الدور المصري في الثورة الجزائرية.. قراءة في شهادات فتحي الديب
6 ديسمبر 2025
تُشكّل شهادة فتحي الديب (1923-2003)، السفير السابق ورجل المخابرات المصرية في عهد جمال عبد الناصر، كما يوردها في كتابه "عبد الناصر وثورة الجزائر"، نافذة فريدة لرؤية الثورة التحريرية الجزائرية بعيون الآخر.
فالديب، الذي كان على تماس مباشر مع خيوط التواصل بين القاهرة والحركة الوطنية الجزائرية، يكشف في مؤلفه أبعاداً وثيقة للعلاقة بين مصر والثورة الجزائرية، منذ البدايات الأولى للاشتعال الثوري إلى غاية لحظات التفاوض الحاسمة وما بعد الاستقلال.
يقسّم المؤلف سرديته إلى ثلاث مراحل أساسية. إذ يخصص الفصل الأول لقراءة معمقة للدور المصري في دعم الثورة خلال مرحلتها الأولى، منذ اندلاعها حتى انعقاد مؤتمر الصومام. فيما يتناول في الفصل الثاني طبيعة هذا الدعم في المرحلة التي تلت المؤتمر، مسلطاً الضوء على التحوّلات السياسية والتنظيمية التي صاحبت مسيرة تطور العمل الثوري.
بينما يتعدى الفصل الثالث السرد التاريخي التقليدي، مناقشاً دور القاهرة في متابعة المفاوضات الجزائرية الفرنسية، وكاشفاً عن رؤية القيادة المصرية لشخصيات الثورة الجزائرية، وذلك عبر منهجية نقدية تُظهر إيجابيات تلك الشخصيات وسلبياتها على حد سواء.
تُشكّل شهادة فتحي الديب (1923-2003)، السفير السابق ورجل المخابرات المصرية في عهد جمال عبد الناصر، كما يوردها في كتابه "عبد الناصر وثورة الجزائر"، نافذة فريدة لرؤية الثورة التحريرية الجزائرية بعيون الآخر.
ولا يكتفي المؤلف عند حدود التوثيق السياسي، بل يكشف أيضاً عن دور الوساطة المصرية في حلّ بعض الخلافات داخل قيادة الثورة، وعن قراءته للصراعات التي تفجّرت بعد الاستقلال، وصولاً إلى الانقلاب الذي قاده هواري بومدين ضد الرئيس أحمد بن بلة.
وبهذا يقدّم فتحي الديب شهادة تمزج بين رؤية الآخر وقراءته المنطلقة من موقعه السياسي، مضيفاً زاوية مختلفة لفهم مسار الثورة الجزائرية وتشابكات علاقاتها في واحدة من أكثر المراحل التاريخية حساسية وتعقيداً.
الوساطة بين خيضر وبن بلة
في خضم الجدل القائم حول أموال جبهة التحرير الوطني مؤخراً، يُخصّص فتحي الديب فصلاً كاملاً لقضية الوساطة التي تولّى القيام بها بين محمد خيضر وأحمد بن بلة. فبعد تعيينه سنة 1964 عضواً في الأمانة العامة للشؤون العربية، كُلّف في العام نفسه بمهمة الوساطة بين الرجلين. وقد التقى الديب بمحمد خيضر في آب/أغسطس 1964 بمدينة جنيف، في محاولة للتوصل إلى حلّ توافقي بشأن أموال جبهة التحرير الوطني المودعة في حسابين بنكيين: الأول في بنك العرب ببيروت، والثاني في بنك التجارة العربي بجنيف، وكلاهما باسم محمد خيضر.
وأكد أحمد بن بلة خلال ذلك أن هذه الأموال يجب أن تعود إلى خزينة الدولة الجزائرية، متهماً خيضر بالسعي إلى استخدامها لتمويل المعارضة في الداخل والخارج.
وأوضح فتحي الديب أن محمد خيضر أخبره خلال لقائهما بأن رفضه تمويل الملك الحسن الثاني في مسعاه لإسقاط أحمد بن بلة نابع من اعتباره ذلك خيانة عظمى. ثم أملى خيضر على الديب مجموعة من الشروط لإعادة أموال جبهة التحرير الوطني، من بينها تبرئته من تهم الاختلاس التي وجّهها إليه بن بلة، والإفراج عن عدد من رموز المعارضة، وعلى رأسهم العقيد شعباني وعبد الرحمن فارس.
أوضح فتحي الديب أن محمد خيضر أخبره خلال لقائهما بأن رفضه تمويل الملك الحسن الثاني في مسعاه لإسقاط أحمد بن بلة نابع من اعتباره ذلك خيانة عظمى. ثم أملى خيضر على الديب مجموعة من الشروط لإعادة أموال جبهة التحرير الوطني، من بينها تبرئته من تهم الاختلاس التي وجّهها إليه بن بلة، والإفراج عن عدد من رموز المعارضة، وعلى رأسهم العقيد شعباني وعبد الرحمن فارس.
وبعد يومين، توجّه فتحي الديب إلى الجزائر حيث اجتمع مع أحمد بن بلة وأطلعه على شروط خيضر. غير أن بن بلة رفضها رفضاً قاطعاً، مبرراً ذلك بوجود مخطط يستهدف الإطاحة به، وبأن قائمة المتورطين تتعدى ما طُرح بخصوص تبرئة خيضر. وقد اشترط بن بلة أولاً تسليم الأموال، يعقبه عقد ندوة إعلامية يُعلن فيها رسمياً تبرئة محمد خيضر.
عقب ذلك، رفع الديب تقريراً إلى السلطات المصرية أكد فيه أن أحمد بن بلة ما يزال يحظى بشعبية واسعة، على الرغم من هشاشة الوضعين الاقتصادي والاجتماعي، وأن المعارضة لا تملك القدرة على تغيير ميزان القوى الذي كان في تلك الفترة يميل لصالح بن بلة.
التحذيرات المصرية
يتناول فتحي الديب في فصل من الكتاب طبيعة الخلافات التي تعمّقت بين الرئيس أحمد بن بلة وقائد الأركان هواري بومدين، مبرزاً الصراع الخفي بين الرجلين، وتنامي نفوذ بومدين داخل هرم السلطة. ويُظهر الديب كيف استطاع بومدين، بخطوات مدروسة، إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية وترتيبها من جديد، معتمداً على مجموعة من الضباط الذين سبق لهم الخدمة في الجيش الفرنسي، مثل شابو وسليمان أوفمان وزرقيني، ما عزز من قبضته على الجيش ومفاصله.
أما على الصعيد المصري، فقد تابع جمال عبد الناصر عن كثب تطورات المشهد الجزائري، فكلّف مبعوثه فتحي الديب بالسفر إلى الجزائر لمعاينة الوضع من قرب. وفي ماي/أيار 1965، عقد الديب لقاءً مطولاً مع الرئيس أحمد بن بلة، نقل خلاله إلى الجانب الجزائري مخاوف القاهرة من احتدام الصراع بين مراكز القرار، وسعيها لإيجاد صيغ دعم ومساندة لبن بلة.
يُبرز فتحي الديب شكوى بن بلة من تنامي نفوذ عبان رمضان وهيمنته على مخرجات المؤتمر وتوجهاته الأساسية، إذ اعتبر أن عبان استطاع فرض رؤيته على القرارات المتخذة في غياب التمثيل الكامل للولايات التاريخية وعدم حضور قيادة الخارج، ما جعل شرعية المؤتمر محلّ تشكيك من طرفه
ورغم هذه التحذيرات، بدا بن بلة واثقاً إلى حد كبير، مستبعداً احتمال إقدام بومدين على أي خطوة ضده، ومؤكداً للديب أن قائد الأركان "في الجيب"، وأن الأمور تحت السيطرة، وينتظر قدوم جمال عبد الناصر للمشاركة في المؤتمر الإفرو–آسيوي.
غير أنه، وقبيل انعقاد المؤتمر بأيام قليلة، في 19–20 جوان/حزيران 1965، تناقلت وكالات الأنباء العالمية خبر الإطاحة بأحمد بن بلة بفعل تحرك قادته المؤسسة العسكرية. ويؤكد فتحي الديب أن القيادة المصرية لم تُفاجأ بما حدث، إذ كانت قد نبّهت بن بلة مسبقاً إلى إمكانية وقوع انقلاب ووضعت أمامه السيناريوهات المحتملة، لكنه لم يأخذ التحذيرات بالجدية المطلوبة.
الموقف المصري من مؤتمر الصومام
ضمن أبرز النقاط التي يعرضها فتحي الديب في كتابه، يتوقف عند موقف القيادة المصرية من مؤتمر الصومام المنعقد في 20 آب/أغسطس 1956 بالجزائر. ويروي الديب أنه التقى أحمد بن بلة عقب عودته من مدريد، ليجده في حالة واضحة من القلق والتوتر والخيبة، بعد تلقيه أنباء عن انعقاد المؤتمر، الذي رأى فيه انزياحاً خطيراً عن مسار الثورة واحتمالاً لحدوث انقلاب داخل بنيتها القيادية.
ويُبرز فتحي الديب شكوى بن بلة من تنامي نفوذ عبان رمضان وهيمنته على مخرجات المؤتمر وتوجهاته الأساسية، إذ اعتبر أن عبان استطاع فرض رؤيته على القرارات المتخذة في غياب التمثيل الكامل للولايات التاريخية وعدم حضور قيادة الخارج، ما جعل شرعية المؤتمر محلّ تشكيك من طرفه.
يتناول فتحي الديب في فصل من الكتاب طبيعة الخلافات التي تعمّقت بين الرئيس أحمد بن بلة وقائد الأركان هواري بومدين، مبرزاً الصراع الخفي بين الرجلين، وتنامي نفوذ بومدين داخل هرم السلطة. ويُظهر الديب كيف استطاع بومدين، بخطوات مدروسة، إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية وترتيبها من جديد، معتمداً على مجموعة من الضباط الذين سبق لهم الخدمة في الجيش الفرنسي، مثل شابو وسليمان أوفمان وزرقيني، ما عزز من قبضته على الجيش ومفاصله.
ومن النقاط التي ألح عليها بن بلة أيضاً تركيز مؤتمر الصومام على أولوية العمل السياسي على العمل العسكري، وهو ما رآه تغييراً جوهرياً في فلسفة الكفاح المسلح. كما عبّر عن مخاوفه من توجهات عبان رمضان الفكرية التي لم تُظهر أي انتماء عربي–إسلامي، معتبراً ذلك مؤشراً خطيراً قد يؤثر على هوية الثورة ومستقبل الجزائر المستقلة. كما اعترض أحمد بن بلة على تعيين لمين دباغين على رأس الوفد الخارجي لجبهة التحرير الوطني، معتبراً ذلك تهميشاً للقادة الشرعيين للثورة، ولأنّ لمين دباغين في نظره كان من أنصار مصالي الحاج.
بعد أن رفع الديب تقريراً إلى جمال عبد الناصر، أصدر الأخير أوامر بمتابعة القضية عن كثب، مع دعم ومساندة موقف أحمد بن بلة، مع التأكيد في الوقت نفسه على عدم التدخل المباشر في الخلافات الداخلية، والاستمرار في تقديم الدعم وتسليم الأسلحة بل وتكثيفه.
في قراءة موجزة، حاول الديب تأييد وجهة نظر أحمد بن بلة، إذ أشار إلى أنّ مرحلة ما بعد المؤتمر شهدت تصفيات جسدية طالت كلاً من مصطفى بن بوعلي وزيغود يوسف، قائد الولاية التاريخية الثانية (قسنطينة). وهي قراءة تبدو غير منطقية وخارجة عن السياق التاريخي.
تُعَدّ شهادات فتحي الديب وثيقة تاريخية مهمة تُبرز بوضوح الدور المصري في دعم الثورة الجزائرية، سواء على المستوى المادي أو المعنوي، وذلك انسجاماً مع قناعة القيادة المصرية بضرورة مناهضة الإمبريالية والاستعمار وتعزيز مشروع الوحدة العربية.
وتكشف هذه الشهادات عن أبرز عمليات نقل الأسلحة إلى الجزائر عبر ليبيا وتونس، وعن الحضور المصري في مختلف المراحل المصيرية للثورة، من متابعة مفاوضات إيفيان وحماية قادتها من تهديدات الجيش السري الفرنسي، إلى التأكيد على موافقة القادة المسجونين على الاتفاقيات، إضافة إلى الدور الدبلوماسي النشط الذي قامت به مصر للدفاع عن القضية الجزائرية. ورغم أهميتها، تبقى هذه الشهادات معبّرة عن القراءة المصرية للأحداث.
الكلمات المفتاحية

هل يفتح قانون تجريم الاستعمار الفرنسي مسار استعادة المنفيين للجنسية الجزائرية؟
فملف النفي والترحيل القسري من الجزائر إلى مستعمرات مثل " كاليدونيا الجديدة" و"غويانا"، الذي شمل آلاف الجزائريين على مدى عقود، لم تتوقف تداعياته على الأجيال المباشرة فقط، بل امتدت تأثيراته العميقة عبر أكثر من خمسة أجيال.

حوار| محمد بن عالية: دستور 2020 أفرز مؤسسات ضعيفة والإصلاح السياسي لم يعد يحتمل التأجيل
في حوار مع "الترا جزائر"، يقدّم محمد بن عالية، مسؤول التنظيم والناطق الرسمي باسم حزب طلائع الحريات، قراءةً سياسيةً للوضع العام في الجزائر، متوقفًا عند أسباب تراجع الثقة في العمل السياسي وشرعية المؤسسات المنتخبة.

اعتبرت فرنسا أن "توقيته غير مناسب".. بوغالي: قانون تجريم الاستعمار "فعلٌ سيادي" ونطالب بخرائط الألغام الفرنسية
عاد ملف الذاكرة الاستعمارية ليحتل واجهة العلاقات الجزائرية الفرنسية، عقب تصويت البرلمان الجزائري على قانون تجريم الاستعمار، في خطوة رأت فيها باريس عامل توتير جاء في "توقيت غير مناسب"”، بينما شددت الجزائر، على لسان رئيس المجلس الشعبي الوطني إبراهيم بوغالي، على أن القانون يشكّل "أساسًا سياسيًا وأخلاقيًا قويًا"، وأن فرنسا لم تقم بأي إجراءات جدية للتعويض، ولا تزال ملفات ثقيلة، على…
الجزائر تطرح مناقصةً دوليةً جديدة لشراء القمح
قال متعاملون أوروبيون إن الديوان الجزائري المهني للحبوب طرح مناقصة دولية لاقتناء القمح، محددًا يوم الاثنين المقبل كآخر أجل لتقديم العروض.

طقس الجزائر.. موجة برد وأمطار رعدية تمس عدة ولايات عبر الوطن
تشهد عدة ولايات من البلاد، اليوم الأحد، تقلبات جوية حادة تتمثل في موجة برد شديدة وتساقط أمطار رعدية بكميات معتبرة محليًا، وفق ما أفادت به مصالح الأرصاد الجوية.

للمرّة الخامسة.. مولودية الجزائر تُتوَّج بالكأس الممتازة
تُوِّج نادي مولودية الجزائر، اليوم السبت، بلقب الكأس الممتازة، عقب فوزه في لقاء الديربي على غريمه التقليدي اتحاد الجزائر بهدف دون مقابل، في المباراة التي احتضنها ملعب نيلسون مانديلا.

سيفي غريب يعلن إطلاق "ورشات عمل".. هل يتم إصلاح قطاع سيارت الأجرة في الجزائر؟
ترأس الوزير الأول، سيفي غريب، اجتماعًا تشاوريًا مع ممثلي النقابة الوطنية للناقلين بسيارات الأجرة، بحضور وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، ووزيرة التجارة الداخلية وضبط السوق الوطنية، خُصّص للاستماع لانشغالات مهنيي القطاع وبحث آفاق إصلاح منظومة النقل.

