ultracheck
مجتمع

بين الفرحة وضغط المصاريف.. كيف يعيش الجزائريون عيد الأضحى؟

26 مايو 2026
عيد الأضحى
فتيحة زماموش
فتيحة زماموش إعلامية وباحثة من الجزائر

في كل عام، يعود عيد الأضحى إلى بيوت الجزائريين محمّلاً بالمشهد ذاته؛ فرحة الأطفال، وحسابات الآباء، وثقل واقع اقتصادي يفرض نفسه بقوة على تفاصيل الحياة اليومية.

مع اقتراب المناسبة، يتحول العيد لدى كثير من العائلات إلى اختبار حقيقي للقدرة على التكيّف مع الغلاء وارتفاع الأسعار، وسط محاولات للحفاظ على معنى الأضحية 

ومع اقتراب المناسبة، يتحول العيد لدى كثير من العائلات إلى اختبار حقيقي للقدرة على التكيّف مع الغلاء وارتفاع الأسعار، وسط محاولات للحفاظ على معنى الأضحية رغم ضغط المصاريف، بل واللجوء أحياناً إلى الاستدانة من أجلها.

بالرغم من تدخل الدولة وتحديد أسعار الأضاحي المستوردة بين 49 ألف دينار و50 ألف دينار لضمان وفرتها قبل عيد الأضحى، لا تزال أسعار الأغنام في الأسواق لدى الموالين باهظة وبعيدة عن قدرة كثير من العائلات.

وقبل أيام فقط من الاحتفال بعيد الأضحى، يفكر الكثير من أرباب الأسر في قائمة المصاريف اليومية، بينما أطفالهم يتحدثون بحماس عن " كبش العيد" وكأنه وعد لا يمكن التراجع عنه.

لكن وسط غلاء الأسعار وضغط العائلات، تحولت الأضحية من شعيرة مرتبطة بالاستطاعة وفقا للجنة وزارة الشؤون الدينية للفتوى، إلى عبء يدفع بعض العائلات إلى الاستدانة.

عيد الأضحى.. فرحة مؤجلة

حيرة كبيرة لدى الآلاف من العائلات الجزائرية، بسبب اقتناء أضحية عيد الأضحى، فبالرغم من مجهودات الدولة لضمان وفرة الأضاحي وضبط الأسعار، لا تزال فئة واسعة من الجزائريين تستقبل عبد الأضحى بقلق متزايد.

وكشفت وزارة الفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري عن أرقام ضخمة تخص عملية استيراد المواشي الموجهة لعيد الأضحى، بلغ العدد الإجمالي لها مليون رأس غنم، كما أطلقت الهيئة الرسمية منصة رقمية خاصة بالحجز والبيع، مع تحديد السهر بـ"50 ألف دينار عند الدفع نقدا، و49 ألف دينار عبر الدفع الإلكتروني.

غير أن هذه الأرقام وما تحمله من مؤشرات على وفرة العرض والتحكم في الأسعار، لم تنه الجدل المتعلق بالقدرة الشرائية للمواطن

غير أن هذه الأرقام وما تحمله من مؤشرات على وفرة العرض والتحكم في الأسعار، لم تنه الجدل المتعلق بالقدرة الشرائية للمواطن، فبالنسبة لكثير من الأسر المحدودة ومتوسطة الدخل، يبقى هذا المبلغ عبئا ماليا ثقيلا، خاصة في ظل تراكم المصاريف اليومية وارتفاع تكاليف المعيشة في مقابل الرغبة في الحفاظ على " فرحة العيد".

وفرة الأضاحي

تسعى السلطات في عيد الأضحى 2026 إلى ضمان وفرة الأضاحي عبر استيراد مئات الآلاف من رؤوس الأغنام، بالإضافة إلى اعتماد منصة رقمية لتنظيم عمليات البيع والحجز، غير أن وفرة العرض لا تغني بالضرورة قدرة المواطن على الشراء، خاصة مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع مختلف النفقات الأساسية، لكن ضعف القدرة الشرائية للمواطن لا ترتبط فقط بارتفاع الأسعار وحدود الدخل، بل الأمر أعمق بكثير، في علاقة بفوضى تنظيم الأسواق وتعدد الوسطاء، ويبرز بذلك ما يحدث داخل أسواق الماشية، التي تؤثر بدورها على الأسعار.

وفي سياق الحديث عن تنظيم أسواق الأضاحي ومحاولة الحد من ارتفاع الأسعار، يرى المنسق الوطني للمنظمة الوطنية لحماية المستهلك فادي تميم، أن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على حلول ظرفية موسمية، بل تتطلب إعادة تفكير شاملة في بنية أسواق الماشية.

وأكد على أنه "عندما نتحدث عن أسواق الرحمة المخصصة للأضاحي في مناسبة العيد، فإن الهدف يجب أن يكون جذب الموالين من المناطق الريفية نحو المدن الكبرى، بما يساهم في خفض الأسعار أو على الأقل تضييق الخناق على السماسرة".

كما شدد المنسق الوطني للمنظمة الوطنية لحماية المستهلك على ضرورة توفير فضاءات واسعة تستوعب المواشي وتوفر ظروف إقامة لائقة للموالين ومعاملاتهم التجارية.

القدرة الشرائية وضغط الواقع الاجتماعي

يطلّ الواقع الاقتصادي برأسه مع كل مناسبة أو موسم اجتماعي، ويجد المواطن نفسه أمام أسعار تفوق ميزانيته الشهرية، كما يحمل دائما الأسئلة نفسها حول القدرة الشرائية وحدود التكيف مع الغلاء.

وفي وسط هذا الضغط المتكرر على الأسر؛ تقع أمام اختيارات صعبة لا تخلو من القلق والتنازل في الآن نفسه، فكيف ذلك؟.

وفي وسط هذا الضغط المتكرر على الأسر؛ تقع أمام اختيارات صعبة لا تخلو من القلق والتنازل في الآن نفسه، فكيف ذلك؟.

مثلها مثل العديد من الأمهات، تؤكد فاطمة عريبي (موظفة بمؤسسة حكومية) لـ"الترا جزائر"، أنها غير قادرة على أداء هذه الشعيرة، لافتة إلى أنها لا ترغب في الاستدانة من أجل إرضاء رغبات أولادها أو رغبة في الظهور بصورة مقبولة أمام المجتمع.

ومن هذا المنطلق؛ أضافت أن لديها أربعة أبناء متمدرسين، وأن مصاريفهم الدراسية الخاصة بالدروس الخصوصية بالكاد يمكن تغطيتها، مما يجعل " خوف الدّيْن"، وعدم القدرة على سداده هاجسا يؤرقها.

غير أن هذا الواقع الاجتماعي الذي تعيشه فئات واسعة من المجتمع والضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تتزايد مع اقتراب العيد، يكشف الحاجة إلى قراءة أعمق لأبعاد هذه الظاهرة من خلال أسعار السوق والقدرة الشرائية، وأثر الضغط الاجتماعي والخيارات البديلة أمام العائلات.

ومن هنا تتحول الأضحية عشية المناسبة الدينية لدى البعض من شعيرة دينية مرتبطة بالاستطاعة إلى التزام اجتماعي يفرض نفسه بقوة العادات والتقاليد.

وعلى هذا الأساس؛ يقول محمد (56 سنة) لـ" الترا جزائر" إن الكثير من الآباء يرفضون أن تمر المناسبة دون أضحية، خوفا من شعور الأبناء بالحرمان أو من المقارنات الاجتماعية.

 تؤكد فاطمة عريبي (موظفة بمؤسسة حكومية) لـ"الترا جزائر"، أنها غير قادرة على أداء هذه الشعيرة، لافتة إلى أنها لا ترغب في الاستدانة من أجل إرضاء رغبات أولادها

وأوضح أنّ هذه المقارنات تفرضها البيئة المحيطة بالأولاد وحتى زخم النشر المتواصل في منصات ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث تتحول صور الأضاحي والاحتفالات إلى مقياس غير مباشر للوضع المادي والمكانة الاجتماعية.

الاستدانة .. حل مؤجل

بين الأسعار والاحتياجات اليومية، تقول الباحثة في علم الاجتماع فريدة عرامة من جامعة قسنطينة (شرق) إن ذلك يمثل جزء من الضغوطات الملقاة على كاهل أرباب العائلات، وأمامها تلجأ عدد منها إلى الاستدانة من أجل اقتناء الأضحية، لكن ترى أن هذا الحل المؤقت يتحول إلى عبء طويل الأمد، حيث تمتد آثار الديون إلى ما بعد العيد.

وأشارت في تصريح لـ"الترا جزائر" أن توقف أداء الشعيرة كاملة إلى غاية تسديده، وهو ما يُعيد إنتاج الأزمة بدل حلها.

وأكدت على أن الاستدانة لاقتناء أضحية العيد في كثير من الحالات هي "قرار اقتصادي ظرفي"، لكنه سينتقل مباشرة من حلّ إلى أزمة ضغط اجتماعي يومي إلى غاية سداده. وأضافت: "يمكن سداد الدين على مراحل وخلال شهور بعد العيد، ما يشكل أعباء إضافية مع غلاء المعيشة ومصاريف لا تنتهي"، معتبرة أنّ "هذا الدين يؤثر نفسيا على الشخص باعتباره التزام مالي نفسي يتسبب في الشعور بالقلق والضغط الداخلي بعد انتهاء العيد."

عرامة لـ"التراجزائر":العديد من الأسر تبدأ عملية تسديد الدين بعد أيام من الفرحة ولكنها تصطدم بالتزامات تثقل ميزانيتها الشهرية وتؤثر على استقرارها النفسي

وأشارت إلى أن العديد من الأسر تبدأ عملية تسديد الدين بعد أيام من الفرحة ولكنها تصطدم بالتزامات تثقل ميزانيتها الشهرية وتؤثر على استقرارها النفسي.

أمام هذا الواقع الذي يختلط فيه الاعتبارات الاجتماعية بالضغوط النفسية، التي تدفع الأسر إلى الاستدانة، يبرز التذكير الديني كعنصر ضابط، إذ أكدت  فتوى جامع الجزائر أن الاستطاعة هي الأساس في هذه الشعيرة، وأن الاقتراض لا يكون مبررا إلا في حدود قدرة رب الأسرة على السداد، وهو ما يعيد النقاش من دائرة الضغط الاجتماعي إلى دائرة الحكم الشرعي على التيسير ورفع الحرج.

مع مناسبة عيد الأضحى، تتجدد معادلة معقدة تجمع بين تنظيم السوق والأسعار وضغط المجتمع، في مقابل الحديث عن الاستدانة من أجل شراء الأضحية، بما يعكس بشكل لافت ذلك التداخل بين مستوى القدرة الشرائية وضغط الصورة الاجتماعية المثقلة بعبء الاقتراض.

الكلمات المفتاحية

نقل االنساء

تطبيقات النقل النّسائي في الجزائر.. كيف تكتسب المرأة أمان حرية النقل؟

انتشرت مؤخّرًا في المدن الجزائرية الكبرى تطبيقاتٌ عديدة للنقل المخصّص للنّساء لتأتي كبديلٍ يفرض نفسه في يوميات الجزائريين والجزائريات، بغية الموازنة بين الرّغبة في الانعتاق والأمان والاستقلالية، وبين إكراهات البيئة المحافظة.


العقار

بين زيادة العرض والمضاربة.. إلى أين تتجه أسعار العقار في الجزائر؟

وتعيد هذه التطورات طرح ملف السوق العقارية من زاوية مختلفة، خاصة مع دخول وحدات سكنية جديدة إلى حيز الاستغلال، في وقت لا تزال فيه أسعار البيع مرتفعة في عدد من المدن، رغم تراجع القدرة الشرائية للمواطنين،


المجلس العلمي للجالية

المجلس الأعلى للجالية العلمية.. هل تنجح الجزائر في استعادة الأدمغة المهاجرة؟

أعلنت الحكومة الجزائرية قبل أيام إنشاء المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج الهادف إلى الاستفادة من الأدمغة المهاجرة التي ما يزال انتفاع البلاد من خبراتها العلمية محدودا جدا، ولا يتناسب مع القدرات التي تملكها ومع حاجة الوطن إليها لتحقيق إقلاع مبني على أسس علمية في جميع المجالات.


قرية بني سنوس

"الترا جزائر" تزور قرية رياض محرز.. نجم "الخضر" كما يراه سكان لخميس بعيدًا عن الملاعب

بعد التتويج بكأس إفريقيا سنة 2019 بالقاهرة، جاء رياض إلى المقبرة حاملاً الكأس، ووقف عند قبر والده في مشهد مؤثر بقي راسخاً في ذاكرة سكان القرية والجزائريين قاطبة،

حرائق
أخبار

حرائق الجزائر.. 55 حريقاً و30 عملية إخماد متواصلة عبر عدة ولايات

وتتواصل عمليات إخماد الحرائق بعدد من الولايات، أبرزها بجاية، سطيف، سعيدة، سكيكدة، المدية، ميلة، تيزي وزو، تلمسان، قسنطينة، معسكر، تيسمسيلت، عين الدفلى، الشلف، سوق أهراس وإليزي.

نقل االنساء
مجتمع

تطبيقات النقل النّسائي في الجزائر.. كيف تكتسب المرأة أمان حرية النقل؟

انتشرت مؤخّرًا في المدن الجزائرية الكبرى تطبيقاتٌ عديدة للنقل المخصّص للنّساء لتأتي كبديلٍ يفرض نفسه في يوميات الجزائريين والجزائريات، بغية الموازنة بين الرّغبة في الانعتاق والأمان والاستقلالية، وبين إكراهات البيئة المحافظة.


الانجاب
أخبار

تراجع الإنجاب في الجزائر.. ماذا كشفت أرقام وزارة الصحة؟

تشهد الجزائر تحولات عميقة في تركيبتها السكانية، مع تسجيل انخفاض لافت في معدلات الإنجاب خلال العقود الأخيرة، حيث كشف مسؤول بوزارة الصحة أن متوسط عدد الأطفال لكل امرأة تراجع إلى نحو 2.5 طفل حالياً، مقابل مستويات أعلى بكثير في السنوات التي أعقبت الاستقلال، في وقت تراهن فيه السلطات على التركيبة السكانية الفتية كعامل لدعم التنمية.

لويزة حنون
أخبار

قضية لويزة حنون.. تنازل وزير التربية عن الدعوى والنيابة تلتمس تطبيق القانون

تعود وقائع الملف إلى تصريحات كانت قد أدلت بها الأمينة العامة لحزب العمال، اتهمت فيها وزير التربية بدعم مترشحين للانتخابات التشريعية

الأكثر قراءة

1
أخبار

الرئيس تبون يوجّه رسالة إلى المعارضة من ألمانيا.. ماذا قال؟


2
رياضة

بيتكوفيتش يسلّم تقريره للفاف.. ماذا قال عن "الخضر"؟


3
راصد

انقطاع الكهرباء في الجزائر يثير تفاعلاً واسعاً.. ماذا كتب رواد مواقع التواصل؟


4
أخبار

أكثر من 30 اتفاقية مرتقبة.. ماذا سيناقش الرئيس تبون في برلين؟


5
سياسة

بعد أشهر من التوتر.. السفير الفرنسي يكشف تفاصيل خطة إعادة العلاقات مع الجزائر