ultracheck
مجتمع

الخطاب الديني في الجزائر.. من منابر المساجد إلى عالم الخوارزميات

25 ديسمبر 2025
الخطاب الديني في الجزائر
دعوات متزايدة لتأطير وضبط الخطاب الديني في الجزائر
عمار لشموت
عمار لشموت كاتب من الجزائر

في إطار الجهود الرامية إلى وضع حدّ للفوضى التي يشهدها ما يُعرف بـ"الخطاب الديني الرقمي"، وما يرافقه من انفلات في الفتوى وانتشار لخطابات تفتقر إلى المرجعية العلمية والمعرفية والتكوينية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، نظّمت وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، خلال الأسبوع الفارط، لقاءً تحسيسيًا توعويًا.

يحذّر عدد معتبر من المتابعين والمهتمين بالشأن العام من تنامي ظاهرة صعود مؤثرين ونشطاء على منصات التواصل الاجتماعي يتناولون القضايا الدينية بأسلوب ارتجالي وفوضوي، دون امتلاكهم لأي تكوين علمي رصين أو مرجعية معرفية معتمدة

 ويهدف هذا اللقاء إلى الحدّ من الانزلاقات التي يعرفها الخطاب الديني الرقمي، والعمل على تحصين الفضاء الديني والروحي على شبكات سوشيل الميديا، وقد جمع عددًا من الأئمة ونشطاء وسائل التواصل الاجتماعي.

بين التأطير والمخاوف 

وفي هذا الإطار، يحذّر عدد معتبر من المتابعين والمهتمين بالشأن العام من تنامي ظاهرة صعود مؤثرين ونشطاء على منصات التواصل الاجتماعي يتناولون القضايا الدينية بأسلوب ارتجالي وفوضوي، دون امتلاكهم لأي تكوين علمي رصين أو مرجعية معرفية معتمدة. 

ويُسجَّل في هذا السياق إطلاق أحكام وفتاوى تفتقر إلى التأصيل العلمي والتخصص الشرعي، ولا تراعي المرجعية المذهبية المحلية ولا المقاصد الشرعية، بما يفتح الباب أمام التشويش الديني والانزلاق نحو خطابات التضليل ونشر الجهل.

في المقابل، يرى اتجاه آخر أن الفضاء الرقمي، ولا سيما الشبكات الاجتماعية، أتاح فرصة حقيقية أمام شريحة واسعة من الشباب للمساهمة في نشر الوعي الاجتماعي ومحاربة ظواهر سلبية مستفحلة، على غرار المخدرات والعنف الحضري والانحراف السلوكي. 

ويؤكد أصحاب هذا الرأي أن هؤلاء النشطاء الجدد يمتلكون خطابًا بسيطًا ولغة شعبية قريبة من الجمهور، وأكثر قدرة على النفاذ إلى فئات شبابية طالما ظلت بعيدة عن الخطاب الديني التقليدي.

غير أن الدعوات المتزايدة إلى تأطير وضبط الخطاب الديني من قبل الجهات الرسمية أثارت، في المقابل، مخاوف واسعة داخل ما يُعرف بالمجتمع الشبكي، حيث يُخشى أن يؤدي هذا التوجّه إلى تقييد مساحات التعبير، والحد من المبادرات الفردية والجماعية الرامية إلى نشر القيم الدينية السمحة خارج الإطار الرسمي، بما قد يفرغ الفضاء الرقمي من دوره التفاعلي والتشاركي في خدمة الوعي الديني والاجتماعي.

الخطاب الديني أمانة لا تمارس دون معرفة 

في هذا السياق، يؤكد الشيخ جلول حجيمي، الأمين العام للتنسيقية الوطنية للأئمة وموظفي الشؤون الدينية والأوقاف، أن الخطاب الديني، سواء كان رقميًا عبر منصات التواصل الاجتماعي أو تقليديًا من خلال المنابر والمساجد، يظل خطابًا واحدًا من حيث المرجعية والأسس، إذ يستمد مشروعيته من القرآن الكريم والسنة النبوية ومصادر التشريع الإسلامي المعتمدة.

وأوضح حجيمي، في تصريح لـ"التر جزائر"، أن مضامين الخطاب الديني ثابتة ومشتركة، وتتمثل أساسًا في نشر التعاليم الدينية السمحة، وترسيخ منظومة القيم الأخلاقية والفضائل الإنسانية، ونبذ خطابات الكراهية والتشدد، والدعوة إلى الوسطية والاعتدال، مع التحذير من الانحرافات التي تتجلى في التحريف والتضليل والخوض في قضايا هامشية لا تخدم الصالح العام، كإثارة الانشقاقات والخلافات المذهبية والفكرية.

جلول حجيمي، الأمين العام للتنسيقية الوطنية للأئمة لـ "الترا جزائر": الخوض في الشأن الديني يقتضي توافر جملة من الشروط العلمية والمنهجية، في مقدمتها المعرفة الشرعية الرصينة، والتأهيل الديني المتخصص، والتكوين المحكم في مجالات الفقه المقارن، إلى جانب الإلمام الواسع بفقه السيرة وفقه الواقع والمرحلة

وفيما يتعلق بظاهرة بروز مؤثرين دينيين ينشطون على منصات التواصل الاجتماعي خارج الأطر الرسمية، شدّد جلول حجيمي على أن الخوض في الشأن الديني يقتضي توافر جملة من الشروط العلمية والمنهجية، في مقدمتها المعرفة الشرعية الرصينة، والتأهيل الديني المتخصص، والتكوين المحكم في مجالات الفقه المقارن، إلى جانب الإلمام الواسع بفقه السيرة وفقه الواقع والمرحلة. 

واعتبر أن هذه المقومات تشكّل الأساس الضروري لاكتساب فهم عميق ومتوازن للقضايا الدينية المطروحة، بما يضمن سلامة الخطاب واتساقه مع مقاصد الشريعة.

كما حذّر المتحدث من أن جانبًا معتبرًا من الخطابات المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي يفتقر إلى الجدية العلمية، ويندرج في إطار الثرثرة الفكرية وبث الشكوك وزرع الانقسامات والتشكيك في المرجعيات الدينية المحلية، معتبرًا ذلك خللًا منهجيًا وفجوةً معرفيةً تستوجب التدخل العاجل لوضع حد لحالة الفوضى والانزلاقات التي تهدد توازن الخطاب الديني ووظيفته التربوية والاجتماعية.

وفي هذا السياق، دعا حجيمي إلى ضرورة تنظيم هذا الفضاء الرقمي وحماية الخطاب الديني من بعض الأصوات التي تفتقر إلى الكفاءة العلمية، سواء من حيث الإلمام باللغة العربية أو الفهم السليم لأحكام القرآن الكريم، فضلاً عن إساءتها للعلماء والنيل من مكانتهم. وأكد أن من مسؤولية الجهات الوصية على الشأن الديني في الدولة التدخل لوضع آليات للمتابعة والمراقبة بما يكفل صون المرجعيات الدينية وحماية المجال العام من الانحرافات الخطابية.

كما أضاف أن عملية المراقبة والمرافقة ينبغي أن تضطلع بها نخبة من العلماء والفقهاء المؤهلين، عبر اعتماد مقاربة قائمة على الحوار والحكمة والموعظة الحسنة، والابتعاد عن أساليب الإقصاء أو الظلم. وخلص إلى أن الدولة تمتلك من المؤسسات والهياكل ما يؤهلها للاضطلاع بدور فاعل في ضبط وتقنين والإشراف على ما يجري في الفضاء الرقمي، بما يحقق التوازن بين مجال المساهمة في نشر الوعي  والحفاظ على ثوابت الخطاب الديني ومقاصده.

ضرورة التحكم في تقنيات التواصل 

يُعدّ الأستاذ والداعية طاهر ضروي من أبرز النشطاء في المجال الديني على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يحظى بحضور مكثف وتأثير واسع، ويتابعه عدد معتبر من رواد هذه المنصات. 

وفي تصريح سابق لـ "التر جزائر"، أكد ضروي أن توظيف شبكات التواصل الاجتماعي يُمثّل وسيلة فعّالة لنشر التعاليم الإسلامية والمساهمة في الحد من الظواهر السلبية المنتشرة في المجتمع.

وأوضح أن ما تشهده مواقع التواصل الاجتماعي من ممارسات عبثية، كاقتطاع المقاطع من سياقها أو التلاعب بالصور والمضامين، وتمرير محتويات تُفضي إلى سوء الفهم أو تُستغل لأغراض التحريف والتضليل أو الإثارة، يفرض على النشطاء في الحقل الديني ضرورة امتلاك مهارات تقنية ومعرفة دقيقة بآليات الاتصال الرقمي، بما يسمح بالتحكم الواعي في أدوات التواصل الحديثة وضمان سلامة الرسالة الموجهة.

كما أشار ضروي إلى أنه يعتمد على فريق عمل يتمتع بكفاءة تقنية وإعلامية عالية، يعمل ضمن إطار مهني ومنظم، يهدف إلى منع أي انحراف في المحتوى أو اجتزاء تصريحاته ومقاطعه خارج سياقها، وهي ممارسات باتت شائعة في الفضاء الرقمي.

 وشدد في ختام تصريحه على أن الخطاب الديني، سواء قُدّم عبر المنصات الرقمية أو من فوق المنابر، يرتكز في جوهره على نشر العقيدة الصحيحة، وترسيخ الأخلاق الإسلامية، وبث التعاليم الدينية السليمة، وتعزيز التربية الروحية في المجتمع
الخطاب الديني الرقمي: بين الإثارة والعمق المعرفي

في المقابل، يرى مصطفى راجعي، أكاديمي وأستاذ علم الاجتماع بجامعة مستغانم، أن الخطاب الديني المتداول في الفضاء الرقمي يقوم في الغالب على البعد القصصي والسرديات التي تستهدف الخيال والعاطفة أكثر من اعتمادها على التحليل العقلاني والتأصيل المعرفي، كما يتسم بالمبالغة في آليات الترغيب والترهيب بوصفها أدوات لجذب الانتباه والتأثير السريع في المتلقي.

وأوضح راجعي، في تصريح لـ "التر جزائر"، أن الخلل لا يكمن فقط في طبيعة الخطاب ومحتواه السردي، بل يتجاوز ذلك إلى البنية التقنية للعالم الرقمي ذاته، حيث تقوم الخوارزميات بدور حاسم في توجيه وانتشار المضامين الدينية، عبر الترويج المكثف لمحتويات محدودة ومتشابهة، غالباً ما تكون الأكثر إثارة وجدلاً، على حساب التنوع المعرفي والعمق العلمي.

مصطفى راجعي، أكاديمي وأستاذ علم الاجتماع بجامعة مستغانم:الخلل لا يكمن فقط في طبيعة الخطاب ومحتواه السردي، بل يتجاوز ذلك إلى البنية التقنية للعالم الرقمي ذاته، حيث تقوم الخوارزميات بدور حاسم في توجيه وانتشار المضامين الدينية، عبر الترويج المكثف لمحتويات محدودة ومتشابهة، غالباً ما تكون الأكثر إثارة وجدلاً، على حساب التنوع المعرفي والعمق العلمي

وأضاف المتحدث أن نتائج الدراسات الحديثة تؤكد استحالة التحكم الكامل أو السيطرة الشاملة على فضاء الإنترنت، ما يجعله مجالاً إشكاليًا في نقل المعرفة بمختلف أشكالها، سواء الأكاديمية أو الدينية أو الثقافية. واعتبر أن هذا الفضاء يعاني من هشاشة في الموثوقية، نظراً لغياب التحقق من المصادر وضعف آليات التوثيق، الأمر الذي يفرض ضرورة التعامل النقدي مع السرديات والخطابات الدينية المتداولة، والتحقق من مصادرها ومصداقية مضامينها قبل اعتمادها أو تداولها.

وأشار راجعي إلى أن منطق الإثارة والتهويل بات يتغلب بشكل واضح على الخطاب العقلاني المتزن، لكون المحتويات المثيرة تستقطب قدراً أكبر من التفاعل والمشاهدات، لاسيما في ظل تحوّل بعض المضامين الدينية إلى وسيلة للاستثمار والربح المادي، ما يدفع منتجيها إلى التركيز على المواضيع الأكثر تحريضاً وتهييجاً لتحقيق الانتشار السريع.

كما لفت إلى أن مستهلك الخطاب الديني الرقمي لا يبحث بالضرورة عن خطاب مؤسس لتربية روحية متينة ومستدامة، بقدر ما ينجذب إلى أنماط خطابية عاطفية ظرفية تستجيب للحظة النفسية أو الاجتماعية، دون أن تُسهم في بناء وعي ديني متوازن أو رؤية معرفية عميقة.

وبيّن راجعي أن الاعتماد المفرط على الفضاء الرقمي في تلقي الخطاب الديني يشكّل بيئة خصبة لانتشار بعض التصورات المتطرفة والمتشددة، لا سيما في ظل الضبط النسبي الذي تخضع له الفضاءات الدينية التقليدية، مؤكدًا أن هذه الإشكالية لا تقتصر على الدين الإسلامي وحده، بل تطال مختلف الأديان والتصورات العقدية.

وخَلُص إلى أن مواجهة هذه التحديات تستدعي تبنّي مقاربة شاملة تقوم على التكوين الإعلامي، وترسيخ التربية الإعلامية والرقمية، وتعزيز الوعي النقدي لدى المتلقين، بما يمكّنهم من التمييز بين الحقيقة والزيف، وبين الخطاب المعرفي الرصين والمحتوى المضلل أو المُسيَّس عاطفياً.

الكلمات المفتاحية

يلب

بين البطالة وسوق الشغل.. جدلٌ حول توجيه حاملي شهادات التخصصات الإنسانية نحو التكوين

أثارت تصريحات المدير العام للتشغيل والإدماج بوزارة العمل والتشغيل مالك عطايلية عن توجيه المستفيدين من منحة البطالة والمتخرجين من تخصصات العلوم الاجتماعية والإنسانية نحو مراكز التكوين المهني، جدلا واسعا بين الحاصلين على الشهادات العليا، والذين وجدوا أنفسهم أمام مسار جديد عقب سنوات الدراسة الجامعية وفصول أخرى من أجل البحث عن وظيفة.


الطفولة المسعفة في الجزائر

مصير الأطفال بعد الخروج من دور الرعاية بالجزائر.. أزمة قانون؟

في سنّ الثالثة؛ كان إسماعيل يبتسم ويلعب كغيره من الأطفال في دار الطفولة المسعفة بمنطقة الأبيار بأعالي الجزائر العاصمة، تمر الأيام والأشهر والسنوات ليقترب خطوة خطوة نحو الخروج من الدار، فمن 2001 إلى غاية 2017 خرج إلى هواء المدينة وأصبح شابا مثله مثل غيره من زملاء الغرفة والأقسام يواجه واقعه المخفي خلال السنوات الماضية...


ب

تهديد الفيضانات.. هل تجاوز التوسع العمراني بالجزائر حدود التغيرات المناخية؟

أصبحت السيول والفيضانات من أبرز المخاطر الطبيعية التي تهدد العديد من المناطق في الجزائر، خاصة وأن العديد من الأحياء تشهد توسعًا عمرانيًا لتنفيذ مشاريع البناء، لكن المعادلة الصعبة بين تلبية حاجيات الآلاف من العائلات من السكن كمطلب اجتماعي ملحّ وعدم مراعاة المعطيات الجغرافية والبيئية في التخطيط العمراني، أصبحت اليوم من التحديات الحقيقة للحكومة.


استخدام الهاتف عند المراهقين

هل تتجه الجزائر نحو حظر وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 سنة؟

في ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي وتحولها إلى جزء أساسي من الحياة اليومية للمراهقين، تتزايد التساؤلات حول تأثيرها النفسي والاجتماعي على هذه الفئة الحساسة.

رمضان 2026 في الجزائر
أخبار

الخميس أول أيام شهر رمضان 2026 في الجزائر

أعلنت وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، مساء الثلاثاء، عن تعذر رؤية هلال شهر رمضان لعام 1447 هجري، وذلك عقب الندوة الخاصة التي عقدتها لجنة الأهلة والمواقيت الشرعية لتحري الهلال.

لوران نونيز الجزائر
أخبار

لوران نونيز يؤكد الاتفاق على إعادة تفعيل التنسيق عالي المستوى بين فرنسا والجزائر

استقبل رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، في لقاء رسمي يأتي تتويجًا ليوم كامل من الاجتماعات المكثفة التي جمعت المسؤول الفرنسي بنظيره الجزائري، السعيد سعيود، إلى جانب كبار مسؤولي أجهزة الأمن في كل من الجزائر وفرنسا.


حليب
أخبار

كم لتر من الحليب مُوجه للجزائريين خلال رمضان؟

وقام المجمع الذي يحوز على 16 ملبنة على المستوى الوطني، بفتح 27 نقطة بيع مباشر جديدة بكل من ولايات عنابة، قسنطينة، باتنة، سطيف، الجزائر، عين الدفلى، بجاية، مستغانم، معسكر وتيارت

اتحاد العاصمة وشباب بلوزداد
رياضة

ربع نهائي كأس الكاف.. مواجهات نارية لاتحاد العاصمة وشباب بلوزداد

أسفرت قرعة ربع نهائي كأس الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم لموسم 2025 عن مواجهات نارية لممثلي الكرة الجزائرية، اتحاد العاصمة وشباب بلوزداد.

الأكثر قراءة

1
أخبار

في بيان مشترك.. الجزائر والنيجر تُعيدان الدفء إلى علاقاتهما وتُطلقان مرحلة جديدة من التعاون


2
اقتصاد

اللحوم الحمراء في رمضان… هل تكفي الكميات لمواجهة الطلب في الجزائر؟


3
أخبار

مسعد بولس يوضّح دور الجزائر في مفاوضات مدريد حول الصحراء الغربية


4
أخبار

نواب يفتحون الملف مع وزير التربية.. هل تعود "بكالوريا الجنوب"؟


5
سياسة

حوار|نائب رئيس جبهة العدالة والتنمية خليفة حجيرة : وصاية الإدارة على الأحزاب يعمق أزمة المشاركة في الانتخابات