بين ضبط احتياطي النقد وضمان تموين الجزائريين.. الرابح والخاسر في إجراءات الاستيراد الأخيرة
24 ديسمبر 2025
تحوّل ملف الاستيراد في الجزائر إلى أحد أكثر الملفات الشائكة للحكومة والمواطن على حد سواء، فمن جهة، تسعى السلطات العمومية إلى تقليص فاتورة الواردات إلى أقصى حد ممكن وتعويضها بالمنتج المحلي حفاظًا على العملة الصعبة، ومن جهة أخرى، يجد المواطن نفسه في كل مرة أمام سيناريو متكرر، ندرة وغلاء فاحش.
هل ستتمكن إجراءات الحكومة فعلا من ضبط السوق ومنع التلاعبات وحماية العملة الصعبة، أم أنها ستتحول إلى عبء إضافي على المستوردين، ينعكس في النهاية على تموين السوق وأسعار المواد الأساسية؟
إذ ما إن يتوقف استيراد مادة معينة حتى تظهر الندرة في السوق وترتفع الأسعار، قبل أن تعود الحكومة لفتح باب استيرادها من جديد، كما حدث مؤخرًا مع عجلات السيارات، وبين هذين الخيارين، يبقى ضبط السوق هو التحدي الأكبر.
وفي هذا السياق، جاءت الإجراءات الأخيرة التي باشرتها وزارة التجارة الخارجية لتنظيم عمليات الاستيراد، والتي شملت جرد المخزونات، وإعداد البرامج التقديرية للاحتياجات الوطنية لفترة تمتد إلى ستة أشهر، إضافة إلى اشتراط الحصول على تراخيص من عدة هيئات قبل الاستفادة من التوطين البنكي، فضلًا عن انتظار فتح المنصة الرقمية الخاصة بالاستيراد، هذه التدابير وضعت المتعاملين الاقتصاديين أمام سباق مع الزمن، وحالة من التشتت وعدم اليقين، في ظل صعوبة الحصول على الرخص، التي لم يتمكن عدد معتبر منهم من نيلها إلى حد الآن.
ويأتي ذلك في وقت شرعت فيه السلطات في رقمنة جزئية للعملية، من خلال فتح المنصة الرقمية الخاصة باستيراد المواد الأولية قبل أسبوع، على أن يتم لاحقًا فتح المنصة المخصصة للاستيراد للبيع على الحالة، والتي من المرتقب إطلاقها قريبًا، حسب ما صرح به وزير التجارة الخارجية كمال رزيق.
غير أن الواقع الميداني يظهر استمرار العمل بالإجراءات التقليدية، حيث ما تزال ملفات الاستيراد تودع وتعالج يدويًا إلى غاية كتابة هذه الأسطر، وتزداد الصورة تعقيدًا في ظل غياب مؤشرات واضحة حول حجم الواردات المستقبلية، إذ لم يتضمن قانون المالية لسنة 2026 أرقاما دقيقة بشأن الاستيراد، مقابل تسجيل عجز في الميزان التجاري خلال السداسي الأول من سنة 2025، قُدّر بنحو 5.47 مليار دولار، وفق معطيات رسمية للديوان الوطني للاحصائيات، ما يعكس استمرار الضغط على التجارة الخارجية.
وأمام هذا المشهد المتداخل، يظل السؤال المطروح بإلحاح: هل ستتمكن إجراءات الحكومة فعلا من ضبط السوق ومنع التلاعبات وحماية العملة الصعبة، أم أنها ستتحول إلى عبء إضافي على المستوردين، ينعكس في النهاية على تموين السوق وأسعار المواد الأساسية؟
مزايا وسلبيات إجراءات الاستيراد الأخيرة
وفي تصريح لـ "الترا جزائر"، قال فادي تميم، رئيس المنظمة الجزائرية لحماية وإرشاد المستهلك ومحيطه، إن الإجراءات الأخيرة التي باشرتها السلطات العمومية لتنظيم عمليات الاستيراد لم تأتِ من فراغ، بل جاءت لمعالجة اختلالات عميقة عرفها السوق خلال السنوات الماضية، خاصة ما تعلق برخص الاستيراد على الحالة، وذلك رغم ما تسببت فيه هذه التدابير من تعطل نسبي للعملية وطول آجال المعالجة بالنسبة للمستوردين، وتأخر التموين في بعض المواد، مع تسجيل استقرار في الأسعار وعدم تسجيل أي ارتفاع يُذكر إلى حد الساعة.
وأوضح تميم أن الجزائر كانت، في فترات سابقة، تستورد كميات تفوق بكثير احتياجاتها الحقيقية، ليتم لاحقًا بيع أجزاء وكميات معتبرة من هذه السلع على الحالة، وهو ما أدى إلى انتشار ظاهرة تضخيم الفواتير والتحايل، واستنزاف العملة الصعبة، الأمر الذي فرض تشديد الرقابة وفرض تراخيص إضافية، إلى جانب العمل على التقدير الدقيق للاحتياجات الوطنية.
فادي تميم، رئيس المنظمة الجزائرية لحماية وإرشاد المستهلك: المتعامل الذي يستورد كميات كبيرة ويصرّح بأرقام ضعيفة لدى مصالح الضرائب يطرح العديد من علامات الاستفهام، ويستوجب تدقيقًا معمقًا
وأضاف أن هذه الممارسات لم تقتصر على السلع الجاهزة فقط، بل شملت حتى المواد الأولية التي يُفترض استيرادها لغرض التصنيع، حيث تم تحويل جزء منها للبيع على الحالة بدل إدماجها في العملية الإنتاجية، وهو ما تسبب في ارتباك واختلالات واضحة في السوق، مؤكّدًا أن وزارة التجارة الخارجية تعمل حاليًا على تحديد الحاجيات الفعلية وضبطها بشكل منظم.
وبخصوص منصة الاستيراد، أشار تميم إلى أنها لم تفتح إلى حد الآن، موضحًا أن الملفات تُعالج حاليًا عبر الاستقبال والاستلام اليدوي، غير أن الانتقال إلى العمل عبر المنصة الرقمية المرتقبة من شأنه تقليص الحواجز الإدارية وتسريع الإجراءات وضمان قدر أكبر من الشفافية.
وأكد رئيس المنظمة أن تنظيم عملية الاستيراد بهذه الطريقة يهدف أساسًا إلى الحفاظ على العملة الصعبة ووضع حد لممارسات التحايل التي لجأ إليها بعض المتعاملين الاقتصاديين، مشددًا على أن التحكم في هذا الملف ممكن جدا دون خلق عراقيل، شريطة وجود عمل مشترك ومنسق بين الجمارك، مصالح الضرائب، وزارة التجارة الخارجية ووزارة التجارة الداخلية.
ودعا تميم إلى إنشاء منصة رقمية موحدة تربط بين هذه الجهات الأربع، بما يسمح بالكشف الفوري عن أي تلاعب في التصريحات، سواء تعلق الأمر بالكميات أو بالقيم المصرح بها.
وأشار في هذا السياق إلى أن المتعامل الذي يستورد كميات كبيرة ويصرّح بأرقام ضعيفة لدى مصالح الضرائب يطرح العديد من علامات الاستفهام، ويستوجب تدقيقًا معمقًا.
استيراد كل ما هو غير منتج محليًا
من جهته أكد النائب عن حركة مجتمع السلم وعضو لجنة المالية والميزانية بالمجلس الشعبي الوطني، الطاهر بن علي، أن اللجوء إلى الضبط الإداري للواردات والعمل بنظام الرخص يندرج في إطار السعي إلى تسيير عقلاني لعمليات الاستيراد، بهدف الحفاظ على العملة الصعبة وحمايتها من الاستنزاف.
وأوضح بن علي في تصريح لـ "الترا جزائر" أن الحكومة، رغم النية الحسنة التي صاحبت هذه الإجراءات، مرت بعدة تخبطات في طريقة تنظيم عمليات الاستيراد، حيث اتسمت القرارات بعدم الاستقرار، ما خلف تغيرات واضحة وتذبذبًا في السوق، تجلى في وفرة بعض المنتجات في فترات، وندرتها في فترات أخرى، إلى جانب تذبذب الأسعار بين الاستقرار تارة والارتفاع تارة أخرى.
وأضاف أن هذه الوضعية تسببت فعليًا في اضطراب السوق، وكان من الأولى – حسبه – ضبط العملية منذ البداية عبر منصة رقمية واضحة، تعتمد إجراءات مرنة لفائدة المستوردين والمتعاملين الاقتصاديين، وتضمن قدرا أكبر من الشفافية في معالجة الملفات واتخاذ القرارات، بما يحفظ توازن السوق ويمنع الارتجال في التسيير.
النائب الطاهر بن علي: الحكومة مرت بعدة تخبطات في طريقة تنظيم عمليات الاستيراد، حيث اتسمت القرارات بعدم الاستقرار، ما خلف تغيرات واضحة وتذبذبًا في السوق، تجلى في وفرة بعض المنتجات في فترات، وندرتها في فترات أخرى، إلى جانب تذبذب الأسعار بين الاستقرار تارة والارتفاع تارة أخرى
وشدد عضو لجنة المالية والميزانية على أن الضبط الإداري للواردات يبقى أمرًا ضروريًا لضبط العملة الصعبة وحمايتها، غير أنه يجب ألا يتم بطريقة مخلة أو غير محكمة، معربًا عن أمله في الإسراع بإطلاق المنصة الرقمية في أقرب الآجال.
كما أشار بن علي إلى أن غياب الرؤية الواضحة وطول آجال المعالجة الإدارية لطلبات الاستيراد أثّرا سلبًا على نشاط العديد من المتعاملين الاقتصاديين، لا سيما صغار المستوردين، الذين وجدوا أنفسهم أمام حالة من عدم اليقين وعدم الاستقرار، ما انعكس مباشرةً على سلاسل التموين وتكاليف النشاط، وأربك التزاماتهم التجارية سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي.
واعتبر المتحدث أن أي سياسة عمومية ناجحة في مجال تنظيم الاستيراد يجب أن تقوم على الاستقرار وقابلية التنبؤ بالإجراءات، إلى جانب توحيد المرجعيات بين مختلف القطاعات المتدخلة، تفاديا للتناقض في القرارات وتفادي انعكاساتها السلبية على السوق والقدرة الشرائية للمواطن.
اقرأ أيضًا: كمال رزيق يبرر أسباب فرض إجراءات لضبط الاستيراد.. والنائب يعقوبي يهاجم سياساته
وفي السياق ذاته، شدد النائب على ضرورة إشراك الفاعلين الاقتصاديين والغرف المهنية في بلورة آليات تنظيم الاستيراد، بما يسمح بتكييف القرارات مع واقع السوق واحتياجاته الحقيقية، بدل الاكتفاء بالمقاربات الإدارية البحتة التي لا تراعي في كثير من الأحيان ديناميكية السوق.
ليضيف :" السوق تحكمه في النهاية معايير العرض والطلب والسعر والنوعية، وهي العوامل الضابطة لسلوك المستهلك والمواطن الجزائري، والتي ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند وضع أي سياسة متعلقة بتنظيم الاستيراد، لتحقيق التوازن بين حماية العملة الصعبة وضمان تموين منتظم ومستقر للسوق الوطنية".
الكلمات المفتاحية

اقتراض الجزائر من البنك الإفريقي.. من عقدة التسعينات إلى خيار في 2026
منذ أزمة المديونية في سنوات التسعينات، تبنت الجزائر مقاربةً حذرةً، بل متشددةً أحيانًا، تجاه الاستدانة الخارجية، بعدما ارتبطت تلك المرحلة بتدخل صندوق النقد الدولي وفرضه برامج تكييف هيكلي وإملاءات صارمة مست جوانب حساسة من الاقتصاد الوطني، من تقليص النفقات وتسريح العمال إلى غلق مؤسسات عمومية، تلك التجربة تركت أثرًا عميقًا في الذاكرة الاقتصادية والسياسية للبلاد، وجعلت مبدأ الاقتراض الخارجي يقابل برفض…

بعد إخفاقات متكررة.. هل تنجح الجزائر أخيرًا في إصلاح منظومة الدعم الاجتماعي؟
يشكّل إصلاح منظومة الدعم الاجتماعي في الجزائر أحد أبرز الملفات الاقتصادية والاجتماعية التي طال انتظار حسمها، بعد سنوات من المحاولات التي لم تحقق النتائج المرجوة. فرغم ما رُصد من موارد مالية ضخمة لضمان استقرار القدرة الشرائية وحماية الفئات الهشة، إلا أن آليات الدعم التقليدية أفرزت اختلالات كبيرة، أبرزها استفادة غير مستحقي الدعم، وتبديد الموارد، وتراجع فعالية السياسات الاجتماعية.

زيارات بلا قروض.. ما الذي يبحث عنه صندوق النقد الدولي بالجزائر؟
حلّت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا بالجزائر يومي الأربعاء والخميس 4 و5 فيفري/ شباط، حيث التقت رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون وعددا من المسؤولين الحكوميين، ضمن برنامج زيارة رسمي يندرج ضمن نشاطات الصندوق الدورية مع الدول الأعضاء، وشهدت اللقاءات بحث ملفات اقتصادية متعددة، دون أن ترتبط بأي برامج تمويل أو طلبات اقتراض، في مؤشر واضح على طبيعة العلاقة القائمة على التقييم…

رمضان 2026 في الجزائر.. وفرة في السلع و"لهفة" تربك السوق كل عام
مع اقتراب شهر رمضان، تبدأ الحكاية نفسها كل عام، قبل أسابيع من أول يوم صيام، تتغير ملامح المدن، لافتات التخفيضات ترتفع، الشاحنات تدخل الأسواق محملة باللحوم والدواجن، الخضر ترص بعناية أكبر، وتُفتح "الأسواق الجوارية" كوعود رسمية برمضان هادئ بلا ندرة ولا مضاربة

حوار| مالك بن اسماعيل : "العربي" فيلمٌ عن غياب هويةٍ صادقة أو مُصادرة صاغها آخرون
يُشَيِّدُ المخرج الجزائريّ مالك بن إسماعيل ( 1966) عبر مختلف أعماله المُقدّمة خلال مشواره، سينما مُغايرة تتقاطع فيها الذّاكرة والتّاريخ والسّياسة، حيث لا تكتفي بتسجيل الواقع، لكنّها أيضًا تسعى إلى مُساءلته وفهمه، من خلال حوارٍ دائمٍ بين الأرشيف والشّهادة والتّفكير النّقدي، كاشفةً عن المناطق المُعتمة في التّجربة السّينمائية الجزائرية المُعاصِرة.

انشغالات الصيادلة الخواص على طاولة وزير الصحة
أكدّ الوزير على مواصلة العمل التنسيقي لإثراء مسودة المرسوم التنفيذي المحدد لشروط وكيفيات ممارسة مهنة الصيدلي والصيدلي المساعد، باعتباره إطاراً قانونيا أساسيا لمواكبة تطورات الممارسة الحديثة وتعزيز أدوارهما داخل المنظومة الصحية.

تحسبًا لرمضان.. فتح استثنائي لمكاتب بريد الجزائر هذا الجمعة
أوضحت المؤسسة في بيان أنّ "فتح مكاتب البريد يكون اليوم 13 فبراير/شباط بداية من الساعة الثامنة صباحًا إلى غاية الثانية عشرة ظهرًا.

