المؤرخ الإيطالي أندريا برازودورو لـ "الترا جزائر": هجوم ترامب على البابا ليون الرابع عشر وضع زيارة الجزائر في قلب العالم
15 أبريل 2026
أندريا برازودورو مؤرخ إيطالي متخصص في تاريخ أوروبا الحديثة والمعاصرة والعالم، مع تركيز خاص على فرنسا ومنطقة البحر الأبيض المتوسط، وباحث بقضايا إنهاء الاستعمار والعلاقات بين فرنسا والجزائر وإيطاليا، في أبعادها التاريخية والراهنة.
في هذا الحوار الذي خص به" الترا جزائر"، يشرح المؤرخ الإيطالي أندريا برازودورو، أبعاد ودلالات الزيارة البابوية إلى الجزائر والتي يرى أنها حملت رسائل سلام قوية من أرض القديس أوغسطين لعالم يشهد حالة من " الهذيان الهوياتي"، والتطبيع مع حروب الإبادة العلنية
يدرس التاريخ الاجتماعي بصفته أستاذًا محاضرًا في جامعة نابولي الشرقية، وهو عضو منتسب لمهام بحثية في الفرع الفرنسي لجامعة أكسفورد، كما يشتغل في مهام بحثية بجامعة السوربون ودار البحر الأبيض المتوسط للعلوم الإنسانية، ومؤسسات أكاديمية أخرى، كتب عدة أبحاث ومؤلفات بينها كتاب حول الثورة الجزائرية.
في هذا الحوار الذي خص به" الترا جزائر"، يشرح البروفيسور، أبعاد ودلالات الزيارة البابوية إلى الجزائر والتي يرى أنها حملت رسائل سلام قوية من أرض القديس أوغسطين لعالم يشهد حالة من " الهذيان الهوياتي"، والتطبيع مع حروب الإبادة العلنية.
يرى البروفيسور أندريا برازودورو، أن "الهجوم الفض والعنيف الذي شنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على قداسة البابا ليون الرابع عشر يُعد سابقة تاريخية سيكون لها ما قبلها وما بعدها، سواء على الصعيد الأمريكي الداخلي أو على مستوى المشهد العالمي".
وأوضح البروفيسور، في حديث لـ "الترا جزائر"، قائلًا: "من الواضح أن التعرض المتهور لشخصية البابا، وهو في طريقه في زيارة بابوية إلى إفريقيا عبر بوابة الجزائر، جعل هذه الزيارة في قلب السياسة الدولية والإعلام العالمي.
وفي الواقع، صرّح البابا على متن الطائرة بأن زيارته ليست سياسية، غير أنه وبمجرد صدور تلك التصريحات من دونالد ترامب، تحولت الزيارة، شكلًا ومضمونًا، إلى حدث ذي دلالات سياسية ودبلوماسية كبيرة، سواء من حيث الرسائل الموجهة إلى العالم أو الشكل الذي اتخذته، وأظن أن دونالد ترامب لم يُوفَّق في تقديره، ربما بسبب عدم استشارته للفريق المحيط به، أو لعدم إدراكه حجم التأثير الذي ستُحدثه تصريحاته، خاصة وأن الطائرة البابوية كانت تضم نحو 70 إعلاميًا مرافقًا".
اقرأ أيضًا: ثاني أقدم زيتونة في العالم.. هنا مهد القديس أوغسطين ومحراب خلوته الروحية
ويضيف: "عندما فضّل البابا عدم الرد على ترامب، باعتباره ليس سياسيًا، مكتفيًا بإبداء أسفه مما قيل، أصبح منذ تلك اللحظة حامل رسالة سلام، تضاعف تأثيرها مئات المرات بسبب اتهامات الرئيس الأمريكي".
وتابع: " نحن أمام بابا صريح وواضح، اتخذ مواقف علنية مباشرة ضد ما يجري في الشرق الأوسط، مثل غزة ولبنان، وهو من الأصوات النادرة في عالم لا يجرؤ فيه أحد من السياسيين على معارضة السياسة الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، وبخلاف البابا السابق المتميز بخطاب وجداني، تبدو مواقف ليون الرابع عشر شديدة الحزم والهدوء في آن واحد".
وبحسب المؤرخ الإيطالي، فإن اختيار الجزائر كبوابة لزيارة إفريقية تشمل الكاميرون وأنغولا وغينيا ينطوي على عدة دوافع ودلالات، حيث قال: "أراد البابا أن يبدأ من الجزائر بدل بلده الأصلي الولايات المتحدة، لعدة أسباب؛ من بينها الرابط العميق المتمثل في شخصية القديس أوغسطين، ابن الجزائر، وهو ما يعكس أن الكنيسة ليست رومانية فحسب، بل إفريقية أيضًا.
أندريا برازودورو:نحن أمام بابا صريح وواضح، اتخذ مواقف علنية مباشرة ضد ما يجري في الشرق الأوسط، مثل غزة ولبنان، وهو من الأصوات النادرة في عالم لا يجرؤ فيه أحد من السياسيين على معارضة السياسة الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة
كما أن الانطلاق من بلد مسلم لا تعيش فيه جالية مسيحية كبيرة، بخلاف دول إفريقية أخرى، يحمل دلالة قوية مفادها أن المغزى هو التأسيس لقاعدة مشتركة للتعايش والسلام بين الشعوب، وتوجيه رسالة واضحة للعالم من بلد غالبيته مسلمون لكنه وطن يتميز بخاصية فريدة هي الانخراط المركب في تنوع تاريخي هائل، لذلك يبدو مؤهلا لتوجيه خطابات مجابهة لتعقيدات العالم المعاصر".
وأضاف: "فضلًا عن ذلك، فإن الجزائر بلد كبير وعريق، غالبًا ما أصفه بـ "عالم من العوالم" فتاريخه يمتد لآلاف السنين، وبه شواهد رومانية عديدة، وموقعه الجغرافي يمنحه مكانة فريدة؛ فهو فاعل رئيسي في حضارة البحر المتوسط، وله امتداد جيوسياسي نحو جنوب الصحراء، وانتماء ثقافي وديني نحو الشرق الأوسط، وكينونة شمال أفريقية ما يجعله فضاءً مناسبًا للترويج لقيم التعايش الدولي.
ويكتسب ذلك، وفق المتحدث، أهميةً خاصةً في ظل ما يشهده العالم اليوم من توحش في العلاقات الدولية، وتجاوز للقانون الدولي، والتهديد الأمريكي بإبادة حضارات، وسياسات بنيامين نتنياهو، والعنف اللفظي الذي يطال العالم الإسلامي، وما يحدث في غزة ولبنان، فضلًا عما طال قوات اليونيفيل التابعة للأمم المتحدة من اعتداءات".
وتابع: "بحسب رأيي، يمكن تصنيف زيارة البابا ضمن الزيارات المناهضة للنزعة الاستعمارية الجديدة، بل يمكن اعتبارها زيارة مناهضة للاستعمار، لأنها انطلقت من الجزائر وستشمل دولًا إفريقية دفعت ضريبة الاستعمار والتحرر من هيمنته عبر حركات مقاومة. كما أن التمهيد لها عبر الجزائر، بما تحمله من ماضٍ ثوري ودعمها لحق الفلسطينيين، يمنحها مغزى سياسيًا عميقًا".
ويرى الكاتب المتخصص في التاريخ المعاصر وقضايا الذاكرة والشؤون الاستعمارية ومجتمعات ما بعد الكولونيالية، ومؤلف كتاب "جنود دون قضية: ذاكرة الحرب التحريرية"، أن هناك فرقًا بين العلاقات الجزائرية الإيطالية ذات الطابع السياسي، التي تعكسها سياسات رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، باعتبارها علاقات دافئة تقوم على المصالح، خاصة في مجال الطاقة، وبين علاقة الفاتيكان بالجزائر، التي ترفع الزيارة البابوية إلى طابع إنساني خالص.
أندريا برازودورو: البابا ومن خلال استحضار شخصية أوغسطين، يرافع عن العيش المشترك، باعتباره شخصية متعددة الانتماءات والجغرافيات، وهو الأب الروحي للأوغسطينيين المعروفين بالعلم والمعرفة، ما يجعل خطابه حول السلام مواجهة غير مباشرة لسياسات ترامب ونتنياهو
وأوضح أن وضع البابا إكليلًا من الزهور في مقام الشهيد يُعد "اعترافًا وتقديرًا للثورة الجزائرية وللمقاومين، ولا يقوم على مصالح اقتصادية بل على مبدأ أخلاقي"، مشيرًا إلى أن البابا عبّر صراحة عن معارضته للنزعات الاستعمارية الجديدة. كما لفت إلى أن سياسة الفاتيكان تجاه الهجرة تختلف عن مقاربة الحكومة الإيطالية، ذات الخلفية المرتبطة بأقصى اليمين، مستشهدًا بالعبارة التي تبناها البابا: "لنعمل جميعًا كي لا يتحول البحر المتوسط إلى مقبرة".
ويعتقد برازودورو أن الزيارة تحمل أبعادًا رمزية كبيرة، تتحدد في ثلاثة معطيات رئيسية وضعتها دبلوماسية الفاتيكان منذ بداية حبريته، قبل عام، وهي: "تعزيز العلاقة مع الرهبنة الأوغسطينية، ومخاطبة إفريقيا ذات القاعدة الكاثوليكية والمسيحية المتنامية، ومواجهة السياق الدولي المتوتر بلوثة حروب الحضارات، بخطاب التعايش والسلم والتشارك".
وأضاف أن البابا، من خلال استحضار شخصية أوغسطين، يرافع عن العيش المشترك، باعتباره شخصية متعددة الانتماءات والجغرافيات، وهو الأب الروحي للأوغسطينيين المعروفين بالعلم والمعرفة، ما يجعل خطابه حول السلام مواجهة غير مباشرة لسياسات ترامب ونتنياهو، ورفضًا للحروب واللغة الاستعمارية، بما في ذلك ما يحدث في غزة وبيروت، وما يُهدد استقرار الشرق الأوسط برمته".
أندريا برازودورو: حفاوة استقبال الراعي الأول للكاثوليك في جامع الجزائر الأعظم وفي بلاد إسلامية، شمعة أمل مشترك بين ضفتي المتوسط، وفي التأسيس لعالم قائم على الحوار الديني والسياسي والثقافي بدل اللهو بإشعال فتيل حروب الهذيان الهوياتي
وواصل بالقول: "إن هذه الزيارة تاريخية، لأنها الأولى من نوعها إلى الجزائر، ولأنها تمت من طرف بابا أمريكي الجنسية من شيكاغو، كما أنها تزامنت مع أول هجوم حاد لرئيس أمريكي على السلطة البابوية.
وفي المقابل، رأينا بابا يتخذ مواقف صريحة وعلنية ضد الحروب التي يشنها الرئيس الأمريكي وحليفه الإسرائيلي. وأعتقد أن هذه الهجمات سيكون لها أثر مستقبلي، خاصة مع شروع أساقفة كاثوليك في التنديد بها، وتعبير قوى سياسية عن رفضها لها بما تشكله من تطاول على أعلى سلطة كاثولكية في العالم، فضلًا عن استياء جزء معتبر من القاعدة الانتخابية لترامب، التي تنتمي إلى الطائفة المسيحية، ولا سيما الكاثوليكية منها".
وفي قراءته لتلك التداعيات صرح المتحدث: " المحك هو الانتخابات القادمة التي ستعبر عن النتيجة السياسية لذلك التعرض غير اللبق، وفي انتظار ذلك أشعلت الصور المبهرة والرسائل القوية التي حملتها زيارة الجزائر من كنيستي السيدة الأفريقية بالعاصمة وسان أوغسطين بعنابة، وحفاوة استقبال الراعي الأول للكاثوليك في جامع الجزائر الأعظم وفي بلاد إسلامية، شمعة أمل مشترك بين ضفتي المتوسط، وفي التأسيس لعالم قائم على الحوار الديني والسياسي والثقافي بدل اللهو بإشعال فتيل حروب الهذيان الهوياتي".
الكلمات المفتاحية
نقاش العهدة الثانية وقوائم الترشح.. من يواصل ومن يغادر البرلمان الجزائري؟
تأخذ ترتيبات الترشح للانتخابات التشريعية منحى العدّ التنازلي داخل دوائر الأحزاب، قبل أقل من شهرين من موعد الاستحقاقات بالجزائر، في وقت يعود فيه الجدل حول ترشح النواب لعهدة ثانية إلى الواجهة من جديد، دون الاكتفاء بواحدة.
من القاعات إلى المنصات الرقمية.. الأحزاب الجزائرية تبحث عن جمهور أوسع
يَشهد الاتصال السياسي اليوم تحوّلًا عميقًا بفعل الانتشار الواسع لمنصات ووسائط التواصل الاجتماعي، التي أصبحت فضاءً رئيسيًا لتداول الخطاب السياسي وصناعة الرأي العام.
بعد مؤشرات التقارب.. باريس تربط مسار عودة العلاقات مع الجزائر بملفي الأمن والهجرة
ركّز وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، في مقابلة مع صحيفة لوموند الفرنسية، على مستقبل العلاقات الجزائرية الفرنسية، مؤكدًا أن مرحلة “إعادة الانخراط” بين البلدين بدأت تعطي نتائج أولية، لكنه ربط الذهاب أبعد في مسار عودة العلاقات بملفات الهجرة والأمن والتعاون الاقتصادي.
من بومدين إلى الحراك الشعبي.. ناصر جابي يفكك سوسيولوجيا الاحتجاج في الجزائر
تُشكّل دراسة أستاذ علم الاجتماع السياسي ناصر جابي حول الحركات الاحتجاجية في الجزائر مسعى تحليلي وتأويلي للحركات الاحتجاجية في الجزائر وارتباطاتها بمسار الدولة الوطنية والمجتمع منذ الاستقلال إلى غاية الحراك الشعبي سنة 2019، من خلال ربط التحولات السياسية بالبُنى الاجتماعية والثقافية للنخب الحاكمة والفئات المجتمعية، من خلال معاينة ميدانية واحتكاك بالفاعلين الأساسيين من صناع القرار السياسي إلى مختلف…
مطاردة في الجبال تنتهي بتوقيف 6 أشخاص وحجز 19 كلبًا بباتنة.. ما القصة؟
باشرت المصالح المختصة عملية ترصد ميداني للشاحنة المشبوهة، قبل أن تتمكن من توقيف ستة أشخاص كانوا بصدد تمشيط الشعاب والمناطق الوعرة، بنية صيد الحيوانات البرية
عصاد يدعو لحماية المخطوطات الأمازيغية المكتوبة بالعربية.. ماذا تعرف عنها؟
أشار المتحدث إلى أن جزءًا مهمًا من هذا التراث تعرض خلال الحقبة الاستعمارية الفرنسية للحرق والنهب والتهريب، مما أدى إلى ضياع عدد من الوثائق والكنوز المعرفية،
طقس الجزائر.. تحذير من رياح تصل إلى 70 كلم/سا بعدة ولايات
وأوضحت المصالح ذاتها أن الولايات الغربية المعنية تشمل وهران ومستغانم والشلف، حيث يُرتقب هبوب رياح جنوبية غربية تتراوح سرعتها بين 50 و70 كلم/سا،
تشريعيات 2026.. تفاصيل جديدة حول ملفات الترشح
وأوضحت السلطة، في البيان رقم 19، أن هذه الملفات تتوزع بين 139 ملفًا تحت رعاية 11 حزبًا سياسيًا، و27 ملفًا لقوائم حرة، في إطار العملية الانتخابية الجارية.