المجتمع بحاجة ملحة لخدماته.. لماذا يغيب طب الشيخوخة في الجزائر؟
14 ديسمبر 2025
يشهد المجتمع الجزائري في السنوات الأخيرة تحولًا ديموغرافيًا ملحوظًا يتمثل في الارتفاع التدريجي لعدد كبار السن، نتيجة تحسن متوسط العمر وانخفاض معدلات الوفيات.
سعاد شيخي، رئيسة جمعية المسنين لـ"الترا جزائر": الأمراض شيوعًا لدى فئة كبار السن في الجزائر هي داء السكري، ارتفاع ضغط الدم، النقرس، وأمراض القلب، وهي أمراض مزمنة ومستعصية تتطلب متابعة طبية دائمة وعلاجًا مستمرًا مدى الحياة
هذا التحول يفرض تحديات صحية واجتماعية جديدة، تستدعي إعادة النظر في طرق التكفل بهذه الفئة التي تمثل ركيزة أساسية في المجتمع. فالمسن ليس مجرد حالة طبية، بل هو فرد له احتياجات صحية، نفسية، واجتماعية خاصة تتطلب مقاربة شاملة ومتكاملة.
في ظل هذا الواقع، يبرز موضوع طب الشيخوخة (la gériatrie) كأحد القضايا الصحية والمجتمعية الملحّة في الجزائر، خاصة مع غياب تخصص طبي معتمد وهياكل مهيأة للتكفل النوعي بالمسنين. ويؤدي هذا النقص إلى اعتماد نماذج علاجية غير ملائمة لا تراعي خصوصية التقدم في السن، ما ينعكس سلبًا على جودة الرعاية الصحية وعلى حياة المسنين وأسرهم.
واقع طب الشيخوخة في الجزائر
في حديث حول هذا الموضوع مع الدكتور قاسمي سعيد، طبيب مختص في أمراض الشيخوخة والمسنين في فرنسا، يؤكد لـ"الترا جزائر" أن وضع التكفل بالمسنين في الجزائر يُعد مقلقًا، إذ لا يزال هذا المجال يعاني من نقص كبير في التنظيم والتخصص. فرغم تزايد عدد كبار السن، لا توجد بنية صحية واضحة ومتكاملة موجهة خصيصًا لأمراض الشيخوخة، ما ينعكس سلبًا على جودة الرعاية المقدمة لهذه الفئة.
الدكتور قاسمي سعيد، طبيب مختص في أمراض الشيخوخة والمسنين في فرنسا، لـ"الترا جزائر":المريض المسن يخضع حاليًا لنفس بروتوكولات الفحص والعلاج المطبقة على شخص في الأربعين من عمره، وهو أمر غير علمي ولا يتماشى مع المعايير الحديثة لطب المسنين
كما يوضح الطبيب أن هناك خلطًا شائعًا بين مفهومين مختلفين، وهما علم الشيخوخة وهو مجال شامل يدرس الشيخوخة من زوايا متعددة، لا يقتصر على الجانب الطبي فقط، بل يشمل الجوانب الديموغرافية، البيولوجية، الاجتماعية، الاقتصادية، أنظمة الدعم الاجتماعي، وتكلفة الرعاية الصحية للمسنين. وطب المسنين وهو فرع طبي يُعنى بشكل مباشر بالمشاكل الصحية والأمراض التي تصيب المسنين، ويبدأ الاهتمام الطبي فيه عادة من سن 65 سنة فما فوق، مع التركيز على التقييم الشامل والعلاج الملائم لهذه الفئة.
ويشير الطبيب إلى أن الجزائر تفتقر إلى تخصص معتمد في أمراض الشيخوخة، كما لا توجد عيادات خاصة أو مصالح استشفائية مهيأة حصريًا لاستقبال مرضى الشيخوخة. هذا الغياب يجعل المسن يُوجَّه إلى نفس المسار العلاجي المخصص للأشخاص الأصغر سنًا، دون مراعاة خصوصياته البيولوجية والنفسية والاجتماعية.
ويوضح الدكتور قاسمي أنه لا يوجد تكوين كافٍ أو منظَّم للأطباء في مجال التكفل الشامل بالمسنين، خاصة في إطار العيادات متعددة التخصصات التي تُعد ضرورية للتعامل مع تعقيد الحالات الصحية لدى كبار السن، حيث غالبًا ما تتداخل الأمراض المزمنة مع الجوانب النفسية والاجتماعية.
ومن أبرز الإشكالات التي يطرحها الطبيب أن المريض المسن يخضع حاليًا لنفس بروتوكولات الفحص والعلاج المطبقة على شخص في الأربعين من عمره، وهو أمر غير علمي ولا يتماشى مع المعايير الحديثة لطب المسنين، نظرًا لاختلاف الاستجابة العلاجية وتعدد الأمراض والحساسية الدوائية لدى هذه الفئة.
أمراض الشيخوخة
وفي هذا السياق تقول سعاد شيخي، رئيسة جمعية المسنين لـ"الترا جزائر"، إن واقع التكفل الصحي والاجتماعي بالمسنين في الجزائر يعرف بعض الجهود الإيجابية، سواء من طرف الدولة أو من خلال مبادرات المجتمع المدني، غير أن هذه الجهود لا تزال دون المستوى المطلوب إذا ما قورنت بالارتفاع المتزايد في عدد كبار السن وتنوع احتياجاتهم الصحية والنفسية والاجتماعية. فالتكفل الحالي، حسب تقييمها، يغلب عليه الطابع التقليدي، حيث يركز أساسًا على الجوانب العلاجية الأولية، دون تبني مقاربة شاملة ومندمجة تراعي خصوصيات مرحلة الشيخوخة، خاصة في المناطق الداخلية والريفية التي تعاني من ضعف الخدمات الصحية والاجتماعية.
وتضيف المتحدثة إن أكثر الأمراض شيوعًا لدى فئة كبار السن في الجزائر هي داء السكري، ارتفاع ضغط الدم، النقرس، وأمراض القلب، وهي أمراض مزمنة ومستعصية تتطلب متابعة طبية دائمة وعلاجًا مستمرًا مدى الحياة.
وتشير إلى أن عبء هذه الأمراض لا يقتصر على الجانب الصحي فقط، بل يمتد إلى الجانب المادي، حيث تشكل تكلفة الأدوية عبئًا كبيرًا، خاصة بالنسبة للمسنين غير المؤمنين اجتماعيًا أو الذين لا يستفيدون من تغطية صحية كافية، ما يجعل الاستمرارية في العلاج أمرًا صعبًا في كثير من الحالات.
غياب تخصص طب الشيخوخة أو محدودية انتشاره ينعكس بشكل مباشر على جودة الرعاية الصحية المقدمة للمسنين، نظرًا لخصوصية هذه الفئة التي تعاني غالبًا من تعدد الأمراض المزمنة، إلى جانب الاضطرابات النفسية والتراجع الوظيفي
وتشير رئيسة الجمعية إلى أن كبار السن وأسرهم يواجهون صعوبات متعددة في الحصول على رعاية صحية ملائمة، من أبرزها غياب أو ضعف التخصص الطبي الموجه للمسنين، والاكتظاظ الكبير الذي تشهده المؤسسات الصحية العمومية، إضافة إلى صعوبة التنقل، خاصة بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من إعاقات حركية أو أمراض مزمنة. كما يشكل ضعف الدخل وارتفاع تكاليف بعض الأدوية والفحوصات عبئًا إضافيًا على المسنين، في ظل محدودية التغطية الاجتماعية لدى فئة معتبرة منهم. وتؤكد أيضًا أن نقص التوعية الصحية لدى العائلات بكيفية التعامل مع الأمراض المزمنة المرتبطة بالشيخوخة يزيد من الأعباء النفسية والمادية، ويؤثر سلبًا على جودة التكفل.
طب الشيخوخة ضرورة ملحّة
وفي هذا السياق، تؤكد رئيسة الجمعية أن جمعيتهم تلعب دورًا محوريًا في مرافقة المسنين والتخفيف من معاناتهم اليومية، من خلال تقديم الدعم النفسي والاجتماعي، وتنظيم زيارات ميدانية دورية، إلى جانب أنشطة اجتماعية وترفيهية تهدف إلى كسر العزلة وتعزيز الشعور بالاندماج والكرامة لدى كبار السن. كما تعمل الجمعية على توعية الأسر بحقوق المسنين وأهمية الرعاية الإنسانية المتوازنة، وتشجع ثقافة التضامن والتكافل الاجتماعي، فضلًا عن التنسيق مع بعض الجهات الصحية والاجتماعية حسب الإمكانيات المتوفرة.
وتؤكد المتحدثة أن غياب تخصص طب الشيخوخة أو محدودية انتشاره ينعكس بشكل مباشر على جودة الرعاية الصحية المقدمة للمسنين، نظرًا لخصوصية هذه الفئة التي تعاني غالبًا من تعدد الأمراض المزمنة، إلى جانب الاضطرابات النفسية والتراجع الوظيفي. وتشير إلى أن غياب هذا التخصص يؤدي في كثير من الحالات إلى تشخيص غير دقيق أو علاج غير متكامل، إذ يتم التعامل مع المريض المسن بنفس المقاربة العلاجية المطبقة على فئات عمرية أصغر، دون مراعاة خصوصيات التقدم في السن.
وتختتم رئيسة جمعية المسنين تصريحاتها بالتأكيد على أن تحسين وضعية المسنين في الجزائر يتطلب العمل على عدة أولويات أساسية، في مقدمتها تعزيز تخصص طب الشيخوخة وتكوين إطارات صحية مؤهلة، وتحسين الخدمات الصحية والاجتماعية الموجهة لكبار السن، خاصة على المستوى المحلي. كما تشدد على ضرورة دعم الجمعيات الناشطة في هذا المجال ماديًا ومعنويًا، وتطوير برامج الدعم النفسي والاجتماعي لمحاربة العزلة، إلى جانب تكثيف حملات التوعية حول حقوق المسنين وأهمية رعايتهم داخل الأسرة والمجتمع، بما يضمن لهم حياة كريمة وآمنة.
الكلمات المفتاحية

تحولات صامتة في المجتمع.. هل الشيخوخة في طريقها إلى الجزائر؟
بعد ربع قرن من الآن؛ هل توقفنا لنطرح السؤال التالي: إلى أين تتجه ه الأسرة الجزائرية؟مواليد 2026 سيطرقون أبواب العمل بعد التخرج من الجامعات، بينما يقف مواليد الـ 1970 والـ 1980 على عتبات سن التقاعد، وبين جيل وآخر تتغير التركيبة السكانية للمجتمع الجزائري في صمت.

تشريعٌ جديد لدور الحضانة في الجزائر..هل ينهي التجاوزات داخل بعض الروضات؟
لقي النظام الداخلي النموذجي لمؤسسات استقبال الطفولة الصغيرة التي تشمل دور الحضانة وروضة الأطفال والمؤسسات متعددة الاستقبال الذي كشفت عنه وزارة التضامن مؤخرًا ردود فعل مختلفة لدى أصحاب الروضات، وبالخصوص فيما تعلق بتمديد التوقيت إلى 12 ساعة ولسبعة أيام كاملة.

شهادات عليا خارج حسابات التوظيف في قطاع التربية.. ما القصة؟
لم يتوقع عشرات المترشحين لمسابقة التوظيف في قطاع التربية في أطوار التعليم الابتدائي والمتوسّط والثانوي، إقصاء شرط التكوين المكمّل لشهادة الليسانس سواء ماستر أو دكتوراه من ملف التقدم للترشح، وجاء ردّ وزارة التربية غير متوقعا خصوصا بعد عدم قبول الشهادتين في التوظيف والاكتفاء فقط بالليسانس.
الجزائر تطرح مناقصةً دوليةً جديدة لشراء القمح
قال متعاملون أوروبيون إن الديوان الجزائري المهني للحبوب طرح مناقصة دولية لاقتناء القمح، محددًا يوم الاثنين المقبل كآخر أجل لتقديم العروض.

طقس الجزائر.. موجة برد وأمطار رعدية تمس عدة ولايات عبر الوطن
تشهد عدة ولايات من البلاد، اليوم الأحد، تقلبات جوية حادة تتمثل في موجة برد شديدة وتساقط أمطار رعدية بكميات معتبرة محليًا، وفق ما أفادت به مصالح الأرصاد الجوية.

للمرّة الخامسة.. مولودية الجزائر تُتوَّج بالكأس الممتازة
تُوِّج نادي مولودية الجزائر، اليوم السبت، بلقب الكأس الممتازة، عقب فوزه في لقاء الديربي على غريمه التقليدي اتحاد الجزائر بهدف دون مقابل، في المباراة التي احتضنها ملعب نيلسون مانديلا.

سيفي غريب يعلن إطلاق "ورشات عمل".. هل يتم إصلاح قطاع سيارت الأجرة في الجزائر؟
ترأس الوزير الأول، سيفي غريب، اجتماعًا تشاوريًا مع ممثلي النقابة الوطنية للناقلين بسيارات الأجرة، بحضور وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، ووزيرة التجارة الداخلية وضبط السوق الوطنية، خُصّص للاستماع لانشغالات مهنيي القطاع وبحث آفاق إصلاح منظومة النقل.

