوي. أما إيطاليا، فيمكن أن تلعب دورا محوريا في الصناعات الميكانيكية، الطاقة، إضافة إلى دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة عبر خبرات متقدمة في التمويل والتسيير الصناعي.

ويضيف المتحدث أن آسيا أصبحت اليوم مركز ثقل تكنولوجي عالمي، حيث تمثل كوريا الجنوبية نموذجا متقدما في الرقمنة والتكنولوجيا الصناعية، بينما تقدم الصين إمكانيات ضخمة تشمل البنية التحتية، الصناعات التحويلية، وسلاسل التوريد العالمية، ما يجعلها شريكا لا يمكن تجاهله في أي استراتيجية تنموية.

أما الولايات المتحدة، فيراها جرايمي فاعلا رئيسيا في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، البحث العلمي، واستغلال المعادن النادرة، إضافة إلى الصناعات المستقبلية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والابتكار. في حين تحتفظ روسيا بمكانتها في الصناعات الثقيلة، الدفاعية والميكانيكية، بما في ذلك المعدات الكبرى والطاقوية.

يشدد جرايمي على أن "منطق الحصرية الاقتصادية" لم يعد صالحا في عالم متغير، وأن المطلوب اليوم هو دبلوماسية اقتصادية قائمة على اختيار الشريك الأنسب لكل قطاع

وفي الإطار نفسه، يشير إلى أن تركيا أصبحت شريكا نشطا في مجالات متعددة مثل النسيج، الحديد، الأشغال العمومية، وبعض الصناعات الدوائية، مستفيدة من مرونة نموذجها الصناعي، كما يلفت إلى أهمية الفضاء العربي والإفريقي، حيث يمكن للجزائر أن تستثمر بقوة في منطقة التبادل الحر القارية "زليكاف"، لتعزيز صادرات "صنع في الجزائر" وبناء حضور اقتصادي إفريقي أوسع.


ويشدد جرايمي على أن "منطق الحصرية الاقتصادية" لم يعد صالحا في عالم متغير، وأن المطلوب اليوم هو دبلوماسية اقتصادية قائمة على اختيار الشريك الأنسب لكل قطاع، وفق قاعدة بسيطة، من يضيف قيمة حقيقية للاقتصاد الجزائري هو شريك مرحب به، بغض النظر عن الجغرافيا أو التاريخ.

الأولوية تسهيل الاستثمارات قبل البحث عن الشريك المقبل

من جهته يرى رئيس النادي الاقتصادي الجزائري النادي الاقتصادي الجزائري، سعيد منصور، في تصريح خص به "الترا الجزائر"، أن القضية لم تعد مرتبطة اليوم بهوية الشريك الاقتصادي بقدر ما أصبحت مرتبطة بقدرة الجزائر على تسهيل الاستثمار داخليا، فحسبه، عندما تبسط الإجراءات وترفع العراقيل الإدارية ويعتمد على الشفافية، فإن مختلف الشركاء الدوليين سيتهافتون على السوق الجزائرية دون حاجة إلى بحث طويل عن فرص.

ويؤكد منصور أن الأرقام التي كشف عنها الوزير الأول سيفي غريب بخصوص حصيلة قانون الاستثمار الجديد تعكس وجود إرادة سياسية واضحة لإعادة بعث الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال في الجزائر، خاصة عبر تبسيط الإجراءات، تقليص آجال دراسة الملفات، وتعزيز الرقمنة والشباك الموحد كأداة مركزية لتسيير الاستثمار.

غير أن نجاح هذه الإصلاحات، يضيف المتحدث، يبقى مرهونا بمدى تحويلها إلى واقع فعلي داخل الإدارات والمؤسسات، حتى تصبح رافعة حقيقية لخلق الثروة ومناصب الشغل، ووسيلة لرفع نسب الاندماج الوطني وتنويع الاقتصاد بعيدا عن الأحادية.

منصور: القضية لم تعد مرتبطة اليوم بهوية الشريك الاقتصادي بقدر ما أصبحت مرتبطة بقدرة الجزائر على تسهيل الاستثمار داخليا

ويشير إلى أن تسجيل أكثر من 20 ألف مشروع استثماري بقيمة تفوق 9000 مليار دينار يمثل مؤشرا إيجابيا على عودة الثقة لدى المستثمرين، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مرافقة هذه المشاريع حتى مرحلة الإنتاج، من خلال توفير العقار الصناعي، التمويل، الطاقة، اللوجستيك، والمرونة الإدارية.

وفي السياق ذاته، يعتبر أن تقليص آجال معالجة الملفات إلى 15 أو 20 يوما يعد تحولا مهمًا مقارنة بالماضي، ويعكس تغييرا في عقلية الإدارة الاقتصادية، لكنه يشدد على ضرورة تسريع أكثر وتعزيز الشفافية حتى تزول العراقيل الميدانية التي ظلت تعيق الاستثمار لسنوات.

كما يرى أن توقع خلق أكثر من 525 ألف منصب شغل يحمل دلالة اقتصادية واجتماعية كبيرة، خاصة إذا تم توجيه الاستثمارات نحو القطاعات المنتجة، مثل الصناعة الميكانيكية، والفلاحة بمختلف أبعادها الاستهلاكية، التحويلية، والتصديرية، إضافة إلى الطاقات المتجددة والخدمات والتكنولوجيا، بما يسمح بخلق مناصب عمل دائمة وذات قيمة مضافة.

أما الرقمنة، فيعتبرها خطوة أساسية نحو تقليص البيروقراطية والحد من التعاملات الورقية، بما يساهم في تحسين صورة الجزائر لدى المستثمرين ورفع ترتيبها في مؤشرات مناخ الأعمال، شريطة ربط المنصات الرقمية بين مختلف الإدارات وضمان فعاليتها.

ويضيف أن مهلة 48 ساعة للرد على طلبات العقار الاقتصادي تحمل رسالة واضحة بأن الدولة تتجه نحو تسريع وتيرة الاستثمار وضمان شفافية أكبر في منح العقار، مع توجيه المشاريع نحو النشاطات الجادة والمنتجة.

ويختم سعيد منصور بالتأكيد على أنه في حال تطبيق ميدانيا كل ما تم الإعلان عنه فالجزائر ساتحول لقطب لجذب الاستثمارات الأجنبية من كافة الدول وليس من دولة واحدة.

 
https://whatsapp.com/channel/0029VaBBP2J5Ejxz0gwcXJ1t


 

الكلمات المفتاحية

الغاز الجزائر المسال

صادرات الغاز المسال.. الجزائر تسجل انتعاشاً لافتاً في مايو

وتشير البيانات إلى أن إجمالي صادرات الجزائر من الغاز المسال خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026 سجل تراجعاً بنسبة 5%، حيث بلغ 3.78 مليون طن، مقابل 3.97 مليون طن خلال الفترة نفسها من 2025.


الجزائر-الإمارات

الجزائر تجمّد صفقة إماراتية كبرى في قطاع المياه.. ما التفاصيل؟

بحسب المصدر ذاته، فقد أبلغت الجزائر رسمياً اعتراضها على إدراج محطتي تحلية المياه في مستغانم وكاب جنات ضمن الصفقة، بالنظر إلى حساسية القطاع وارتباطه بالأمن المائي للبلاد. وتُقدّر قيمة المحطتين بنحو 350 مليون يورو.


وزارة المالية 2027 في الجزائر

وزارة المالية ترسم ملامح ميزانية 2027.. تقليص للنفقات وتسيير صارم للمال العام

أصدرت وزارة المالية مذكرة تأطير خاصة بتحضير مشروع قانون المالية وميزانية الدولة لسنة 2027، دعت فيها مختلف الآمرين بالصرف إلى اعتماد مقاربة جديدة تقوم على ترشيد النفقات وإعادة ترتيب الأولويات وفق منطق الأداء والفعالية الاقتصادية والاجتماعية، في ظل ظرف اقتصادي وجيوسياسي عالمي وصفته بالمتقلّب.


سلالات الأغنام الجزائرية

عيد الأضحى في الجزائر.. حماية سلالات الأغنام المحلية تعود للواجهة

بمناسبة عيد الأضحى يدور الحديث هذه الأيام عن استيراد الأغنام من الخارج والاهتمام بتوفير الأضاحي وضبط الأسعار، غير أن هذا القرار أعاد ملف مصير السلالات المحلية إلى الواجهة، وهي التي شكلت لعقود طويلة العمود الفقري للثروة الحيوانية في الجزائر.

الفيفا كريستوف غليز
رياضة

رئيس "الفيفا" يدعو إلى عفو رئاسي عن الصحفي الفرنسي كريستوف غليز قبل مونديال 2026

جدد والدا كريستوف غليز مناشدتهما للرئيس عبد المجيد تبون من أجل منحه عفوًا رئاسيًا، معتبرين أن الإفراج عنه "يصب في مصلحة الجميع"

أمطار غزيرة بالجزائر
أخبار

رياح قوية وأمطار رعدية مرتقبة عبر 13 ولاية ابتداءً من اليوم

حذّرت مصالح الأرصاد الجوية من اضطرابات جوية مرتقبة ابتداءً من اليوم الخميس، تتمثل في هبوب رياح قوية إلى جد قوية بعدد من الولايات الساحلية الغربية والوسطى، إلى جانب تساقط أمطار رعدية معتبرة محليًا على ولايات داخلية وشرقية.


وزارة الخارجية
أخبار

الجزائر تدين الاعتداءات على الأردن والكويت والبحرين

وأكد وزارة الخارجية في بيان، رفض الجزائر القاطع لأي مساس بسيادة هذه الدول الشقيقة وأمنها واستقرارها. مجددة دعوتها إلى ضرورة احترام مبدأ سيادة الدول وسلامة أراضيها، وفق ما تكفله المواثيق والقوانين الدولية.

توغاي
رياضة

يتواجد رفقة "الخضر" في المونديال.. توغاي يتلقى عقوبة ثقيلة في تونس

وقررت الرابطة تسليط عقوبة الإيقاف لمدة 12 شهرًا في حق مدافع الترجي الرياضي التونسي والدولي الجزائري محمد أمين توغاي، على خلفية الأحداث التي عرفتها المباراة.

الأكثر قراءة

1
راصد

وجوهٌ "محسّنة" و شعارات متشابهة.. هل يقود الذكاء الاصطناعي حملات المترشّحين للتشريعيات؟


2
رياضة

خاص الترا جزائر| كواليس تنقل رئيس "الفاف" إلى كانساس سيتي للالتحاق بمعسكر منتخب الجزائر


3
أخبار

تشريعيات الجزائر.. كيف يتم تعيين ممثلي المترشحين لمراقبة التصويت والفرز؟


4
أخبار

تبديد 1000 مليار بشركة تبغ في الجزائر.. التفاصيل مثيرة


5
أخبار

الأحزاب تطرق أبواب الناخبين.. جدل المادة 200 يرافق انطلاق حملة التشريعيات