ultracheck
منوعات

الحمّامات القديمة في قسنطينة.. ذاكرةُ البُخار والمَلاذاتِ الاجتماعية

23 أكتوبر 2025
الحمامات المورية
الحمامات المورية في قسنطينة (تركيب: الترا جزائر)
سلمى قويدر
سلمى قويدركاتبة من الجزائر

لطالما حملت كلّ حجارةٍ في المدينة القديمة بقسنطينة، شرق الجزائر، حكاياتٍ مُتوارثة عن الأزمان الغابرة، كما عبرت الذّاكرة الجمعية المُثقلة بالحنين عبر الأزقّة الضّيقة لتسكنها، وخلال ذلك العبور، تقف عند بقايا مباني الحماماتُ التّقليدية، أو ما يُعرف بـ" الحمّامات المورية ، تلك الملاذات الخفيّة الّتي يحتمي بها بعضٌ من التّاريخُ القسنطينيّ.

تختزنُ قسنطينة الّتي عُرفت قديمًا باسم سيرتا النّوميدية ، ثم الرّومانية، قبل أن تتحوّل إلى ملاذ عثمانيّ في قلب المغرب الكبير، مراحل تاريخية قلّ نظيرها، وفي سياق ذلك، ظلّ طقس الاستحمام الجماعيّ حاضرًا بين طقوس حياتية عديدة على امتداد العصور، دون أن يفقد مكانته الكبيرة، لأنّ الماء في هذه المدينة المُعلّقة على شفا الهاوية، لم يكن مجرّد مَوردٍ حيويّ، بل كان مُحمّلاً بدلالاتٍ روحيةٍ وثقافية دائمة.

بقيت هذه الحمامات لعشرات السّنين مخفية في قلب الأزقّة العتيقة، أو خلف واجهاتٍ مُتواضعة، حيث لم تقتصر على احتضان طقوس الاستحمام والنّظافة وحسب، فقد مثّلت دائمًا مساحاتٍ للعبور والتّلاقي والتوغّل داخل المجتمع المحلّي لتحكي سيرة أفراده وتحفظ أسرارهم وحميمياتهم.

 هناك، حيث تُعانق الرّطوبة برودة الرّخام، وتتخلّص الأجساد من أعبائها اللّامرئية، جسّدت الحمّامات جزء مهمًّا من الحياة الحميمية والاجتماعية، وحملت بصمة فنّ عيش جزائريّ، ونتاج قرونٍ من التّفاعل الثّقافي المُتوارث، من الرّومان والبيزنطيين إلى العثمانيين، وفترة الاستعمار الفرنسيّ إلى غاية اليوم. 

لهذا، لا يُختزل الحمّام التّقليديّ القسنطينيّ في وظيفته وتعاملاته مع الجسد فقط، لأنّه يمثّل كينونة تقاطعت فيها الأجيال، ومرآةً عكست المدينة وتحوّلاتها الصّامتة، وفي زمنٍ تتسارع فيه وتيرة التمدّن وتتبدّل أنماط العيش، ما يهدّد بمحو هذه الفضاءات المشحونة بالمعنى، تبرز ضرورةُ استعادة تاريخها، فهم لغتها المعمارية، وتأمّل موقعها في المدينة الحديثة، فخلف الجدران المتداعية نجد دائمًا شذراتٍ من حضارةٍ تستحقّ أن تُصان.

تقليد استحماميً ضاربٌ في القِدم

تختزنُ قسنطينة الّتي عُرفت قديمًا باسم سيرتا النّوميدية ، ثم الرّومانية، قبل أن تتحوّل إلى ملاذ عثمانيّ في قلب المغرب الكبير، مراحل تاريخية قلّ نظيرها، وفي سياق ذلك، ظلّ طقس الاستحمام الجماعيّ حاضرًا بين طقوس حياتية عديدة على امتداد العصور، دون أن يفقد مكانته الكبيرة، لأنّ الماء في هذه المدينة المُعلّقة على شفا الهاوية، لم يكن مجرّد مَوردٍ حيويّ، بل كان مُحمّلاً بدلالاتٍ روحيةٍ وثقافية دائمة.

مثّلت حمّامات الرّومان الواسعة والمُنظمة أوّل تجسيد لمعمار الاستحمام في النّسيج الحضري لمدينة قسنطينة، ومع دخول الإسلام وتوسّع النّفوذ العثماني، تحوّل الحمّام إلى فضاءٍ مُقدّس من الحياة اليومية، حيث جمع بين الطّهارة الطّقسية، الاسترخاء الجسديّ، والتّفاعل الاجتماعي.

تُنسب مقولةٌ قديمة إلى الملك النّوميدي يوغرطة قالها في سجنه للقائد الرّومانيّ مايوس: "آه أيّها الرّومان، ما أبرد حمّاماتكم !! "، ما يعدّ إشارة عاطفية عبّرت عن حنينه إلى الحمّامات السّاخنة هنا على هذه الأرض، و الّتي افتقر إليها الرّومان في روما. 

في هذه المدينة العريقة، مورست في الحمّام وظائف صّحية وسلوكات تطهّر مقدّسة،كما كان هذا المكان موغلاً في الذّاكرة العميقة للمدينة القديمة باعتباره مُنطلقَ انتماء وتجدّد رمزيّ. ففي أحياءٍ مثل السّويقة، باردو، وسيدي راشد، الّتي ضمّت عشرات الحمّامات، كان لكلّ واحدٍ منها طابع الخاصّ، تاريخ ومُرتادُون مُخلصون رسموا ملامح الذّاكرة المحلية لهذا الفضاء العريق.

 حمّامات قيصر 

تُنسب مقولةٌ قديمة إلى الملك النّوميدي يوغرطة قالها في سجنه للقائد الرّومانيّ مايوس: "آه أيّها الرّومان، ما أبرد حمّاماتكم !! "، ما يعدّ إشارة عاطفية عبّرت عن حنينه إلى الحمّامات السّاخنة هنا على هذه الأرض، و الّتي افتقر إليها الرّومان في روما. 

 

في هذا السّياق، وقبل الحمّامات التّقليدية في قلب المدينة القديمة في قسنطينة، كان هنالك ما يسمّى حمّامات قيصر أو حمّامات "سيدي مسيد"،على مقربة من وادي الرّمال، في الجهة الجنوبية من المدينة، وهي من الشّواهد الحيّة على التّراث العمرانيً للمدينة، فقد كان ينبع من بين الصّخور في ذلك المكان نبعٌ مائيٌّ ساخن، استُغِلّ منذ العصور القديمة، حيث تشير البقايا الأثرية إلى استمرارية الاستخدام عبر مختلف الحقب التّاريخية.

تندرج حمّامات سيزار ضمن المدينة القديمة "سيرتا"، وتؤكّد بقايا قنوات المياه الرّومانية والمنشآت الحرارية أنّ النّبع السّاخن كان يغذّي مُركّبًا عموميًا للاستحمام، كما يبدو أنّ التّأريخ الدّقيق لبناء هذه الحمّامات ما يزال غامضًا، لكنّ هذه المنشآت تُمثّل امتدادًا للتّقاليد الرّومانية، وقد أُقيمت في موضع فريد تتحكّم فيه الجغرافيا الصّخرية بالمضائق والمرتفعات الطّبيعية.

 مثّلت هذه الحمّامات فضاءاتٍ اجتماعية وعلاجية وحضَرية، حيث كان الزّائر يعبر فيها عدّة مراحل، بداية من مدخل على الضّفة، أو عبر ممرّ، إلى حوضٍ أو بركةٍ تغذّيها المياه السّاخنة الطّبيعية، ثمّ إلى قاعات حرارية بدرجات حرارة متفاوتة على غرار النّمط الرّوماني التّقليدي، كما يعزّز اختيار الموقع بالقرب من جسر باب القنطرة ومُنحدرات السّويقة تلك الفرضية القائلة بأنّ هذا المجمّع كان ظاهرًا وخفيًا في ذات الوقت، ومُتكاملًا مع الطّبوغرافيا الاستثنائية للمدينة.

خضعت هذه الحمّامات لعدّة تغييرات على مدى قرون، حيث تمّ تعديلها جزئيًا أو التّخلي عنها أو إعادة استخدامها. وخلال العهد العثمانيّ وحتّى بدايات الاستعمار الفرنسيّ، استمر استخدام الينابيع الحرارية في منطقة قسنطينة، كما أعيد اكتشاف الحمّامات تدريجيًا خلال القرن العشرين، خاصّةً عبر مشروع "درب السّياح" الّذي يربط بين حديقة "باردو" الحضرية وذلك الموقع.

عَمارَةُ الحمّام في المدينة القديمة

اتّبع المِعمار الدّاخلي للحمّام القسنطينيّ التقليديّ "le bain maure" منطقًا جمع بين الوظيفة والحواسّ والرّوحانية، وانطلاقًا من المدخل، أو "السّقيفة"، الّذي يكون غالبًا بسيطًا ومتواضعًا، نلتقي بالحدّ الفاصل بين صخب الشّارع وعالم الدّاخل الهادئ المُغلق. 

بعد ذلك، تأتي "السدّة" أو "الدّكّانة"، وهي فضاءٌ خُصّصَ لخلع الثّياب، كما كانت مكان للتّلاقي والسّكينة، حيث يُقدَّم الشّاي بالنّعناع بعد الاستحمام، في طقس يُجسّد دفء العلاقة الاجتماعية.

 بعد ذلك، يمرّ الزّائر إلى "البيت الباردة"، وهي غرفة معتدلة الحرارة تمهّد للانتقال التّدريجي نحو قلب الطّقس: "البيت السّخون"، حيث البخار الكثيف والأجساد التي تنحلّ وتتحرّر وتتطهّر.

في قلب هذه الغرفة، تجد "البرمة" أو حوض التّسخين، وهي بمثابة قلب الحمّام النّابض الّذي تنتظم حوله الحياة الدّاخلية للمكان، وفي المِخيال الشّعبي، تكتسب البرمة بعدًا شبه مقدّس، لأنّها موضع النّار والتّحوّل، حيث تولد الحرارة التي تُعيد تشكيل الجسد والنّفس معًا.

من أشهر هذه الحمّامات في قسنطينة، نجد حمّام الوليّ الصّالح "دڨوج" في حي الشّارع، حمّام  "تلاتة" في الشّط، حمّام "سوق الغزل" في نفس السّوق، حمّام "المدرسة" وحمّام "بولزبايم" في حيّ ربعين شريف، حمّام "التّرك" في سيدي جليس، حمّام "البطحة"، "سوق العصر"، وحمّام "سيدي راشد' وغيرها الكثير.

رَمزيةُ الجَسد، البُخار والفَضاء

ينشأ في الحمّام التّقليدي حوار خفيّ بين الماء، النّار، الحجر والهواء، ليتجاوب معه الجسد البشريّ ويشارك فيه، ومن خلال التّعري الجزئيّ، يلفّ البخار هذا الكيان، وتبدأ طقوس "الغُسل" أو "التّكسيل" (التّدليك)، لتغدو شكلًا من أشكال التعرّي الدّاخلي، وعودة  إلى الجسد بوصفه فضاءً يستحقّ أن يُستعاد ليُحسّ، ليُفكّ من توتّره، ويُصالح مع ذاته. وكما يردّدُ بين مُرتادي الحمّام: " لا تكتفي الحرارة بملامسة الجسد، بل إنّها تُحرّك الذّاكرة، تُذيب الصمت، وتفتح نوافذ النّسيان المطمور."

تندرج حمّامات سيزار ضمن المدينة القديمة "سيرتا"، وتؤكّد بقايا قنوات المياه الرّومانية والمنشآت الحرارية أنّ النّبع السّاخن كان يغذّي مُركّبًا عموميًا للاستحمام، كما يبدو أنّ التّأريخ الدّقيق لبناء هذه الحمّامات ما يزال غامضًا، لكنّ هذه المنشآت تُمثّل امتدادًا للتّقاليد الرّومانية، وقد أُقيمت في موضع فريد تتحكّم فيه الجغرافيا الصّخرية بالمضائق والمرتفعات الطّبيعية.

من هذا المنطلق، لعبت بنية الحمّام دورًا حاسمًا في هذا التّجلّي الدّاخلي. فالقِباب المنخفضة، الإضاءة الخافتة والأصوات المموّهة بفعل البخار، خلقت مُناخًا شبه تأمّلي، حيث يتمدّد الزمن ويتلاشى العالم الخارجيّ، لعدة الحمّام التّقليديّ مكانًا للمرور العابر، فضاءً للتّعليق، للتوقّف وللانعتاق المُؤقّت، ما يجعل منه كَونًا صغيرًا، ومسرحًا خفيًّا تُؤدَّى فيه يوميًا طقوسٌ شعبية للحميمية والجَمع.

الحمّام بوصفه موقعًا خارج الزّمن

 لا يُعتبر الحمّام في قسنطينة أثرًا من الماضي أو مَعْلمًا تراثيًّا غريبًا، فهو ما يزال حيًّا في الممارسات اليومية، وإن بات حضوره أكثر هامشية ممّا كان عليه، حيث كان لكلّ حيّ، من السّويقة إلى الزّيادية عدّة حمّامات كانت تستجيب لكثافته السّكانية واحتياجات الأهالي. 

مثلا، يُجسّد حمّام "سوق الغزل" الّذي خضع لدراسةٍ مُعمّقة أبرزت هذا الامتداد الحيّ بين الماضي والحاضر؛ وقدرة المكان على تكثيف الذّاكرة الاجتماعية للحيّ، مع مواكبة تحوّلات أنماط الاستعمال.

من خلال هذه الدّراسة، نلمس ما يلفت الانتباه في تجربة الحمّام القسنطينيّ، عبر طاقته الكبيرة على تعليق الزّمن، حيث يعدّ دخول الحمّام أشبه بعبور بوّابة نحو عالم آخر، لتنكمش وتيرة الحياة ويعود الجسد إلى قلب المشهد. 

من هنا، لا يأتي الزّائر إلى الحمّام فقط من أجل النّظافة، بل من أجل الاستراحة، والتّلاقي والانغراس من جديد في إيقاع أبطأ وأكثر حميمية، كما يظلّ الحمّام، خصوصًا بالنّسبة للنساء، فضاءً للتّواصل بين الأجيال، لتناقل المعارف التّقليدية، ولممارسةٍ اجتماعيةٍ نسائية نادرة في الفضاء العام.

في قلب هذا المكان، تعدّ الطقوس دقيقة ومتوارثة، مثل وضع الصّابون البلدي، فرك الجسد ب"الكاسة"، سكب الماء السّاخن ثم الاستلقاء تحت القبّة المتعرّقة بالبخار.

 العمارة والسّلطة الحضرية

تكشف العمارة التّقليدية للحمّام، من خلال بنيتها وتوزيع فضاءاتها، عن خريطة رمزية للسّلطة داخل النسيج الحضري. فتنقّل المستعمل من "السّقيفة" إلى "البرمة" لم يتمّ بشكل اعتباطيّ، بل رسم مسارًا شبه طقسيّ، من الخارج إلى الدّاخل، من الصّخب نحو السّكون، من الدّنيوي إلى الحميميّ. 

لهذا، تعدّ هذه الهندسة وظيفة معمارية وتجربةً حسّية وروحية تقتاد الجسد في رحلة تطهّر وتحوّل حرارية، اجتماعية ووجودية.

إضافة إلى ذلك، لم يكن توزّع الحمّامات في المدينة يومًا عرضيًا، فعادةً ما تقع هذه المُنشآت قرب المساجد، أو على أطراف الأسواق والسّاحات الكبرى، ما يجعلها محاور خفية لبنية المدينة، كما كانت تمارس نوعًا من المركزية الرّمزية، حيث تتشابك العلاقات الاجتماعية وتتقاطع الفئات، بين الغنيّ والفقير، الشّباب والشّيوخ، إذ يلتقي الجميع على عتبة البخار، ليغدو الحمّام مساحة للتّسوية المؤقّتة الّتي تتلاشى خلالها الفوارق الطّبقية والاجتماعية، ولو إلى حين.

من جهة أخرى، ورغم التّحوّلات الّتي طالت العمران وأنماط الحياة، بقيت بعض الحمّامات صامدةً، تغذّيها قاعدة زبائن مُخلصة، ويحييها حنين جمعيّ إلى زمن أكثر بطئًا واتّصالًا، ليبقى الحمّام جسرًا بين المدينة وطبقاتها الخفية.

تراجع الحمّام واستعمالاتٌ جديدة

رغم احتفاظ الحمّام بمكانته الرّمزية في المخيال الجمعيّ  كركيزة من ركائز الثقافة الحضرية المغاربية، شهد استعماله اليوميّ منذ عقود تراجعًا ملحوظًا، ففي قسنطينة، كما في مُدنٍ أخرى، ساهم انتشار الحمّامات الخاصّة داخل البيوت الحديثة، تسارع وتيرة الحياة، وتنامي النّزعة الفردانية في الممارسات اليومية، في تهميش هذا الفضاء الّذي كان يومًا ما مركزًا للطّقس الاجتماعي والمشاركة الجماعية، ما جعل منه اليوم فضاءً يُزار على نحو متقطّع، غالبًا بدافع الحنين أكثر من الحاجة الفعلية.

رغم التّحوّلات الّتي طالت العمران وأنماط الحياة، بقيت بعض الحمّامات صامدةً، تغذّيها قاعدة زبائن مُخلصة، ويحييها حنين جمعيّ إلى زمن أكثر بطئًا واتّصالًا، ليبقى الحمّام جسرًا بين المدينة وطبقاتها الخفية

مع ذلك، لم يكن هذا التّراجع كليًا. لأنّ الحمّام ما زال جزء من حياة السّكان، لا سيما من الأجيال الأكبر سنًّا أو من النّساء اللّواتي ارتبطن بعادات الطّهارة التّقليدية، حيث يتمّ ارتياد الحمّام باعتباره فضاءً للاسترجاع، جسديًا، نفسيًا واجتماعيًا، كما أنّ الاهتمام المُتزايد بالممارسات المرتبطة بالعناية الذّاتية، والعودة إلى الطبّ الطّبيعيّ والتّقليديّ، يمثّل فرصةً لإحياء الحمّام، شرط إعادة التّفكير في وظائفه وتكييفها مع تطلّعات الإنسان المعاصر.

حماية إرث الحمّام التّقليديّ 

 تتعالى اليوم أصوات كثيرة تدعو إلى إدماج الحمّامات ضمن رؤية شاملة لحماية التّراث، لأنّ هذه الأماكن لا يتمّ تصوّرها اليوم كمَرافق للنّظافة، فقد باتت شواهد على الذّاكرة، وعلى نمط عيشٍ حضريّ آخذ في التّلاشي، ومن هنا، تشدّد الدّراسات على ضرورة ترميم هذه الفضاءات بوصفها مواقع للتّبادل الثّقافي، التّربية الحسية، واللّقاءات العابرة للأجيال.

تستوجبُ حماية الحمّام مقاربةً مزدوجة من خلال تثمينٍ مؤسّسيّ يتمثّلُ في إدراجه ضمن قائمة التّراث الثّقافي اللّامادي، وإعادة تصوّر وظائفه عبر ربطه بالممارسات المعاصرة المرتبطة بالرّفاه الجسديّ، الصّحة البديلة والسّياحة الثقافية. 

من خلال ذلك، يمكن لمدينة قسنطينة، بما تمتلكه من شبكة كثيفة من الحمّامات التّاريخية، أن تتحوّل إلى مختبر نموذجي لبعث هذا التّراث من جديد للحفاظ على جذوره، واستشراف المستقبل.

تستوجبُ حماية الحمّام مقاربةً مزدوجة من خلال تثمينٍ مؤسّسيّ يتمثّلُ في إدراجه ضمن قائمة التّراث الثّقافي اللّامادي، وإعادة تصوّر وظائفه عبر ربطه بالممارسات المعاصرة المرتبطة بالرّفاه الجسديّ، الصّحة البديلة والسّياحة الثقافية. 

لا ينبغي اعتبار الحمّامات المورية في قسنطينة أطلالً زائلةً من زمن غابر، لأنّها في واقع الأمر أصداء حيّ لذاكرة عمرانية وحسّية متجذّرة في نسيج هذه المدينة العتيقة، وتحت قببها الّتي أعياها الزّمن، وسط رطوبة قاعاتها الفسيحة، نُسجت علاقة فريدة بين الجسد والمكان والجماعة، ليغدو الحمّام فضاءً للنظافة، ومسرحًا حميمًا تُعاد فيه يوميًا طقوس التطهّر الصّامت، البوح والتّبادل، وكذا التّضميد الرّمزي لتراكمات تعب الحياة.

في مواجهة التّحوّلات المعاصرة، تبقى استعادة هذه الفضاءات فعلاً حضاريا لصيانة التّراث، وموقفًا ثقافيا كبيرًا، كما أنّ الدعوة لحماية هذا الحيّز الحميميّ، تعيد إلينا أنفسنا عبر الآخر، حيث يمنحنا زمن البخار المعلّق فرصة ملامسةِ علاقة بطيئة وشبه مقدّسة مع الذّات والمدينة.

إنّ إعادة النّفس إلى هذه الفضاءات قد تقاسُ على أنّها إحياءٌ لتلك الجزائر الحسّاسة المُشتركة، المنسوجة من الإيماءات المتوارثة، ومن الدّفء الّذي يحتضنها، هذه البلاد الّتي لطالما كان فيها المعمار مأوى للبوح، وكان الاعتناء بالجسد شكلاً من أشكال الحكمة الشّعبية.

 في قسنطينة، وفي كلّ حمّام مُغلق، ينامُ وعدٌ خفيّ بأن ينعقد من جديد ذلك الخيط المقطوع بين الماضي والحاضر، بين الحجر والجسد، وبين المدينة وذاكرتها الطّويلة.

الكلمات المفتاحية

محمد الصالح أونيسي.. حارس الإرث الشاوي ورائد التدوين في الأوراس شرق الجزائر

محمد الصالح أونيسي.. حارس الإرث الشاوي ورائد التدوين في الأوراس شرق الجزائر

في قرية صغيرة تُدعى "عالي ناس" جنوب ولاية خنشلة، شرقي الجزائر، حيث الجبال لا تزال تروي حكايات التاريخ والأجداد، وُلد محمد الصالح أونيسي سنة 1949. لم يكن قدَرُه أن يكون مجرد شاهدٍ عابرٍ على زمنٍ لا يكف عن التحوّل، بل أن يصبح ذاكرةً تمشي على قدميها، تحفظ ما كاد النسيان أن يبتلعه، وتدوّن ما ظلّ قرونًا عالقًا بين الشفاه ومجالس الحُضّار.


الحرف التقليدية

بين "المرمة" والحرير.. آخر الدرازين... حراس تراث تلمسان

من بين ثلاثة آلاف درّاز كانوا يملؤون حارات ودروب تلمسان غرب اجزائر بصليل آلات المرمة، ذات النظام الميكانيكي التقليدي، المختصة في نسج الزرابي والأفرشة التراثية، لم يبق اليوم سوى ثلة قليلة يعدّ أفرادها على الأصابع.


الكعك التلمساني

قصة كعك تلمسان.. أسطورة الحلوى الصامدة منذ سبعة قرون

في أصل منشأ الكعك التلمساني، يتداول السكان مرويات شعبية شفوية تعيد تكوينه الأول إلى الصدفة إبّان حدث تاريخي بارز عاشته المدينة خلال القرن الثالث عشر.


البروفيسور بوشامة

طبيب جزائري يتوج بجائزة اليونسكو بفضل أعماله عن ضربات الشمس في الحج

تُوّج الطبيب والباحث الجزائري عبد الرزاق بوشامة بجائزة اليونسكو–غينيا الاستوائية للعلوم الطبيعية 2025، وهي من أبرز الجوائز العالمية التي تكافئ الأبحاث ذات الأثر المباشر على حياة السكان

قيمة الشطر الأول لعدل 3
أخبار

رسميًا.. هذه قيمة الشطر الأول لسكنات عدل 3

أعلنت وزارة السكن والعمران والمدينة والتهيئة العمرانية عن جملة من القرارات الهامة المتعلقة بصيغة السكن “عدل 3”، وذلك في إطار تنفيذ برنامج الدولة الرامي إلى الاستجابة للطلب المتزايد على السكن وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين عبر مختلف ولايات الوطن.

تكلفة سكنات عدل 3
أخبار

تحديد أسعار سكنات "عدل 3" وامتيازات المستفيدين

صدر في العدد الأخير من الجريدة الرسمية قرار وزاري مشترك مؤرخ في 24 نوفمبر 2025، يحدّد الكلفة النهائية المعتمدة لحساب ثمن المسكن الموجّه للبيع بالإيجار، بالنسبة للطلبات المسجّلة خلال سنة 2024، في إطار ضبط آليات التسعير وتوضيح الامتيازات الممنوحة للمستفيدين.


حوادث المرور_0.jpg
أخبار

فاتورة باهظة.. 230 مليار دينار كلفة حوادث المرور في الجزائر

قدّرت المفتشية العامة للمالية الكلفة الاقتصادية لحوادث المرور في الجزائر بنحو 230 مليار دينار، في رقم يعكس خطورة الوضع المروري وتداعياته الثقيلة على الاقتصاد الوطني، ويعزز التوجه الرسمي نحو تشديد العقوبات ضمن مشروع قانون المرور الجديد المعروض حاليًا للدراسة على مستوى المجلس الشعبي الوطني.

أمطار رعدية ورياح
أخبار

طقس الجزائر.. أمطار رعدية غزيرة تفوق 60 ملم بعدة ولايات

أصدر الديوان الوطني للأرصاد الجوية، اليوم الإثنين، نشرية خاصة حذّر فيها من تساقط أمطار رعدية معتبرة على عدد من ولايات الوطن، قد تكون غزيرة محليًا وتستمر إلى غاية صبيحة يوم غد الثلاثاء.

الأكثر قراءة

1
اقتصاد

من كيا إلى رونو.. 6 مصانع سيارات مغلقة في الجزائر تنتظر العودة


2
أخبار

بعد طعنه لدى المحكمة العليا.. والدة الصحفي كريستوف غليز تراسل الرئيس تبون للعفو عنه


3
سياسة

مشروع قانون تجريم الاستعمار في الجزائر يصل مرحلته النهائية.. نحو مساءلة تاريخية كاملة


4
مجتمع

المجتمع بحاجة ملحة لخدماته.. لماذا يغيب طب الشيخوخة في الجزائر؟


5
أخبار

مشروع قانون تجريم الاستعمار على طاولة البرلمان الجزائري