ultracheck
اقتصاد

بعد جدل واسع.. البنك المركزي الجزائري يتدارك أخطاء منع التمويل النقدي للحسابات البنكية

6 يناير 2026
بنك الجزائر.jpg
تُقدَّر السيولة المالية المتداولة خارج القطاع المصرفي بنحو 60 مليار دولار
عمار لشموت
عمار لشموتكاتب من الجزائر

مٌباشرةً عقب قرار رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون القاضي بإقالة محافظ بنك الجزائر، صلاح الدين طالب، أصدر البنك المركزي تعليمة جديدة تُلغي القرار الصادر بتاريخ 22 ديسمبر/كانون الأول 2025، والذي كان يقضي بإنهاء التعامل مع تغذية الحسابات التجارية بالنقد إلا في حالات استثنائية محدودة.

عبد الوهاب يعقوبي لـ "التر جزائر": التوجه نحو تقليص التعاملات النقدية داخل الحسابات التجارية لا يُعد إجراءً تقنيًا بسيطًا، بل يمثل تحولًا هيكليًا عميقًا يَمس طريقة اشتغال الاقتصاد، وعلاقته بالبنوك، وبالنظام الجبائي، وبمستوى الشفافية المالية.

وقد أثار تعليمة تقييد التعامل النقدي في المعاملات البنكية جدلًا واسعًا في الأوساط الاقتصادية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، كما خلّف مُوجة من القلق لدى المتعاملين الاقتصاديين في القطاعين العمومي والخاص على حد سواء.

وتتعزّز هذه المخاوف في ظل الواقع الهيكلي للاقتصاد الوطني، حيث لا تزال عدة قطاعات حيوية تعتمد بشكل كبير على 'الكاش"، على غرار القطاع التجاري، والقطاع الزراعي، والأنشطة الخدماتية، ما يطرح تساؤلات جدية حول جاهزية البيئة الاقتصادية والمالية للانتقال السريع نحو تقليص التعاملات النقدية دون توفير بدائل فعالة وشاملة.

قرارات غير مدروسة

وفي تعليق على قرار إلزام البنوك بالاعتماد على وسائل الدفع غير النقدية، قال النائب البرلماني عبد الوهاب يعقوبي إن الاقتصاد الوطني يَمر بمرحلة دقيقة وحساسة، تتطلب قدرًا عاليًا من الحكمة والتدرج في تنزيل الإصلاحات الكبرى، خاصة تلك المرتبطة بالمنظومة المالية والنقدية.

وصرّح عبد الوهاب يعقوبي لـ "التر جزائر" أن التوجه نحو تقليص التعاملات النقدية داخل الحسابات التجارية لا يُعد إجراءً تقنيًا بسيطًا، بل يمثل تحولًا هيكليًا عميقًا يَمس طريقة اشتغال الاقتصاد، وعلاقته بالبنوك، وبالنظام الجبائي، وبمستوى الشفافية المالية.

في هذا السياق، أشار نائب رئيس المجلس الشعبي الوطني إلى أن هذا التوجه، من حيث المبدأ، يُعد خيارًا صحيحًا وضروريًا، لأنه يستهدف جوهر معركة الدولة ضد الاقتصاد الموازي، والتهرب الضريبي، وتبييض الأموال، ويؤسس لاقتصاد منظم يمكن للدولة من بناء سياسات عمومية دقيقة وفعالة.

أمام حالة الارتباك الذي مس شريحة واسعة من المتعاملين الاقتصاديين والمواطنين، أصدر بنك الجزائر مذكرة جديدة يرخّص بموجبها بتموين الحسابات التجارية سواء عبر وسائل الدفع الكتابية أو عن طريق الدفع نقدًا، وذلك وفقاً لحجم الأعمال اليومي و/أو الأسبوعي.

غير أنه شدّد، في المقابل، على أن أي إصلاح نقدي لا يمكن أن ينجح إذا طُبق بمنطق إداري صرف، دون مرافقة اجتماعية واقتصادية حقيقية، خاصة لفائدة فئة التجار الصغار، والحرفيين، وأصحاب الأنشطة البسيطة، الذين يشكلون العمود الفقري للاقتصاد المحلي، ويعانون من هشاشة واضحة في الولوج إلى المنظومة البنكية والمحاسبية والجبائية.

وأضاف محدّث "الترا جزائر" أن الخطر الحقيقي لا يكمن في القرار ذاته، بل في كيفية تنزيله ميدانيًا محذرًا من أن غياب الحوافز الضريبية الانتقالية، والمنتجات البنكية المبسطة، ونظام فواتير مرن، قد يؤدي إلى دفع جزء من النشاط الاقتصادي نحو مزيد من الانغلاق بدل الإدماج.

وأشار البرلماني إلى أن الهدف ليس فقط بناء اقتصاد منظم، بل اقتصاد حيّ ومتوازن، لا يُقعد التجارة المحلية ولا يُثقل كاهل صغار المتعاملين.

وشدّد في ختام تصريحه على أن دوره كبرلماني لا يتمثل في معارضة الإصلاح، بل في تأطيره تشريعيًا، ومراقبة تطبيقه، وضمان أن يتحول هذا المسار إلى أداة للإدماج والتنمية، لا إلى سبب للإقصاء والانكماش، مؤكدًا أن الرهان الحقيقي هو تحويل هذا القرار من إجراء بنكي صرف إلى فرصة وطنية لإعادة بناء الثقة بين الدولة، والبنك، والتاجر، وهو ما يشكل جوهر الإصلاح الحقيقي.

تعلميةٌ جديدة

وأمام حالة الارتباك الذي مس شريحة واسعة من المتعاملين الاقتصاديين والمواطنين، أصدر بنك الجزائر مذكرة جديدة يرخّص بموجبها بتموين الحسابات التجارية سواء عبر وسائل الدفع الكتابية أو عن طريق الدفع نقدًا، وذلك وفقًا لحجم الأعمال اليومي و/أو الأسبوعي.

وأوضح بنك الجزائر، في مذكرته، أن هذا الإجراء يندرج في إطار الأحكام التشريعية والتنظيمية السارية المفعول، مع التأكيد على استمرار تطبيق تدابير اليقظة المتعلقة بالزبائن، بالاعتماد على النهج القائم على المخاطر، كما كان معمولاً به قبل صدور المذكرة رقم 02 م ع م ع /2025 المؤرخة في 22 ديسمبر كانون الأول 2025.

وأشار المصدر ذاته إلى أنه يُسمح بتموين الحسابات التجارية عبر وسائل الدفع الكتابية أو النقدية، شريطة أن يتم ذلك على أساس حجم النشاط اليومي و/أو الأسبوعي، وأن تكون العمليات متوافقة مع الملف الشخصي للزبون ومنسجمة مع المعطيات والمعلومات المتوفرة لدى البنك.

وأضاف بنك الجزائر أن هذه المذكرة الجديدة تلغي وتعوّض المذكرة رقم 02 م ع م ع /2025 المؤرخة في 22 ديسمبر 2025، في إطار تكييف الإجراءات التنظيمية مع متطلبات تسيير الحسابات التجارية

الخروج من القائمة الرمادية

وفي قراءة أكثر تفصيلاً للموضوع، أوضح الأستاذ سليمان ناصر، الخبير المالي والاقتصادي، أن التعليمة الصادرة بتاريخ 22 ديسمبر/كانون الأول 2025 تندرج في إطار تجسيد أحكام القانون المتعلق بمحاربة تبييض الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب، كما وردت ضمن تعليمة اللجنة المصرفية المؤرخة في 26 مايو/أيار 2025.

سليمان ناصر، الخبير المالي والاقتصادي: تعميم وسائل الدفع الإلكتروني يجب أن يتم وفق برنامج زمني واضح، يبدأ بقطاعات محددة مثل دفع فواتير الكهرباء والمياه والوقود، ثم يمتد تدريجيًا إلى المساحات التجارية الكبرى وباقي الأنشطة، بما يراعي مختلف المراحل ويضمن نجاح العملية

وأشار ناصر إلى أن الجزائر، وللأسف، ما تزال مدرجة ضمن القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي الدولية (GAFI)، معتبرًا أن "هذا التصنيف مسيّس ولا يعكس حقيقة الجهود الكبيرة التي تبذلها الجزائر في مجال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب".

اقرأ أيضًا: 100 إجراء في سنة 2025 لمنع تبييض الأموال.. هل تغادر الجزائر قائمة "غافي"؟

وفي تصريح لـ"التر جزائر"، أكد الخبير الاقتصادي أن الجزائر ملتزمة بكافة الاتفاقيات والمواثيق الدولية ذات الصلة بمكافحة جميع أشكال تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وتعمل على مواءمة تشريعاتها وإجراءاتها مع المعايير الدولية المعتمدة.

الاعتماد على التدرج هو المخرج

وبخصوص التعليمة التي تنص على منع تمويل الحسابات التجارية بالنقد والاكتفاء بوسائل الدفع الكتابية، أوضح ناصر أن القرار اتُّخذ بشكل مفاجئ ودون دراسة كافية أو اعتماد مبدأ التدرج في التطبيق، وهو ما أدى حسب المتحدث إلى إحداث ارتباك كبير في أوساط رجال الأعمال وشريحة واسعة من التجار والمتعاملين الاقتصاديين.

تدارك الخطأ

أما فيما يتعلق بالتعليمة الجديدة الصادرة في04 يناير/كانون الثاني 2026، فقد اعتبر الخبير الاقتصادي أنها جاءت لتدارك الأخطاء وتصحيح الاختلالات التي تضمنتها التعليمة السابقة، متسائلاً في الوقت ذاته عن جدوى تعليمة 22 ديسمبر/ كانون الأول 2025 في ظرف تسعى فيه الحكومة إلى استقطاب الكتلة النقدية المتداولة خارج القطاعين الرسمي والمصرفي، إذ يرى أن التعليمة القديمة قوّضت هذه الجهود بدل دعمها.

وأكد ناصر سليمان أن التعليمة السابقة لم يسبقها تحضير كافٍ، مشددًا على أن القضاء على السيولة المالية خارج القطاع المصرفي لا يمكن أن يتم بقرارات فجائية، بل يتطلب سياسة تدريجية ومدروسة.

وأوضح في هذا السياق أن تعميم وسائل الدفع الإلكتروني يجب أن يتم وفق برنامج زمني واضح، يبدأ بقطاعات محددة مثل دفع فواتير الكهرباء والمياه والوقود، ثم يمتد تدريجيًا إلى المساحات التجارية الكبرى وباقي الأنشطة، بما يراعي مختلف المراحل ويضمن نجاح العملية.

الاعفاء الضريبي الشامل

ووفي السياق ذاته، ذكّر الخبير بأن الجزائر سبق لها أن أقرت في سنة 2016 إجراء التصريح الضريبي الطوعي، الذي كان يهدف إلى استقطاب الأموال المتداولة خارج النظام المصرفي مقابل ضريبة رمزية قُدّرت بـ 7 بالمئة، غير أن هذه العملية حسب تقديره لم تحقق النتائج المرجوة لعدة أسباب، من بينها غياب الثقة في التعاملات المصرفية.

اقرأ أيضًا: 34 بالمائة من أموال الجزائريين خارج البنوك.. من يحكم اقتصاد الظل؟

وختم ناصر سليمان بالتأكيد على أن نجاح أي إصلاح مالي أو نقدي يظل مرهونًا بعصرنة القطاع المصرفي، والانتقال إلى نظام بنكي أكثر مرونة واحترافية، قادر على استعادة ثقة المتعاملين الاقتصاديين والمواطنين على حد سواء.

ووفقًا لتصريحات رسمية، تُقدَّر السيولة المالية المتداولة خارج القطاع المصرفي بنحو 60 مليار دولار. وكان من الأجدر اعتماد إجراءات تحفيزية تهدف إلى استقطاب هذه الأموال وامتصاصها داخل المنظومة المصرفية، بدلًا من الاكتفاء باتخاذ تدابير تقييدية.

                                                                                                                   

الكلمات المفتاحية

الجزائر الاستدانة

اقتراض الجزائر من البنك الإفريقي.. من عقدة التسعينات إلى خيار في 2026

منذ أزمة المديونية في سنوات التسعينات، تبنت الجزائر مقاربةً حذرةً، بل متشددةً أحيانًا، تجاه الاستدانة الخارجية، بعدما ارتبطت تلك المرحلة بتدخل صندوق النقد الدولي وفرضه برامج تكييف هيكلي وإملاءات صارمة مست جوانب حساسة من الاقتصاد الوطني، من تقليص النفقات وتسريح العمال إلى غلق مؤسسات عمومية، تلك التجربة تركت أثرًا عميقًا في الذاكرة الاقتصادية والسياسية للبلاد، وجعلت مبدأ الاقتراض الخارجي يقابل برفض…


الدعم الاجتماعي الجزائر

بعد إخفاقات متكررة.. هل تنجح الجزائر أخيرًا في إصلاح منظومة الدعم الاجتماعي؟

يشكّل إصلاح منظومة الدعم الاجتماعي في الجزائر أحد أبرز الملفات الاقتصادية والاجتماعية التي طال انتظار حسمها، بعد سنوات من المحاولات التي لم تحقق النتائج المرجوة. فرغم ما رُصد من موارد مالية ضخمة لضمان استقرار القدرة الشرائية وحماية الفئات الهشة، إلا أن آليات الدعم التقليدية أفرزت اختلالات كبيرة، أبرزها استفادة غير مستحقي الدعم، وتبديد الموارد، وتراجع فعالية السياسات الاجتماعية.


صندوق النقد الدولي الجزائر

زيارات بلا قروض.. ما الذي يبحث عنه صندوق النقد الدولي بالجزائر؟

حلّت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا بالجزائر يومي الأربعاء والخميس 4 و5 فيفري/ شباط، حيث التقت رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون وعددا من المسؤولين الحكوميين، ضمن برنامج زيارة رسمي يندرج ضمن نشاطات الصندوق الدورية مع الدول الأعضاء، وشهدت اللقاءات بحث ملفات اقتصادية متعددة، دون أن ترتبط بأي برامج تمويل أو طلبات اقتراض، في مؤشر واضح على طبيعة العلاقة القائمة على التقييم…


سوق خضر وفواكه.jpg

رمضان 2026 في الجزائر.. وفرة في السلع و"لهفة" تربك السوق كل عام

مع اقتراب شهر رمضان، تبدأ الحكاية نفسها كل عام،  قبل أسابيع من أول يوم صيام، تتغير ملامح المدن، لافتات التخفيضات ترتفع، الشاحنات تدخل الأسواق محملة باللحوم والدواجن، الخضر ترص بعناية أكبر، وتُفتح "الأسواق الجوارية" كوعود رسمية برمضان هادئ بلا ندرة ولا مضاربة

مالك بن اسماعيل
ثقافة وفنون

حوار| مالك بن اسماعيل : "العربي" فيلمٌ عن غياب هويةٍ صادقة أو مُصادرة صاغها آخرون

يُشَيِّدُ المخرج الجزائريّ مالك بن إسماعيل ( 1966) عبر مختلف أعماله المُقدّمة خلال مشواره، سينما مُغايرة تتقاطع فيها الذّاكرة والتّاريخ والسّياسة، حيث لا تكتفي بتسجيل الواقع، لكنّها أيضًا تسعى إلى مُساءلته وفهمه، من خلال حوارٍ دائمٍ بين الأرشيف والشّهادة والتّفكير النّقدي، كاشفةً عن المناطق المُعتمة في التّجربة السّينمائية الجزائرية المُعاصِرة.

وزير الصحة يلتقي نقابلة الصيادلة
أخبار

انشغالات الصيادلة الخواص على طاولة وزير الصحة

أكدّ  الوزير على مواصلة العمل التنسيقي لإثراء مسودة المرسوم التنفيذي المحدد لشروط وكيفيات ممارسة مهنة الصيدلي والصيدلي المساعد، باعتباره إطاراً قانونيا أساسيا لمواكبة تطورات الممارسة الحديثة وتعزيز أدوارهما داخل المنظومة الصحية.


حليب أطفال

حليب أطفال ملوّث… منظمة حمايتك تُطالب وزارة التجارة بالتحرك

قبل أيام حذّر رئيس منظمة "حمايتك" عيساوي محمد كافة المواطنين، خاصة أولياء الأطفال الرضّع، من تطورات أزمة صحية خطيرة لا تزال متواصلة في أوروبا تتعلق ببعض أنواع حليب الرضع المحتوية على مادة ARA (حمض الأراكيدونيك).

بريد الجزائر
أخبار

تحسبًا لرمضان.. فتح استثنائي لمكاتب بريد الجزائر هذا الجمعة

أوضحت المؤسسة في بيان أنّ "فتح مكاتب البريد يكون اليوم 13 فبراير/شباط بداية من الساعة الثامنة صباحًا إلى غاية الثانية عشرة ظهرًا.

الأكثر قراءة

1
ثقافة وفنون

يعرض في رمضان.. جعفر قاسم يكشف أول تفاصيل مسلسل "فاطمة"


2
اقتصاد

اقتراض الجزائر من البنك الإفريقي.. من عقدة التسعينات إلى خيار في 2026


3
سياسة

زيارة بلا شروط.. وزير الداخلية الفرنسي في الجزائر الاثنين المقبل


4
أخبار

"مراقبون لا أطراف".. الجزائر توضّح موقعها في مفاوضات مدريد بين المغرب والبوليساريو


5
رياضة

بعد تقديمه رسميًا.. بوقرة: هدفي قيادة لبنان نحو حلم كأس العالم 2030