بعد اعتراف الرئيس بـ "الفشل" في إنتاجها.. كيف تتخلّص الجزائر من معضلة اللحوم الحمراء؟
14 يناير 2026
مازال إنتاج اللحوم يشكل نقطةً سوداء في القطاع الفلاحي الجزائري الذي حقق في السنوات الأخيرة نتائج مشجعة في عدة شعب، بتحقيق الاكتفاء الذاتي فيها، وهو ما يستدعي اليوم التفكير في إيجاد حل حقيقي للنقص المسجل في مادة اللحوم والوصول إلى تلبية الطلب عليها محليًا أيضًا.
لم يتردد الرئيس عبد المجيد تبون في خطابه الموجه للأمة أمام البرلمان نهاية العام الماضي، في الإقرار بفشل البلاد في تحقيق الاكتفاء الذاتي في إنتاج اللحوم بكل أنواعها، في نتيجة معاكسة للمؤشرات الإيجابية المسجلة في باقي الشعب الفلاحية الأخرى، وبالخصوص الزراعية منها.
وبالرغم من الارتفاع الكبير في أسعار اللحوم خاصة الحمراء منها والذي يقلل من كميات الاستهلاك، يظل الإنتاج الوطني لهذه المادة لا يلبي الطلب المحلي، رغم الدعم الذي تقدمه الحكومة للمربين، فما أسباب هذا الضعف المسجل في إنتاج اللحوم؟.
انتقاد رئاسي
لم يتردد الرئيس عبد المجيد تبون في خطابه الموجه للأمة أمام البرلمان نهاية العام الماضي، في الإقرار بفشل البلاد في تحقيق الاكتفاء الذاتي في إنتاج اللحوم بكل أنواعها، في نتيجة معاكسة للمؤشرات الإيجابية المسجلة في باقي الشعب الفلاحية الأخرى، وبالخصوص الزراعية منها.
وقال تبون"حققنا نجاحات كبيرة، لكن أبوح لكم بفشلنا في إنتاج اللحوم بكل أنواعها، وهذا يطرح علامات استفهام كبيرة".
وأضاف "هذا نداء لأهل القطاع حتى يكونوا غيورين على بلدهم، فأموال استيراد اللحوم أبناء الجزائر أولى بها".
ولا تتوفر أرقام حديثة حول الإنتاج الحقيقي للحوم في الجزائر، بالنظر إلى أن أرقام الإحصاء الأخير الذي أجرته وزارة الفلاحة لم يصدر بعد، وبالخصوص في الجانب المتعلق بإنتاج اللحوم الحمراء الذي تلجأ فيه الجزائر سنويًا للاستيراد، بل إن العام الماضي شهد لأول مرة استيراد أضاحي عيد الأضحى جرّاء تراجع الإنتاج الوطني من المواشي.
أما في ما يتعلق باللحوم البيضاء، فقال رئيس الفيدرالية الوطنية لمربي الدواجن، علي بن شيبة لـ"الترا جزائر" إن المشكلة الأساسية في إنتاج الدواجن تكمن في تذبذب الإنتاج، وليست عدم القدرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي
تحقيق الاكتفاء الذاتي ممكن
لكن رغم هذا التذبذب، إلا أن بن شيبة يؤكد أن مربيي الدواجن الجزائريين قادرون على تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال اللحوم الحمراء، وتطليق الاستيراد دون رجعة، وهو ما تم خلال سنة 2025، حيث تخلت الحكومة عن استيراد الدجاج بشكل كلي بعدما استطاع الانتاج الوطني تلبية الطلب المحلي.
وقال بن شيبة:"وصلنا في 2025 إلى إنتاج أكثر من مليون طن من اللحوم البيضاء، مما رفع الاستهلاك السنوي للفرد الواحد إلى أكثر من 20 كلغ سنويا بعدما كانت سابقا في حدود 15 كلغ سنويًا".

ويتوقع بن شيبة أن تستمر الأرقام الخضراء المتعلقة بإنتاج اللحوم البيضاء في سنة 2026، وبأسعار معقولة، مشابهة لما هو مسجل اليوم، حيث يباع الكيلوغرام الواحد من الدجاج بـ320 دينارًا على الأكثر، فيما يبلغ الكيلوغرام الواحد من الدجاج الحي في سوق الجملة بـ200 دينار.
وإن كانت هذه الأسعار تبعث على الارتياح بالنسبة للمستهلك، إلا أنها تكبّد في الوقت ذاته المربين خسائر قد تدفعهم إلى التوقف عن الانتاج مستقبلًا، حيث يرى بن شيبة أن سعر 250 دينارا للكيلوغرام الواحد من الدجاج الحي هو السعر الذي بإمكانه تجنيب المربين خسائر إنتاجية.
ودعا الأستاذ المتخصص في التحليل الاقتصادي بجامعة مستغانم البروفيسور زين الدين قدال الذي نشر مقالات علمية بشأن إنتاج اللحوم في الجزائر، إلى ضرورة أن تعمل الحكومة على تشجيع الإنتاج المحلي للحوم البيضاء وتجنب الاستيراد الذي تكون له أثار سلبية على الفلاحين، بالرغم من أن قرار الاستيراد الذي اتخذ قبل سنتين هدف إلى جعل أسعار اللحوم البيضاء في متناول المستهلك.
معضلة اللحوم الحمراء
شكّل استيراد الحكومة العام الماضي أضاحي العيد لضمان تأدية الجزائريين لشريعتهم الدينية إقرارًا رسميًا بالتحدي الذي ينتظر البلاد لتلبية الطلب المحلي في هذا المجال، وبالخصوص بعد أن تأكد أن الأرقام التي كانت تسوق سابقًا بشأن حجم القطيع من المواشي بعيدة عن الحقيقة.
الأمين الوطني لاتحاد الفلاحين الجزائريين حملاوي ثابتي لـ "الترا جزائر": إنتاج اللحوم الحمراء في الجزائر لم تعرف الاستقرار مطلقًا في البلاد، جرّاء عدة عوامل، منها الجفاف الذي ضرب الجزائر لعدة سنوات متتالية، وغلاء الأعلاف والمضاربة فيها وعدم توفر الأدوية واليد العاملة.
ولمواجهة هذا النقص في الإنتاج، قررت الجزائر العام الماضي استيراد مليون كبش لضمان تأدية الجزائريين لشعيرة عيد الأضحى.
وأعلنت وزيرة التجارة الداخلية وضبط السوق الوطنية، آمال عبد اللطيف شهر نوفمبر الماضي عن وضع آلية استباقية لضمان وفرة اللحوم الحمراء والبيضاء خلال رمضان 2026 من خلال التزام المتعاملين بتموين السوق بكميات أولية تقارب 30 ألف طن.
وقالت عبد اللطيف إن هذه الكمية الأولية المقدرة ب29.545 طن سيتم استيرادها خلال الفترة الممتدة من 15 كانون الثاني جانفي إلى 15 آذار مارس 2026.
ويظهر أن الاستيراد سينصب في الغالب على اللحوم الحمراء، بما أن الانتاج الوطني من اللحوم البيضاء قادر هذه السنة على تلبية الطلب المحلي دون زيادة معتبرة في الأسعار.
وأوضح الأمين الوطني لاتحاد الفلاحين الجزائريين حملاوي ثابتي في حديث مع "الترا جزائر" بأن إنتاج اللحوم الحمراء في الجزائر لم تعرف الاستقرار مطلقًا في البلاد، جرّاء عدة عوامل، منها الجفاف الذي ضرب الجزائر لعدة سنوات متتالية، وغلاء الأعلاف والمضاربة فيها وعدم توفر الأدوية واليد العاملة.
وأضاف ثابتي أنه من بين العوامل التي تسبب أيضا في تراجع إنتاج اللحوم الحمراء محليا انتشار العصابات التي تستهدف سرقة مواشي الموالين، مما منع هؤلاء من التنقل إلى بعض أماكن الرعي التي تصبح فيها حياتهم وقطيعهم معرضون للخطر، إضافة إلى التهريب والذبح العشوائي لأنثى الأغنام.
إجراءات ضرورية
يربط الأمين الوطني لاتحاد الفلاحين برفع القدرة الإنتاجية للجزائر في مجال اللحوم بالتحكم في الأسعار وتوفير الأعلاف، ومراعاة الارتفاع الكبير الذي شهدته وسائل الإنتاج كالجرارات على سبيل المثال.
وشدد ثابتي على ضرورة تصحيح الخلل الموجود في وسائل الإنتاج، مع وضع إستراتيجية واضحة لملف الري الفلاحي الذي يظل أساس نجاح أي مخطط في هذا المجال، خاصة في ظل حالات الجفاف التي سجلت في السنوات الماضية وأثرت بشكل كبير على مناطق رعي قطعان المواشي.
الأستاذ المتخصص في التحليل الاقتصادي بجامعة مستغانم البروفيسور زين الدين قدال: يجب اتخاذ مختلف الإجراءات اللازمة للحد الاستيراد، بالنظر إلى سلبياته الكثيرة منه إهدار العملة الصعبة، وانخفاض التحصيل الضريبي، ناهيك على البطالة التي قد تمس العاملين في المجالات التي يمكن فيها تلبية الطلب محليا كاللحوم البيضاء
ويعتقد ثابتي أن إحداث استقرار في إنتاج اللحوم الحمراء يتطلب اتخاذ إستراتيجية متوسطة المدى قد تصل إلى 3 سنوات لتلبية الطلب المحلي، خاصة مع وجود إرادة حقيقية من طرف الرئيس تبون لمحاربة المضاربة، وتحديد سعر النخالة بـألفي دينار، وتوسيع كميات الشعير التي تمنح للفلاح لتشمل الكباش والنعاج معا على عكس ما كان سابقا حيث كانت تقتصر على أنثى الأغنام فقط.
وفي هذا الإطار، شدّد البروفيسور قدال على ضرورة ، وذلك جرّاء الأسعار غير التنافسية للدجاج اللاحم المستورد مقابل المنتج المحلي، مما سيساعد في تكريس الارتباط المطلق باتخاذ مختلف الإجراءات اللازمة للحد الاستيراد، بالنظر إلى سلبياته الكثيرة منه إهدار العملة الصعبة، وانخفاض التحصيل الضريبي، ناهيك على البطالة التي قد تمس العاملين في المجالات التي يمكن فيها تلبية الطلب محليا كاللحوم البيضاءالاستيراد الدائم لهذا المنتج، وهو ما يناقض هدف تحقيق الأمن الغذائي.
وبيّن قدال أن الأثر السلبي نفسه على الاقتصاد سيسجل أيضا في حال استمرار عمليات استيراد الكباش واللحوم الحمراء من رومانيا واسبانيا وغيرهما، داعيًا في هذا الإطار إلى ضرورة دعم الأعلاف عبر تدخل الدولة لضمان تسويق هذه المادة بأسعار تنافسية لحماية المنتج الذي بدوره ستنخفض تكلفته و بالتالي ستنخفض الأسعار المحلية.
أما رئيس الفيدرالية الوطنية لمربي الدواجن، علي بن شيبة فدعا إلى تخزين الفائض من اللحوم الحمراء لمواجهة فترات الندرة وقلة الإنتاج، وهو ما يتطلب رفع قدرات الإنتاج، بالنظر إلى أن الطاقة التخزينية للديوان الوطني لتغذية الأنعام وتربية الدواجن لا تتعدى 10 بالمئة، والحل يكمن في فتح مجال التخزين للخواص، وهو ما وعدت الوزارة بمعالجته.
رئيس الفيدرالية الوطنية لمربي الدواجن، علي بن شيبة: يجب تخزين الفائض من اللحوم الحمراء لمواجهة فترات الندرة وقلة الإنتاج، وهو ما يتطلب رفع قدرات الإنتاج، بالنظر إلى أن الطاقة التخزينية للديوان الوطني لتغذية الأنعام وتربية الدواجن لا تتعدى 10 بالمئة،
وأضاف بن شيبة أنه "في اجتماع للفدرالية في 15 ديسمبر الماضي مع وزيري الفلاحة والتجارة، جرى اتفاق على تسهيل استثمار الخواص في مجال تخزين اللحوم البيضاء، لكن المشكلة في هذا المجال هو الفواتير، حيث يطلب من المخزّن تقديم الفواتير اللازمة، في حين أن أغلب كميات الدجاج تشترى من المربين دون فوترة، بالنظر إلى أن بعض المربين في المناطق الريفية يمارسون هذه المهنة كنشاط إضافي".
ودعا بن شيبة أيضا إلى ضبط عملية استيراد أمهات الدواجن وتوسيعها محليًا، حيث لا يلبّي الإنتاج الوطني منها سوى 30 بالمئة فقط، والكميات المتبقية تؤمن عبر الاستيراد.
وركز بن شيبة أيضا على ضرورة معالجة النقص في الأعلاف الذي يسجل من فترة إلى أخرى آخرها في نوفمبر الماضي، داعيًا في هذا الإطار إلى تطوير عملية زراعة الحبوب العلفية محليًا، وتنويع المواد الأولية للأعلاف خاصة المواد التي تنتج محليًا كالقمح العلفي مثلا، لكي لا تحصر الأعلاف في الذرة والصوجا فقط.
الكلمات المفتاحية

اقتراض الجزائر من البنك الإفريقي.. من عقدة التسعينات إلى خيار في 2026
منذ أزمة المديونية في سنوات التسعينات، تبنت الجزائر مقاربةً حذرةً، بل متشددةً أحيانًا، تجاه الاستدانة الخارجية، بعدما ارتبطت تلك المرحلة بتدخل صندوق النقد الدولي وفرضه برامج تكييف هيكلي وإملاءات صارمة مست جوانب حساسة من الاقتصاد الوطني، من تقليص النفقات وتسريح العمال إلى غلق مؤسسات عمومية، تلك التجربة تركت أثرًا عميقًا في الذاكرة الاقتصادية والسياسية للبلاد، وجعلت مبدأ الاقتراض الخارجي يقابل برفض…

بعد إخفاقات متكررة.. هل تنجح الجزائر أخيرًا في إصلاح منظومة الدعم الاجتماعي؟
يشكّل إصلاح منظومة الدعم الاجتماعي في الجزائر أحد أبرز الملفات الاقتصادية والاجتماعية التي طال انتظار حسمها، بعد سنوات من المحاولات التي لم تحقق النتائج المرجوة. فرغم ما رُصد من موارد مالية ضخمة لضمان استقرار القدرة الشرائية وحماية الفئات الهشة، إلا أن آليات الدعم التقليدية أفرزت اختلالات كبيرة، أبرزها استفادة غير مستحقي الدعم، وتبديد الموارد، وتراجع فعالية السياسات الاجتماعية.

زيارات بلا قروض.. ما الذي يبحث عنه صندوق النقد الدولي بالجزائر؟
حلّت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا بالجزائر يومي الأربعاء والخميس 4 و5 فيفري/ شباط، حيث التقت رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون وعددا من المسؤولين الحكوميين، ضمن برنامج زيارة رسمي يندرج ضمن نشاطات الصندوق الدورية مع الدول الأعضاء، وشهدت اللقاءات بحث ملفات اقتصادية متعددة، دون أن ترتبط بأي برامج تمويل أو طلبات اقتراض، في مؤشر واضح على طبيعة العلاقة القائمة على التقييم…

رمضان 2026 في الجزائر.. وفرة في السلع و"لهفة" تربك السوق كل عام
مع اقتراب شهر رمضان، تبدأ الحكاية نفسها كل عام، قبل أسابيع من أول يوم صيام، تتغير ملامح المدن، لافتات التخفيضات ترتفع، الشاحنات تدخل الأسواق محملة باللحوم والدواجن، الخضر ترص بعناية أكبر، وتُفتح "الأسواق الجوارية" كوعود رسمية برمضان هادئ بلا ندرة ولا مضاربة

تحسبًا لرمضان.. فتح استثنائي لمكاتب بريد الجزائر هذا الجمعة
أوضحت المؤسسة في بيان أنّ "فتح مكاتب البريد يكون اليوم 13 فبراير/شباط بداية من الساعة الثامنة صباحًا إلى غاية الثانية عشرة ظهرًا.

طقس الجزائر.. رياح قوية تصل إلى 100 كلم/سا تضرب عدة ولايات
أوضحت مصالح الأرصاد أنّ "الرياح ستكون غربية شمالية غربية، وتتراوح سرعتها من 60 إلى 70 كلم/سا زقد تصل إلى 100/90 كلم/سا، ابتداء ممن الساعة الثالثة مساء، وتستمر إلى غاية يوم السبت.

ما هي الولايات الأولى المعنية بالحافلات المُستوردة؟
الوزير أوضح في جلسة علنية بالمجلس الشعبي الوطني أن المرحلة المقبلة ستشمل توزيع هذه الحافلات عبر أربع ولايات من شرق الوطن، ضمن خطة وطنية تستهدف معالجة الاختلالات المسجلة في قطاع النقل الجماعي.

