حوار | جمال آيت بلقاسم أوساري: لم أنتقل من المعرفة إلى السياسة بل انتقلت من التأمل إلى محاولة التأثير
9 يونيو 2026
بين أروقة الجامعة وأسئلة البحث العلمي، وبين رهانات الفعل السياسي وتحديات التمثيل البرلماني، يختار الباحث والمترجم والأكاديمي جمال آيت بلقاسم أوساري، أستاذ بجامعة محمد الصديق بن يحيى بولاية جيجل، شرق الجزائر أن يخوض تجربة جديدة تتجاوز حدود التدريس والبحث نحو فضاء العمل السياسي المباشر. انتقال يثير أكثر من سؤال حول دوافع المثقف عندما يقرر مغادرة موقع المراقب والمحلل إلى موقع الفاعل وصانع القرار.
يكشف ضيف "الترا جزائر" عن أثر اشتغاله الطويل في الترجمة على تكوين وعيه السياسي والفكري، خاصة من خلال احتكاكه بأعمال ومؤلفات مفكرين وسياسيين من الحركة الوطنية، وما تركته من بصمات على فهمه للدولة والمجتمع وآليات الحكم
في هذا الحوار الذي خصّ به "الترا جزائر"، يتحدث جمال آيث بلقاسم أوساري عن خلفيات ترشحه للعمل البرلماني، وعن رؤيته للعلاقة المركبة بين المثقف والسياسي في السياق الجزائري، حيث تتقاطع المعرفة مع المسؤولية العمومية، ويتداخل الفكر مع ضرورات الممارسة السياسية.
كما يطرح تصوره للمشروع المحلي والوطني، انطلاقاً من تجربته الأكاديمية ومن انتمائه إلى منطقة حدودية جعلته أكثر قرباً من انشغالات المناطق الهامشية وقضايا التنمية غير المتوازنة.
ويتوقف الحوار عند رؤيته لمستقبل هذه المناطق التي ظلت لعقود على هامش السياسات التنموية، وإلى أي مدى يمكن أن تتحول إلى فضاءات فاعلة في إنتاج الثروة والتنمية.
كما يكشف ضيف "الترا جزائر" عن أثر اشتغاله الطويل في الترجمة على تكوين وعيه السياسي والفكري، خاصة من خلال احتكاكه بأعمال ومؤلفات مفكرين وسياسيين من الحركة الوطنية، وما تركته من بصمات على فهمه للدولة والمجتمع وآليات الحكم.
حوار يفتح نقاشاً أوسع حول دور النخب الأكاديمية في الحياة العامة، وحول قدرة المثقف على الانتقال من إنتاج الأفكار إلى المساهمة في صناعة السياسات، في مرحلة تتزايد فيها الحاجة إلى تجديد النخب وإعادة بناء جسور الثقة بين المعرفة والفعل السياسي.
عرفك الجمهور باحثًا ومترجمًا منشغلًا بقضايا الفكر والمعرفة، ما الذي دفع جمال بلقاسم إلى الانتقال من فضاء البحث الأكاديمي إلى معترك العمل السياسي؟ وهل ترى في السياسة امتدادًا طبيعيًا للفعل المعرفي أم مجالًا مختلفًا بمنطقه وأدواته؟
حين يُسأل الأكاديمي كيف انتقل إلى السياسة، يُفترض عادة أن يجيب باستعمال سردية كبرى: فكرة أيديولوجية، أو حدث وطني، أو مسار حزبي. لكنني أميل إلى تفسير الأمر من داخل السرديات الصغرى، من الجغرافيا الحميمة التي صنعت وعيي قبل أن أصنع اختياراتي.
أنا من بئر العاتر، من تخومٍ لا تعيش في مركز واحد. إلى الشمال، لست بعيدًا عن أرض أوغسطين وكابيلا ونونيوس وأبوليوس وأحمد التيفاشي والعربي التبسي؛ ذلك الإرث الذي جعل من شمال إفريقيا فضاءً للتفكير والجدل والكتابة الكونية. وإلى الجنوب، لست بعيدًا عن المجال الذي خرجت منه الدوناتية، تلك اللحظة التي عبّرت فيها الأطراف عن احتجاجها الديني والسياسي ضد المركز والإمبراطورية.
وإلى الشرق، تمتد القيروان وقورينا وقرطاج بما تمثله من عبورٍ للعلم والمتوسط والروح. أما إلى الغرب، فأنا محاط بالأوراس؛ الجبل الذي ظل عبر التاريخ ذاكرة مقاومة أكثر منه مجرد تضاريس.
لهذا لم أفهم السياسة باعتبارها صراعًا على السلطة فقط، بل باعتبارها محاولة لفهم هذا التعدد العميق الذي يسكننا: كيف يتجاور في هذه الأرض كل هذا التراث الإغريقي والروماني والإفريقي والعربي والصحراوي والمتوسطي، المركزي والهامشي، الروحي والاحتجاجي داخل فضاء جمهوري جزائري.
جمال بلقاسم: حين يُسأل الأكاديمي كيف انتقل إلى السياسة، يُفترض عادة أن يجيب باستعمال سردية كبرى: فكرة أيديولوجية، أو حدث وطني، أو مسار حزبي. لكنني أميل إلى تفسير الأمر من داخل السرديات الصغرى، من الجغرافيا الحميمة التي صنعت وعيي قبل أن أصنع اختياراتي
ربما لهذا أيضًا لم أشعر يومًا أنني “غادرت” الجامعة نحو السياسة. ما حدث هو أن أسئلة البحث نفسها دفعتني إلى المجال العمومي. فالأكاديمي يقرأ التاريخ، أما السياسي فيُجبر على العيش داخل نتائجه اليومية.
أنا لم أنتقل من المعرفة إلى السياسة، بل انتقلت من تأمل المجتمع إلى محاولة التأثير فيه.
انطلاقًا من تجربتك في الجامعة والبحث العلمي، هل تعتقد أن الحقل الأكاديمي ما يزال قادرًا على التأثير في الواقع الاجتماعي والسياسي بالقدر نفسه، أم أن المجال السياسي أصبح اليوم أكثر اتساعًا من حيث الفعل والتأثير وتحقيق التغيير؟
لا أعتقد أن الجامعة فقدت قدرتها على التأثير، لكنني أعتقد أن طبيعة هذا التأثير تغيّرت جذريًا. في السابق كانت الجامعة تنتج سرديات كبرى وترى نفسها قادرة على قيادة المجتمع بصورة مباشرة، أما اليوم فنحن نعيش في عالم أكثر تشظيًا وتعقيدًا، حيث أصبح التأثير موزعًا بين الإعلام والثقافة والفضاء الرقمي والهويات والحركات الاجتماعية.
يمكنني أن ألفت انتباهك بمثال حي من خلال أحد الأعمال في الفلسفة السياسية الذي قمت بترجمته مؤخرا: «المشروع السياسي للتأويل». ما شدّني في الكتاب لجياني فاتيمو وسانتياغو زبالا أن الفلسفة (كاستعارة عن الجامعة) لم تعد تملك سلطة الحقيقة النهائية، لكنها ما تزال تملك وظيفة أساسية: مقاومة الاختزال وكشف ما يتم إخفاؤه داخل أنظمة الهيمنة.
أستطيع دعمك بأمثلة أخرى حيث أجد نفسي قريبًا أيضًا من أعمال جامعيين مشهورين على نطاق واسع كسلافوي جيجك وشانتال موف وإرنستو لاكلو، الذين أعادوا التفكير في السياسة لا باعتبارها إدارة تقنية للمجتمع، بل باعتبارها صراعًا حول المعنى والتمثيل والهيمنة الرمزية.
كما أن قراءتي لهومي بهابها وغاياتري سبيفاك والدراسات الثقافية عمومًا كلها شؤون جامعية جعلتني أكثر وعيًا بأن الهامش ليس مجرد موقع جغرافي، بل موقع معرفي أيضًا؛ وأن كثيرًا من الفاعلين الذين لا يُسمع صوتهم في السياسة التقليدية يملكون مع ذلك قدرة حقيقية على إعادة تشكيل المجال العمومي.
جورجيو أغامبن بدوره ينبهنا إلى أن السلطة الحديثة لم تعد تُمارس فقط عبر المؤسسات، بل أيضًا عبر التحكم في الحياة نفسها، في الاستثناء والخوف وإدارة الهشاشة.
لذلك لا أرى تعارضًا بين الحقل الأكاديمي والمجال السياسي. الجامعة بالنسبة لي ليست أقل تأثيرًا من السياسة، لكنها تؤثر بطريقة أبطأ وأعمق. السياسي قد يغيّر قانونًا أو مؤسسة، أما الفكر فيمكنه أن يغيّر الطريقة التي يرى بها المجتمع نفسه.
وربما لهذا لم أتعامل مع السياسة كخروج من الجامعة، بل كامتداد لأسئلة كنت أبحث عنها أكاديميًا: من يملك حق الكلام؟ كيف تُصنع الهيمنة؟ كيف يتحول الهامش إلى فاعل؟ وكيف يمكن بناء فضاء عمومي أكثر تعددًا وعدالة؟
ترشحت ضمن قوائم حزب التجمع الوطني الديمقراطي في ولاية بئر العاتر" أقصى شرق الجزائر"، كيف تُعرّف طبيعة المشروع الذي تحمله؟ هل هو مشروع تنموي محلي مرتبط بانشغالات المنطقة، أم مشروع وطني يستند إلى رؤية فكرية ومجتمعية أوسع؟
لا أرى تعارضًا بين المشروع المحلي والمشروع الوطني، لأن أي مشروع محلي عادل لا يمكن أن يعيش معزولًا عن رؤية وطنية شاملة. لا يمكن أن نتحدث عن عدالة في التشغيل أو الصحة أو التعليم أو جودة الحياة داخل منطقة معينة، بينما تبقى مناطق أخرى متقهقرة تنمويًا أو مهمشة ثقافيًا أو منقوصة من شروط الوعي الفعال والمشاركة الحقيقية.
جمال بلقاسم: لا أرى تعارضًا بين الحقل الأكاديمي والمجال السياسي. الجامعة بالنسبة لي ليست أقل تأثيرًا من السياسة، لكنها تؤثر بطريقة أبطأ وأعمق. السياسي قد يغيّر قانونًا أو مؤسسة، أما الفكر فيمكنه أن يغيّر الطريقة التي يرى بها المجتمع نفسه
لهذا أعتقد أن المشروع السياسي الجاد يجب أن ينطلق من فكرة العدالة الحضارية بين كل المحليات، لا فقط من منطق توزيع الخدمات. فالدولة لا تُقاس فقط بما تبنيه من طرقات ومرافق، بل أيضًا بقدرتها على إنتاج توازن وطني في الكرامة والفرص والمعرفة والإحساس بالانتماء.
حين أترشح من بئر العاتر، فأنا لا أطرح ملفًا محليًا ضيقًا، بل أطرح سؤالًا وطنيًا انطلاقًا من المحلية نفسها: كيف يمكن أن تتحول المناطق الحدودية والهامشية من فضاءات انتظار إلى فضاءات فعل وإنتاج ومعنى.
أنا مؤمن أن قوة الوطن لا تُبنى من مركز قوي وأطراف ضعيفة، بل من محليات متوازنة تشعر كلها بأنها شريكة في الزمن الوطني نفسه. لأن أخطر أشكال التفاوت ليست فقط الفوارق الاقتصادية، بل الفوارق في الأمل وفي الإحساس بأن المستقبل متاح للجميع.
لهذا فإن مشروعي، وإن انطلق من انشغالات الناس اليومية في بئر العاتر، فإنه يستند في العمق إلى رؤية وطنية أوسع: بناء عدالة تنموية وثقافية وحضارية تجعل كل جزائري، أينما كان، يشعر أنه يعيش داخل وطن واحد لا داخل جغرافيات متفاوتة في القيمة والفرص.
تُعدّ البنى التقليدية، كالعرش والقبيلة، من الفواعل المؤثرة في المشهد الانتخابي المحلي، وقد سبق لك أن تناولت هذه الظاهرة بالنقد والتحليل. كيف تنظر اليوم إلى دورها؟ وهل المطلوب تجاوز هذه الأطر التقليدية أم إعادة توظيف إيجابياتها ضمن ممارسة سياسية حديثة ومؤسساتية؟
أنا أنظر إلى القبيلة والعرش بوصفهما جزءًا من تاريخنا الاجتماعي والثقافي، لا بوصفهما مشروعًا سياسيًا بديلًا عن الدولة الحديثة. أنا في العمق صاحب تصور جمهوري، أؤمن بأن الدولة الحديثة يجب أن تُبنى على المواطنة والقانون والمؤسسات والفضاء العمومي المشترك، لا على الانتماءات الأولية الضيقة.
لكن في الوقت نفسه، لا أتعامل مع البنى التقليدية بعقلية الإلغاء أو الاحتقار. فالقبيلة، تاريخيًا، لعبت أدوارًا مهمة في التضامن الاجتماعي وحماية المجال وتنظيم العلاقات وإنتاج أشكال من التماسك الأهلي، منذ العصور النوميدية إلى مراحل متأخرة من تاريخنا الوطني. وهي بهذا المعنى جزء من تراثنا الوطني، بل ومن التراث الإنساني أيضًا.
المشكلة ليست في وجود هذه البنى، بل في طبيعة الدور الذي تؤديه اليوم. حين تتحول إلى إطار ثقافي واجتماعي للتضامن والتكافل وحفظ الذاكرة الجماعية، فهي تؤدي وظيفة إيجابية. أما حين تتحول إلى بديل عن الكفاءة أو القانون أو المؤسسات، فإنها تُدخل المجتمع في منطق الغلق وإعادة إنتاج العصبيات التقليدية.
لهذا أعتقد أننا بحاجة إلى ما يمكن تسميته بعلم اجتماع ما بعد قبلي؛ أي الانتقال من مجتمع العصبية بالمعنى الخلدوني إلى مجتمع العقد والشراكة والمواطنة. نحن بحاجة إلى عصبيات جديدة بالمعنى الإيجابي: عصبية القانون، وعصبية المصلحة العامة، وعصبية المؤسسة، وعصبية الفضاء العمومي الذي يلتقي فيه المواطنون بوصفهم شركاء في الوطن لا مجرد امتدادات لانتماءات أولية.
جمال بلقاسم: أنا أنظر إلى القبيلة والعرش بوصفهما جزءًا من تاريخنا الاجتماعي والثقافي، لا بوصفهما مشروعًا سياسيًا بديلًا عن الدولة الحديثة. أنا في العمق صاحب تصور جمهوري، أؤمن بأن الدولة الحديثة يجب أن تُبنى على المواطنة والقانون والمؤسسات والفضاء العمومي المشترك، لا على الانتماءات الأولية الضيقة
التحدي الحقيقي ليس القضاء على الذاكرة الاجتماعية، بل بناء دولة تجعل الانتماء الوطني أوسع وأكثر عدالة من كل الانتماءات الجزئية. وعندما يشعر المواطن أن القانون يحميه وأن المؤسسة تنصفه، تتحول البنى التقليدية تلقائيًا من أدوات تنافس سياسي إلى مكونات ثقافية داخل مجتمع حديث.
لطالما اتسمت العلاقة بين المثقف والسياسي بالتوتر أحيانًا وبالتكامل أحيانًا أخرى. من واقع تجربتك الفكرية والسياسية، كيف تقرأ هذه العلاقة؟ وهل يمكن للمثقف أن يظل مستقلًا وهو يمارس الفعل السياسي؟
أعتقد أن العلاقة بين المثقف والسياسي ليست علاقة تناقض بالضرورة، بل هي علاقة توتر خلاق. فكل مشروع فكري حقيقي يحمل في داخله سؤالًا سياسيًا، حتى وإن لم يشتغل مباشرة داخل الأحزاب أو المؤسسات. الفكرة نفسها، عندما تتعلق بالمجتمع والعدالة والهوية والمعنى، تصبح في النهاية معنية بكيفية تنظيم العيش المشترك.
أتذكر هنا عبارة لابن حزم الأندلسي حين أنجز مشروعه الفكري ثم قال إنه بحاجة إلى السلطان كي يتجسد. وهي عبارة عميقة، لأنها تكشف أن الفكر وحده لا يكفي إذا ظل معلقًا في التجريد، كما أن السياسة وحدها تصبح عمياء إذا انفصلت عن المعرفة والرؤية.
وفي تاريخ الجزائر أمثلة جميلة على هذا التكامل بين المثقف والسياسي. أذكر ما يُروى عن سعد دحلب حين طلب من مولود قاسم نايت بلقاسم أن يجلب الوثائق والأدلة التاريخية التي تثبت ارتباط الصحراء بالجزائر لاستعمالها في مفاوضات إيفيان، قائلا له: “جيبهوملي وخلي الباقي على خوك”. هذه العبارة البسيطة تختصر في نظري العلاقة المثالية بين المثقف والسياسي: المثقف ينتج المعرفة والحجة والرؤية، والسياسي يحولها إلى فعل وقرار ومصلحة وطنية.
أما فيما يخص استقلال المثقف، فأنا لا أؤمن بفكرة الحياد المطلق. أنتمي أكثر إلى المقاربات الموقعية التي ترى أن المعرفة نفسها شكل من أشكال التدخل النظري والثقافي في العالم. كل مثقف ينطلق من موقع تاريخي واجتماعي وثقافي معين، حتى عندما يعتقد أنه محايد بالكامل.
لكن غياب الحياد لا يعني غياب الاستقلال. الاستقلال الحقيقي بالنسبة لي هو أن يحتفظ المثقف بقدرته على النقد والمراجعة وألا يتحول إلى مجرد موظف أيديولوجي. يمكن للمثقف أن يمارس السياسة، لكن بشرط ألا يفقد حساسيته النقدية وألا يتخلى عن مسؤوليته تجاه الحقيقة والمجتمع.
جمال بلقاسم: فيما يخص استقلال المثقف، فأنا لا أؤمن بفكرة الحياد المطلق. أنتمي أكثر إلى المقاربات الموقعية التي ترى أن المعرفة نفسها شكل من أشكال التدخل النظري والثقافي في العالم. كل مثقف ينطلق من موقع تاريخي واجتماعي وثقافي معين، حتى عندما يعتقد أنه محايد بالكامل
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يفقد السياسي علاقته بالفكر، أو أن يفقد المثقف علاقته بالواقع.
يرى بعض المتابعين أن ترشيحك ضمن قوائم حزب التجمع الوطني الديمقراطي يعكس سعي الحزب إلى استثمار الرأسمال الرمزي والمعرفي لاستقطاب النخب الجامعية والشباب المثقف. إلى أي مدى تتفق مع هذا الطرح؟ وما القيمة التي يمكن أن يضيفها حضور الكفاءات الأكاديمية داخل المؤسسات المنتخبة؟
أعتقد أن حضور الكفاءات الأكاديمية داخل العمل السياسي لم يعد ترفًا، بل أصبح ضرورة تفرضها تعقيدات المرحلة. المجتمعات اليوم لا تُدار فقط بمنطق التعبئة التقليدية، وإنما أيضًا بمنطق المعرفة والقدرة على فهم التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية العميقة.
ومن هذا المنطلق، أرى أن ما يقوم به حزب التجمع الوطني الديمقراطي، بقيادة الأمين العام السيد منذر بودن وأعضاء المكتب الوطني، يعكس إرادة صادقة لبناء جيل سياسي جديد يسعى إلى تطوير الممارسة الحزبية وفتح أفق نضالي أكثر ارتباطًا بالفكر والمعرفة والتكوين.
ما شدّني شخصيًا هو أن الحزب لا يكتفي بالفعل الانتخابي المباشر، بل يحاول أن يمنح أهمية للعمل الفكري والدراسات وصناعة التصورات. وفتح مركز للدراسات داخل الحزب يُعد، على الأقل بالنسبة إلى جيلي، خطوة لافتة ومهمة، لأنه يعكس وعيًا بأن السياسة الحديثة لا يمكن أن تستمر فقط بمنطق الشعارات، بل تحتاج أيضًا إلى إنتاج معرفة ورؤية واستشراف.
جمال بلقاسم: أعتقد أن حضور الكفاءات الأكاديمية داخل العمل السياسي لم يعد ترفًا، بل أصبح ضرورة تفرضها تعقيدات المرحلة. المجتمعات اليوم لا تُدار فقط بمنطق التعبئة التقليدية، وإنما أيضًا بمنطق المعرفة والقدرة على فهم التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية العميقة
أنا لا أنظر إلى المسألة باعتبارها مجرد استثمار لـ”الرأسمال الرمزي” للنخب الجامعية، بل أراها محاولة لبناء علاقة أكثر توازنًا بين المعرفة والمؤسسة السياسية. فالمثقف يحتاج إلى فضاء مؤسساتي يسمح بتحويل الأفكار إلى سياسات عمومية، كما أن الحزب يحتاج إلى كفاءات قادرة على التفكير في التحولات الكبرى التي يعيشها المجتمع.
أما القيمة التي يمكن أن تضيفها الكفاءات الأكاديمية داخل المؤسسات المنتخبة، فهي في رأيي تتعلق أساسًا بإدخال ثقافة التحليل والتخطيط والتقييم والنقاش العمومي العقلاني. لأن التحديات التي تواجه الدولة اليوم لم تعد بسيطة أو آنية فقط، بل أصبحت مرتبطة بأسئلة التنمية والتحول الثقافي والعدالة المجالية والرقمنة والهوية والاقتصاد المعرفي.
السياسة تحتاج إلى القرب من الناس، لكنها تحتاج أيضًا إلى أدوات فهم عميقة. وعندما يلتقي الحس الميداني بالمعرفة، يصبح الفعل العمومي أكثر قدرة على إنتاج حلول حقيقية ومستدامة.
غالبًا ما تُختزل المناطق الحدودية في صور نمطية مرتبطة بالتهريب والاقتصاد الموازي. بحكم انتمائك إلى بئر العاتر ومعايشتك لواقعها، كيف تصف حقيقة المشهد الاجتماعي والثقافي للشباب هناك؟ وما أبرز الطاقات والفرص التي تغيب عن هذه الصورة السائدة؟
للأسف، كثيرًا ما تُختزل المناطق الحدودية في المخيال العام داخل صور نمطية مرتبطة فقط بالتهريب أو الاقتصاد الموازي، بينما الواقع أكثر تعقيدًا وغنى بكثير. المناطق الحدودية ليست مجرد أطراف جغرافية، بل هي فضاءات عبور تاريخي وثقافي وتجاري وحضاري.
أنا أعتقد أن الوقت قد حان لكي نتعامل مع هذه المناطق من خلال مقاربة معرفية جديدة، شبيهة بما يُعرف عالميًا بـ “الدراسات الحدودية” (Borderland Studies). نحن بحاجة إلى مراكز بحث وأقسام جامعية ودراسات سوسيولوجية واقتصادية وهندسية واستراتيجية تهتم بالحدود لا باعتبارها هامشًا، بل باعتبارها مجالًا منتجًا للمعرفة وفرصة للتنمية الوطنية.
بئر العاتر والمجالات الحدودية عمومًا ليست مناطق خارج التاريخ، بل على العكس، هي قريبة من مراكز حضارية كبيرة ومن شبكات قديمة للتجارة والتنقل والثقافة. هذه الجغرافيا عرفت مرور طرق اقتصادية عالمية، وكانت قريبة من حواضر للفقه المالكي والفلسفة والمناظرات الفكرية والتبادل المتوسطي والإفريقي. ولذلك فإن قراءة الأرض الحدودية يجب ألا تكون قراءة أمنية فقط، بل قراءة تاريخية وحضارية أيضًا.
جمال بلقاسم: كثيرًا ما تُختزل المناطق الحدودية في المخيال العام داخل صور نمطية مرتبطة فقط بالتهريب أو الاقتصاد الموازي، بينما الواقع أكثر تعقيدًا وغنى بكثير. المناطق الحدودية ليست مجرد أطراف جغرافية، بل هي فضاءات عبور تاريخي وثقافي وتجاري وحضاري
وأنا أؤمن أن شباب هذه المناطق يحتاجون إلى إعادة اكتشاف معنى المكان الذي يعيشون فيه. حين يدرك الشاب أن أرضه ليست مجرد فضاء معزول أو منسي، بل عقدة حضارية داخل التاريخ الوطني والإفريقي والمتوسطي، فإن نظرته إلى المستقبل تتغير. التنمية تبدأ أحيانًا من إعادة تأويل المكان ومن تحريره من الصور السلبية واليأس.
لدينا في هذه المناطق طاقات بشرية كبيرة، وروح مقاومة وتكيّف، وخبرة في الحركة والتجارة والانفتاح على المجالات المختلفة. وإذا تم توجيه هذه الإمكانات داخل رؤية وطنية واضحة، يمكن للمناطق الحدودية أن تتحول من فضاءات انتظار إلى فضاءات ديناميكية تساهم في الزخم الوطني الاقتصادي والثقافي والاستراتيجي.
المشكل ليس في الحدود نفسها، بل في الطريقة التي ننظر بها إليها. فحين تُفهم الحدود كجسر لا كعبء فقط، تتحول إلى مصدر قوة للدولة والمجتمع.
بصفتك مترجمًا وباحثًا اشتغلت على نقل أفكار وتجارب متعددة بين اللغات والثقافات، هل كانت هناك أعمال أو سير أو كتابات لرجال دولة ومفكرين سياسيين تركت أثرًا خاصًا في مسارك الفكري وأسهمت في تشكيل تصورك للعمل العام؟
بحكم اشتغالي بالترجمة والبحث، احتككت فعلًا بتجارب فكرية وسياسية متعددة، وقرأت أعمالًا كثيرة لرجال دولة ومفكرين من ثقافات مختلفة. لكن مع الوقت أصبحت أكثر اقتناعًا بأننا في الجزائر نملك نحن أيضًا تراثًا إنسانيًا وفكريًا وسياسيًا بالغ الثراء، ربما لم نشتغل عليه بما يكفي.
الحركة الوطنية الجزائرية، على اختلاف تياراتها، تركت لنا شخصيات كبيرة فكريًا وإنسانيًا، كتبت بالعربية والفرنسية والأمازيغية واحتكت بعوالم متعددة، لكنها ظلت مرتبطة بسؤال الوطن والتحرر وبناء الإنسان. ولذلك فأنا لا أرى نفسي فقط في المراجع القادمة من الخارج، بل أرى نفسي أكثر في أبناء هذه الأرض وفي التجارب التي صنعتها الجزائر عبر تاريخها الحديث.
ما يثير إعجابي في كثير من شخصيات الحركة الوطنية ليس فقط بعدها السياسي، بل قدرتها على الجمع بين الثقافة والفعل، بين الحس الوطني والانفتاح الكوني، وبين التفكير في الهوية والتفكير في المستقبل. كانوا يدركون أن بناء الدولة ليس مجرد مسألة إدارية، بل مشروع حضاري وأخلاقي أيضًا.
والترجمة بالنسبة لي لم تكن مجرد نقل بين لغتين، بل كانت أيضًا وسيلة لفهم كيف تنظر الشعوب إلى نفسها وكيف تبني سردياتها الوطنية. وربما لهذا كلما قرأت تجارب الآخرين، عدت أكثر إلى قراءة التجربة الجزائرية بعين جديدة، واكتشفت أن فوق هذه الأرض تراكمًا هائلًا من الأفكار والتضحيات والأسئلة الكبرى التي ما تزال قادرة على إلهامنا.
أنا معجب بما تركه التاريخ فوق هذه الأرض، وأعتقد أن جزءًا من مسؤولية جيلي هو إعادة قراءة هذا التراث لا بوصفه ذاكرة مغلقة، بل بوصفه إمكانية للمستقبل.
الكلمات المفتاحية
بعد أشهر من التوتر.. السفير الفرنسي يكشف تفاصيل خطة إعادة العلاقات مع الجزائر
باريس والجزائر اتفقتا على إعادة السفارات والقنصليات إلى كامل طاقتها البشرية، بما يسمح بتحسين الخدمات القنصلية وتعزيز مختلف مجالات التعاون خلال المرحلة المقبلة
حوار |فلورانس بوجي: مأساة لويزات ايغيل حريز فتحت عيني على فضائع الاستعمار المنسية
في هذا الحوار الخاص، تتحدث فلورانس بوجي عن بدايات اهتمامها بملف الذاكرة بعد لقائها بالمجاهدة لويزيت إغيل أحريز، وتستعيد كواليس تحقيقاتها التي نُشرت في صحيفة لوموند، كما تتطرق إلى شهادات كبار الضباط الفرنسيين، وعلى رأسهم الجنرال بول أوساريس، وقضيتها القضائية مع جان ماري لوبان، ورؤيتها لمستقبل العلاقات الجزائرية الفرنسية، فضلاً عن مشروعها الأدبي المقبل.
حوار | زهير رويس: العزوف سببه أزمة ثقة.. والجزائر بحاجة إلى إعادة فتح المجال السياسي
بعد أيام قليلة من إعلان النتائج الأولية للانتخابات التشريعية، وبين خطاب رسمي يتحدث عن "استحقاق وانجاز ديمقراطي" وواقع انتخابي تُرجم في نسبة مشاركة لم تتجاوز 20.24 بالمائة داخل الوطن و1.075 في الخارج، يَطرح المشهد السياسي الجزائري أكثر من سؤال حول معنى التمثيل وحدود الشرعية. وفي هذا السياق، يقدم زهير رويس، القيادي في حزب "جيل جديد" في حوار لـ"الترا جزائر"، قراءة في…
أحمد محساس.. قصة مناضل من صناع الثورة اختار المعارضة بعد الاستقلال
ومن بين هذه الأسماء يبرز المجاهد والمناضل أحمد محساس، الذي طالته موجة من التهميش والنسيان، رغم كونه أحد كوادر الحركة الوطنية ومن الفاعلين في اندلاع الثورة التحريرية. فقد تشبّع بالفكر الاستقلالي منذ نعومة أظافره، وكان شاهدًا على محطات تاريخية حاسمة، سواء في مرحلة ما قبل الاستقلال أو بعدها.
حرائق الجزائر.. 55 حريقاً و30 عملية إخماد متواصلة عبر عدة ولايات
وتتواصل عمليات إخماد الحرائق بعدد من الولايات، أبرزها بجاية، سطيف، سعيدة، سكيكدة، المدية، ميلة، تيزي وزو، تلمسان، قسنطينة، معسكر، تيسمسيلت، عين الدفلى، الشلف، سوق أهراس وإليزي.
تطبيقات النقل النّسائي في الجزائر.. كيف تكتسب المرأة أمان حرية النقل؟
انتشرت مؤخّرًا في المدن الجزائرية الكبرى تطبيقاتٌ عديدة للنقل المخصّص للنّساء لتأتي كبديلٍ يفرض نفسه في يوميات الجزائريين والجزائريات، بغية الموازنة بين الرّغبة في الانعتاق والأمان والاستقلالية، وبين إكراهات البيئة المحافظة.
تراجع الإنجاب في الجزائر.. ماذا كشفت أرقام وزارة الصحة؟
تشهد الجزائر تحولات عميقة في تركيبتها السكانية، مع تسجيل انخفاض لافت في معدلات الإنجاب خلال العقود الأخيرة، حيث كشف مسؤول بوزارة الصحة أن متوسط عدد الأطفال لكل امرأة تراجع إلى نحو 2.5 طفل حالياً، مقابل مستويات أعلى بكثير في السنوات التي أعقبت الاستقلال، في وقت تراهن فيه السلطات على التركيبة السكانية الفتية كعامل لدعم التنمية.
قضية لويزة حنون.. تنازل وزير التربية عن الدعوى والنيابة تلتمس تطبيق القانون
تعود وقائع الملف إلى تصريحات كانت قد أدلت بها الأمينة العامة لحزب العمال، اتهمت فيها وزير التربية بدعم مترشحين للانتخابات التشريعية