الصيرفة الإسلامية تتعمّم في الجزائر.. هل يقتنع المتردّدون أخيراً بالتعامل مع البنك؟
29 أكتوبر 2025
تسعى الجزائر إلى توسيع خدمات الصيرفة الإسلامية لاستقطاب السيولة المالية النائمة خارج الجهاز البنكي، في وقت يشهد هذا القطاع إقبالا متزايدا من المواطنين. ورغم أن هوامش الربح وأسعار التمويلات أصبحت أقل مما كانت عليه عند انطلاق التجربة سنة 2020، إلا أن الكثيرين ما زالوا يأملون في مزيد من التخفيضات لتسهيل حصولهم على التمويلات، خصوصا في مجالات السكن والمشاريع الصغيرة.
تشهد الصيرفة الإسلامية في الجزائر توسعا متزايدا منذ إطلاقها رسميا سنة 2020، إذ أصبحت خدماتها متاحة عبر أكثر من 14 بنكا، من بينها ستة بنوك عمومية أبرزها البنك الوطني الجزائري والقرض الشعبي الجزائري، إلى جانب بنكين متخصصين هما البركة ومصرف السلام
كعينة عن ذلك، وفي قاعة الاستقبال بأحد فروع البنوك العمومية في الجزائر العاصمة، ينتظر عبد القادر دوره بابتسامة واطمئنان، ممسكا بملف فتح حساب إسلامي جديد، يقول بثقة: "الخدمات الإسلامية اليوم صارت أوضح وأرخص من قبل، في 2020 عند إطلاقها كانت التكلفة عالية، لكن الآن الأمور أفضل بكثير، فقط نأمل في مزيد من التخفيضات".
قصة عبد القادر تعكس توجه الجزائريين نحو الصيرفة الإسلامية، التي أصبحت في ظرف سنوات قليلة خيارا ماليا واقعيا تراهن عليه السلطات لاستقطاب السيولة المكدسة خارج النظام المصرفي، والمقدرة بأكثر من 90 مليار دولار، حسب ما صرح به رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بتاريخ 28 سبتمبر/ أيلول 2021 عند تنصيب أعضاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
ورغم صدور أكثر من عشرة نصوص تنظيمية منذ بداية السنة لتأطير نشاط البنوك الإسلامية في مجالات التمويل السكني، الصكوك، المحاسبة البنكية، والسوق النقدية، إلا أن التحدي الحقيقي – كما يراه الخبراء – يكمن في مواصلة كسر الأسعار وتبسيط الإجراءات.. فهل سيتحقق ذلك؟
جديد الصيرفة الإسلامية في 2026
بالعودة إلى تقرير بنك الجزائر لسنة 2024 الذي اطلع عليه موقع "الترا جزائر"، تشهد الصيرفة الإسلامية في الجزائر توسعا متزايدا منذ إطلاقها رسميا سنة 2020، إذ أصبحت خدماتها متاحة عبر أكثر من 14 بنكا، من بينها ستة بنوك عمومية أبرزها البنك الوطني الجزائري والقرض الشعبي الجزائري، إلى جانب بنكين متخصصين هما البركة ومصرف السلام. وبلغ حجم الودائع الخاصة بالتمويل الإسلامي 793.5 مليار دينار مع نهاية 2024، مقابل 678.2 مليار دينار سنة 2023 و554 مليار دينار سنة 2022، أي بزيادة قدرها 17 بالمائة، رغم تراجع طفيف في وتيرة النمو مقارنة بالعام السابق.
وتشير البيانات إلى أن البنوك الإسلامية باتت تقدم تقريبا نفس الخدمات التي توفرها البنوك التقليدية، مع تزايد الإقبال على منتجاتها التمويلية، خصوصا في مجالات السكن والتمويل التجاري.
أما في الجانب التشريعي، فقد حصل موقع "الترا جزائر" على نسخة من مشروع قانون المالية لسنة 2026، الذي تضمن مجموعة من الإجراءات التحفيزية الرامية إلى تعزيز الشمول المالي وتشجيع أدوات التمويل الإسلامي.
فقد نصت المادة 41 المعدلة للمادة 258 من قانون التسجيل على توسيع الإعفاء من رسم نقل الملكية ليشمل عمليات اقتناء السكنات الممولة بصيغتي المرابحة والإجارة المنتهية بالتمليك، تحقيقا لمبدأ المساواة بين التمويلات الإسلامية ونظيرتها التقليدية، في إطار دعم الترقية العقارية وتسهيل تملك السكن لفائدة الأفراد.
كما تضمن المشروع إجراءات مكملة في المادتين 135 و149، أبرزها إعفاء الأرباح الناتجة عن الصكوك السيادية التي تصدر ابتداء من جانفي 2025 ولمدة خمس سنوات من الضرائب على الدخل والأرباح.
وتهدف هذه الأحكام إلى تمويل مشاريع البنية التحتية العمومية عبر أدوات مالية شرعية ومستدامة، وتعبئة موارد وطنية بديلة عن القروض التقليدية.
وتعتبر الصكوك السيادية، وفق عرض الأسباب المرفق بالمشروع، خطوة استراتيجية نحو إطلاق سوق مالية إسلامية سيادية في الجزائر، تسمح للبنوك الإسلامية وشركات التأمين التكافلي بتوظيف سيولتها في مشاريع عمومية منتجة، بما يضمن تنويع أدوات التمويل والحفاظ على سيادة الدولة على أصولها.
مجرد تغيير اسم؟
ويجمع المختصون على أن السنوات الخمس الماضية كانت بمثابة اختبار جاد، مهّد الطريق لمرحلة أكثر نضجا وواقعية في التعامل مع التمويل الإسلامي.
وفي السياق، قال رئيس لجنة الصيرفة الإسلامية على مستوى الجمعية المهنية للبنوك والمؤسسات المالية، سفيان مزاري، إن التوجه القوي للحكومة نحو تعزيز الصيرفة الإسلامية خلال سنة 2025 وعبر مشروع قانون مالية 2026 يعكس إيمانها بضرورة تنويع أدوات التمويل الوطني ودمج شريحة واسعة من الجزائريين الذين ظلوا خارج المنظومة البنكية التقليدية، مشيرا إلى أن ما تشهده الساحة المالية مؤخرا من صدور مكثف للنصوص التنظيمية "هو مرحلة انتقال من التأسيس إلى النضج المؤسساتي".
سنة 2026 ستعرف أيضا الإطلاق الرسمي للصكوك الإسلامية، بعد الانتهاء من الإطار التنظيمي الخاص بها بالتعاون بين وزارة المالية وبنك الجزائر
وأوضح مزاري في تصريح لـ"الترا جزائر" أن السلطات المالية والنقدية عملت منذ سنة 2020 على وضع الأسس القانونية والإجرائية لهذا النمط من المعاملات، من خلال تعميم النوافذ الإسلامية في البنوك العمومية والخاصة، واستحداث هيئات شرعية ولجان مراقبة وتدقيق، وصولا إلى توحيد الصيغ والعقود المعتمدة من طرف بنك الجزائر وأضاف: "ما يحدث اليوم هو تتويج لمسار خمس سنوات من العمل الهادئ، حيث بدأت الصيرفة الإسلامية تأخذ مكانها الطبيعي داخل المنظومة المالية الوطنية، ليس كخيار ثانوي، بل كمسار استراتيجي مكمل للتمويل الكلاسيكي".
وأكد مزاري أن قانون المالية لسنة 2026 سيحمل "قفزة نوعية" في دعم هذا التوجه، خاصة من خلال منح إعفاء كامل من الفائدة على قروض السكن الممنوحة للموظفين في إطار الصيرفة الإسلامية، بما يفتح الباب أمام فئة واسعة من الأسر للاستفادة من تمويلات شرعية ميسرة دون أي كلفة ربوية وهو ما تضمنه مشروع قانون المالية، ناهيك عن الاجراءات الخاصة بالصكوك.
وأوضح أن هذا الإجراء سيكون مصحوبا بتحفيزات جبائية للبنوك التي تطور منتجات السكن الإسلامي، مع منح تسهيلات في التمويل طويل المدى، وتبسيط الإجراءات الخاصة بعقود الإجارة والمرابحة العقارية.
وأضاف أن سنة 2026 ستعرف أيضا الإطلاق الرسمي للصكوك الإسلامية، بعد الانتهاء من الإطار التنظيمي الخاص بها بالتعاون بين وزارة المالية وبنك الجزائر، مشيرا إلى أن هذه الأداة ستتيح للدولة والمؤسسات الاقتصادية جمع السيولة بطريقة شرعية لتمويل المشاريع الكبرى والبنى التحتية دون اللجوء إلى الدين التقليدي.
كما أشار إلى أن إقبال الجزائريين في تزايد مطّرد، نتيجة وضوح النصوص التنظيمية وارتفاع الوعي لدى الزبائن بأن الصيرفة الإسلامية لا تعني مجرد "تغيير الأسماء"، بل نظاما متكاملا يراعي المقاصد الشرعية والشفافية في توزيع الأرباح والمخاطر.
الجزائريون يطالبون بكسر الأسعار
ورغم القفزات التي شهدتها التمويلات الإسلامية في الجزائر، إلا أن الكثيرين من مستخدميها لا يزالون يطالبون بالمزيد من المزايا والتخفيضات. وفي السياق دعا الخبير الاقتصادي كمال ديب في حديث لـ"الترا جزائر" إلى منح تسهيلات أكبر للبنوك التي تعتمد الصيرفة الإسلامية في الجزائر، مؤكدا أن هذا النمط من التمويل يمتلك إمكانات هائلة لدعم الاقتصاد الوطني وجذب فئات واسعة من المواطنين الذين يفضّلون التعامل وفق مبادئ الشريعة الإسلامية.
بلغ حجم الودائع الخاصة بالتمويل الإسلامي 793.5 مليار دينار مع نهاية 2024، مقابل 678.2 مليار دينار سنة 2023 و554 مليار دينار سنة 2022، أي بزيادة قدرها 17 بالمائة، رغم تراجع طفيف في وتيرة النمو مقارنة بالعام السابق
وأوضح ديب أن توسيع الصيرفة الإسلامية لا يقتصر على فتح نوافذ أو فروع جديدة فحسب، بل يتطلب إصلاحات أعمق في الأطر التنظيمية والضريبية، وهو ما يحدث فعلا في الجزائر، حتى تصبح منتجاتها أكثر تنافسية مقارنة بالصيرفة التقليدية، وأشار إلى أن من أبرز العوائق الحالية ، ارتفاع كلفة بعض المنتجات الإسلامية بسبب تعدد الإجراءات وتعقيد آليات المطابقة الشرعية مقارنة بالتعاملات الكلاسيكية، داعيا إلى مزيد من كسر الأسعار عبر تخفيض الرسوم والفوائد الإدارية وتبسيط الإجراءات.
وختم كمال ديب تصريحه بالتأكيد على أن تحرير الصيرفة الإسلامية من الأسعار المرتفعة وجعل سعرها موازيا للتعاملات الكلاسيكية سيجعلها أكثر قدرة على المنافسة واستقطاب السيولة غير الرسمية، مشيرا إلى أن نجاحها سيساهم في تنويع مصادر التمويل وتحقيق شمول مالي حقيقي يدعم النمو الاقتصادي المستدام في الجزائر.
الكلمات المفتاحية

من كيا إلى رونو.. 6 مصانع سيارات مغلقة في الجزائر تنتظر العودة
يترقب الجزائريون بشغف عودة مصانع السيارات المغلقة، معظمها بسبب قضايا فساد سجلت في حقبة النظام السابق، مع أمل كبير في توفير المركبات للسوق الوطنية التي لا تزال تعاني نقصًا حادًا.

منحة السفر في الجزائر.. من دعم اجتماعي للمسافر إلى وقود للسوق السوداء
أصدر بنك الجزائر بتاريخ 7 ديسمبر/كانون الأول الجاري بيانًا رسميًا حذر فيه من استغلال المنحة السياحية التي تعادل 750 يورو، والمقررة بداية من 17 جويلية/تموز المنصرم وفق قرار وقعه محافظ بنك الجزائر صلاح الدين طالب، إلى وجهات تتجاوز أهدافها القانونية.

شبكة الجيل الخامس في الجزائر قريبًا.. سرعة أعلى أم وعود مؤجلة؟
مع إطلاق عصر الجيل الخامس بالجزائر رسميًا، الظاهر أنّ البلاد تسير نحو الزيادة في سرعة الإنترنت وإعادة تشكيل مختلف قطاعات الاقتصاد والخدمات.

34 بالمائة من أموال الجزائريين خارج البنوك.. من يحكم اقتصاد الظل؟
في الجزائر، لا يحتاج المواطن إلى الكثير ليلاحظ أنّ جزءا كبيرا من المال لا يمر عبر البنوك، معاملات نقدية يومية، تجار يفضلون “الكاش”، وأسعار تتحرك خارج أي منطق بنكي، هذا الواقع الذي يلمسه الناس في حياتهم العادية، يعكس خللا أعمق من مجرد تبادل أوراق نقدية.

فاتورة باهظة.. 230 مليار دينار كلفة حوادث المرور في الجزائر
قدّرت المفتشية العامة للمالية الكلفة الاقتصادية لحوادث المرور في الجزائر بنحو 230 مليار دينار، في رقم يعكس خطورة الوضع المروري وتداعياته الثقيلة على الاقتصاد الوطني، ويعزز التوجه الرسمي نحو تشديد العقوبات ضمن مشروع قانون المرور الجديد المعروض حاليًا للدراسة على مستوى المجلس الشعبي الوطني.

طقس الجزائر.. أمطار رعدية غزيرة تفوق 60 ملم بعدة ولايات
أصدر الديوان الوطني للأرصاد الجوية، اليوم الإثنين، نشرية خاصة حذّر فيها من تساقط أمطار رعدية معتبرة على عدد من ولايات الوطن، قد تكون غزيرة محليًا وتستمر إلى غاية صبيحة يوم غد الثلاثاء.

وزارة الري تحصي أكثر من 13 ألف نقطة سوداء مهددة بالفيضانات في الجزائر
كشف مدير التطهير والوقاية من مخاطر الفيضانات بوزارة الري، شريف عيسيو، عن إحصاء نحو 13.500 نقطة سوداء عبر مختلف ولايات الوطن، وهي مناطق تشهد تجمعًا للمياه وقد تشكل خطرًا حقيقيًا على السكان والبنية التحتية خلال فترات تساقط الأمطار الغزيرة.

طقس الجزائر.. أمطار رعدية معتبرة على عدة ولايات إلى غاية فجر الإثنين
أفادت مصالح الأرصاد الجوية بتسجيل تساقط أمطار رعدية بكميات معتبرة محليًا على عدد من ولايات الوطن، نهار اليوم الأحد، وفق تنبيهين حذّرا من استمرار الاضطراب الجوي إلى غاية فجر يوم غد الإثنين.
