حي بوعقال في باتنة.. مطابخ تحفظ ذاكرة رمضان من رحى الحداثة
13 مارس 2026
في مدن تتبدّل ملامحها بسرعة، وتنسحب منها رويدًا رويدًا الطقوس القديمة، يبدو حيّ بوعقال وكأنه يقاوم الزمن. هنا، لا يزال رمضان يحتفظ بنكهته الأولى، كما لو أن الشهر الفضيل وجد في هذا الحي الشعبي ملاذه الأخير.
بعد العصر بقليل، تتحوّل رتابة بوعقال، أكبر أحياء مدينة باتنة، شرقي الجزائر، إلى مسرح صاخب بالحركة. الشوارع التي تبدو ساكنة طوال النهار تستيقظ فجأة
بعد العصر بقليل، تتحوّل رتابة بوعقال، أكبر أحياء مدينة باتنة، شرقي الجزائر، إلى مسرح صاخب بالحركة. الشوارع التي تبدو ساكنة طوال النهار تستيقظ فجأة، ويبدأ دولاب رمضان بالدوران. عربات الطعام، روائح التوابل، ضجيج الباعة، وحشود الصائمين الذين يتقاطرون من كل صوب… كل ذلك يجعل الحي يبدو كما لو أنه سوق قديم أعيد بعثه.
في قلب شارع الإخوة دبابي، يدفع عمّي عبد الله، البالغ من العمر خمسة وستين عامًا، عربته المتحركة إلى موقعها المعتاد رغم اشتداد زخات المطر. يسمي الرجل عربته "الدبابة"، فهي مزودة بعجلات قوية وفرن صغير موصول بأسطوانة غاز. ومن على متن هذه "الدبابة" الصغيرة يقدّم أطباقه الشعبية للزبائن الذين يشتد توافدهم بين العصر والمغرب.

يقول مبتسمًا وهو يحرّك غرّافه في قدر الفول: "أنا لا آتي إلى هنا من أجل الرزق فقط، بل لأن رمضان في بوعقال طقس خاص. هناك مزاج عال لا تجده في مكان آخر".
لا يحتاج الزبائن إلى الكثير من الكلام. تكفي همسة خافتة من سيدة تقف قرب العربة، حتى يبدأ الرجل في إعداد طبقها. يسكب الحمص أولًا، ثم مرق الفول، ويرشّ فوقه الدبشة والكمون والهريسة الحارة. قبل أن يمدّ الطبق المسكوب في كيس بلاستيكي إلى صاحبة الطلب، يهمس مبتسمًا:"هذه نسميها الكَمْيَة… وغالبًا ما تكون صدقة للفقراء والمتسولين والمساكين"
ويضيف بنبرة يغلب عليها الحنين:"كثير من أحياء باتنة تغيّرت بعد نزوح السكان إلى الأقطاب العمرانية الجديدة مثل فسديس وحملة. لكن بوعقال بقي كما هو ربما لأن الناس هنا ما زالوا يحتفظون بروح المكان".

في الواقع، لم يعد بوعقال مجرد حي سكني، بل صار مقصدًا اجتماعيًا يؤمه سكان المدينة وحتى القادمون من البلديات المجاورة. يأتون للتجوال في شوارعه المعروفة: شارع دبابي، ونهج على صاري، وطريقي زاد، و لامجي. هناك يشعر الزائر كأنه دخل كبسولة زمن تعيده إلى رمضان الشعبي الذي كاد يختفي.
يفسر الكاتب والأخصائي النفسي فوزي جاب الله هذه الظاهرة قائلاً:"بوعقال، بفروعه الثلاثة وقطاعه المعروف بدوار الديس، يشبه مدينة داخل المدينة. فهو يضم نحو أربعين بالمائة من سكان مدينة باتنة، المقدر تعدادهم بقرابة 500.000 نسمة، من أصل 1.5 مليون فرد على مستوى الولاية، وغالبية قاطنيه من الطبقات الشعبية التي حافظت على عاداتها ".
ويضيف: "الأكل هنا بسيط وزهيد الثمن، لذلك أصبح الحي مقصدًا للناس. بوعقال هو حي الزواولة الذين يخدمون الزواولة، ولهذا بقي نابضًا بالحياة".
المتجول في أزقة الحي يدرك سريعًا أن رمضان هنا ليس مجرد موسم ديني، بل احتفال اجتماعي كامل. فعربات أكل الشوارع تصطف على امتداد الطرقات، ناشرة في الهواء روائح البكبوكة واللوبيا بالكرعين والبوراك والبوزلوف، إضافة إلى الحلويات التقليدية وعصائر الشربات والسمك المشوي، غير أن نجمة هذا السوق بلا منازع هي بيتزا بوعقال.
اقتصاد البيتزا
هي ليست البيتزا الإيطالية المعروفة، بل نسخة شعبية مستطيلة الشكل تصنع من عجين الفوقاص وتُرش بزيت وفتات سمك السردين. يسميها أهل الحي ببساطة "لابيتس".
ينصب عادل عربته كل مساء بمساعدة ابنه. يقول ضاحكًا:"نحن لا نحسب الأرباح بالدينار بل بعدد الصينيات"، ويضيف ساخرًا: "هنا نسميها بيتزا "خامج وبنين" أي لذيذة وغير نظيفة، وطبعا المفهوم عكسي، يشير للتفاوت الطبقي، فقط، فهي أكلة البسطاء الأولى في رمضان لسعرها الزهيد مقارنة بأسعار بيتزا ماك فاميلي أو مايكي".

يشرح الرجل أن بعض الباعة يبيعون ما بين ثلاثين وأربعين بلاطو في المساء الواحد، وهو ما يحقق لهم أرباحًا يومية تقارب خمسة آلاف دينار.
ومن بين الوجوه المعروفة في بوعقال الشاب هالة شوقي المكنى "الشُو"، الذي ورث الصنعة عن والدته، وحقق شهرة كبيرة بلغت فيها سلعته فرنسا والصين من طرف تجار جزائريين ينقلونها لزملائهم هناك، وكذلك الشاب عموري عادل المكنى "الزيبيطي" العالمية، الذي تحوّلت نصبة طعامه إلى محطة يقصدها الزبائن يوميًا.
يقول شقيقه زمان عموري:"نحن جزء من ديكور رمضان هنا. لا يمكن أن تتحدث عن رمضان في باتنة دون أن نذكر بوعقال".
ويضيف مبتسمًا: "الفنان نصر الدين حرة غنّى عن الحي في أغنيته بوعقال القبلي والطاكسي بايت يضوي، لكن الحقيقة أن شهرة بوعقال اليوم هي في البيتزا التي تباع مثل حبات الفول السوداني".
جاب الله: ""لابيتس لم تعد مجرد أكلة شعبية، بل تحوّلت إلى نشاط اقتصادي كامل، فيه منتجون ووسطاء وتجار"
الأخصائي النفسي فوزي جاب الله يرى في ذلك ظاهرة اجتماعية لافتة: "لابيتس لم تعد مجرد أكلة شعبية، بل تحوّلت إلى نشاط اقتصادي كامل، فيه منتجون ووسطاء وتجار ويكشف أنه شخصيًا مارس بيعها في شبابه قبل أن يؤسس عيادته النفسية، قائلاً: "كنت أجني نحو ألفي دينار في ثلاث ساعات فقط خلال رمضان".
ولا يقتصر النشاط التجاري على أبناء الحي فقط. فقد وجد المهاجرون السوريون الذين استقروا في الجزائر بعد أحداث عام 2012 فرصتهم هنا أيضًا. تنتشر محلات تزينها صور نجوم باب الحارة وتقدم الأطباق الشامية، حتى ليخيّل للزائر أنه انتقل فجأة من باتنة إلى أحد أحياء حلب القديمة.
العادة والقانون
في نموذج مصغر عن حي بوعقال القبلي يبرز شارع أو رود الكوزينة بحي النصر بباتنة كملعب صغير لا يزال عابقا بجزئيات تصنع مشهدا رمضانيا خالصا حتى لو تعلق بممرات شارع لا يزيد طوله عن الخمسمائة متر، ولا عبرة هنا بالمساحة بل بممارسة الطقوس الجماعية.
اشتق الشارع اسمه من المطبخ تماما، وهذا كاف ليمنحه هوية خاصة، فعلى جنباته عشرات المطاعم الشعبية و القصابات و باعة الخضار و الفواكه و عربات بيع البوراك العنابي، و الهريسة الحلوة و البسبوسة، و المخابز و تركز هذه الأنشطة في مساحة مركزة أنتج عادات مكثفة حافظت على روحه الشعبية رغم تفوقه الحضري و العمراني.
يقول عزة بلولة مسير دكان: " تحول الشارع إلى مطبخ كبير منذ التسعينيات، يومها أجرت محلا شواء وبوراك لشقيقي بـ 6500 دينار جزائري، لكنه ازدهر تجاريا لدرجة أن سعر تأجير محل لا يتعدى أربعة أمتار في إثنين لا يقل اليوم عن 60.000 دج".
ويعلق فيصل جلول: " لايزال الشارع محافظا على نشاطه التجاري، فالحركة لا تتوقف فيه بين العصارى والمغارب ومن سابع المستحيلات أن يعثر صاحب سيارة على موقف لركن سيارته أمام مطعم العائلة، كل هذا بسبب اللوبيا بكوارع الخرفان والأبقار".
وقبل أربع سنوات حاولت مصالح البلدية تنظيم الشارع بحظر باعة الطاولات، ما سبب فراغا هائلا عجل بالتراجع عنه ليعود لصورته الشعبية، بعدما أيقنت ألا مناص من تلك الأجواء الرمضانية، فانتصرت العادة الاجتماعية على القوانين الإدارية، فهذا الشارع مطبخ كبير ويجب أن يبقى كذلك كما بقي بوعقال على سيرته الأولى.
طاهيات الكسرة
لا يزال شارع الطبيخ منغمسا في طقوسه الرمضانية، تدل على ذلك روائح الكسرة المطهية على طواجين الفخار، وهذا النمط المزدهر اليوم تقوده نساء تخصصن في صناعة الكسرة و المطلوع التي باتت نشاطا يهدد مخابز الكهرباء بالكساد شبه التام في رمضان.
في رمضان يدير الناس ظهورهم للخبز، كما لو أنهم يتشوقون لمائدة عائلية صرفة، أهم ما يميزها كسرة الأمهات، وطبعا استفاد نشاطنا التجاري من الحنين إلى الأصول والتقاليد الخاصة بهذا الشهر".
تقول السيدة صابرينا، أم لخمسة أطفال لـ "الترا جزئر": "في رمضان يدير الناس ظهورهم للخبز، كما لو أنهم يتشوقون لمائدة عائلية صرفة، أهم ما يميزها كسرة الأمهات، وطبعا استفاد نشاطنا التجاري من الحنين إلى الأصول والتقاليد الخاصة بهذا الشهر".
عناوين محلات المطلوع تشي بطبيعتها، مثل كسرة ماما، كسرة الدار، كسرة زمان، وغيرها من العناوين ذات الأغراء الأسري الخالص. وتوضح قائلة: " أعد يوميا قرابة 80 كسرة خميرة مطلوع و50 قرص رخساس و50 خبز الدار، كما أعد الشخشوخة وكسرة الشعير، غالبا ما تنفذ كلها فأغلق عندما تنتهي الحصة. حتما ساعدتني الحيوية التي يعيشها شارع الكوزينة، ويساعدني ذلك على إعالة أطفالي الخمسة، منذ انفصالي عن طليقي".

تعترف المتحدثة بأن واجهت مصاعب جمة منذ قررت أن تكون معيل الأسرة، وبأن عودتها للطبيخ العائلي في غمرة ازدهار الخبز الشعبي التقليدي أخرجها من عنق الزجاجة فتوضح في ثقة انتصارية: " قررت أن أمتهن صناعة الكسرة التي أعرفها، فضلا على أنه استثمار لا يتطلب عتادا كبيرا وأموالا ضخمة، يكفي فقط مواقد عادية وطواجين فخارية للقيام بالمهمة".
وتتابع: " في الأيام العادية أصحو في الرابعة فجرا لطهي الكسرة الموجهة للمقاهي، قبل أن أبارح عملي في محلي المؤجر، بعد سنوات حققت نتائج باهرة، فأنا أدفع الإيجار وأوفر لأبنائي حياة كريمة لا ينقصها شيء".
وتقول السيدة بن عائشة التي تدير محل كسرة الكوزينة لـ " الترا جزائر": " في رمضان يتضاعف مردودي لوقوع محلي في مدخل شارع الكوزينة، فأعد أربع عجنات إلى خمسة، ويمكنني أعداد أكثر من ذلك، وبحساب عدد القرص ترتقي الحصيلة ما بين مائتين إلى أربعمائة قطعة يوميا".
وتضيف: " العمل شاق ومضن يتطلب حضوري الدائم بالمحل على حساب بعض المسؤوليات العائلية، لكن معركة الرزق من أجل الأولاد تتطلب قدرا من التضحية على مدار اليوم، ورمضان فرصة ذهبية لتطوير المداخيل والطموح المشروع لتوسعة نشاطي، خاصة في ظل عودة الكسرة للمائدة الجزائرية في السنوات الأخيرة".
جزر اجتماعية
في نهاية المطاف، يبدو بوعقال أكثر من مجرد حي شعبي. إنه ذاكرة حيّة لرمضان كما كان في المدن الجزائرية قبل أن تبتلع الحداثة كثيرًا من تفاصيله،
ولهذا، وأيضا حين يقترب أذان المغرب، وتختلط روائح الطعام بأصوات الباعة وضحكات الصائمين، في شارع الكوزينة، يدرك الزائر أنه أمام آخر معاقل رمضان في نسخته الشعبية الأصيلة.
يقول فوزي جاب الله: " ما يجذب الناس إلى بوعقال و شارع الكوزينة في حي شيخي، ليس الطعام وحده، بل ما يسميه بعض علماء الاجتماع النوستالجيا الحضرية؛ أي الحنين إلى المدينة كما كانت قبل تحولات العمران وأنماط الحياة، ولهذا تبدو المنطقتان خلال أيام وليالي رمضان، وكأنهما جزيرتان زمنيتان تقاومان اختفاء المدينة الشعبية، أي ذلك الفضاء الذي يعيد إنتاج تضامنه عبر ما سماه دوركايم الطقوس الجماعية، حيث تتحول المناسبات الدينية أو الاحتفالية إلى لحظات يلتقي فيها الأفراد حول ممارسات مشتركة تعزز الشعور بالانتماء فالتسوق، والوقوف حول عربات الطعام، وتبادل الأحاديث قبل أذان المغرب، كلها ممارسات تعيد إنتاج التضامن الاجتماعي بين سكان الحي وزواره. وطبعا يستأنس الناس القادمون من خارجها، لهذه المشاهد التي تثير فيهم الذكريات والحنين".
الكلمات المفتاحية
كرّمها وزير الداخلية.. ماذا تعرف عن قصة أول طيارة جزائرية بعد الاستقلال؟
في سنوات الاستقلال الأولى، وبينما كان عالم الطيران يكاد يقتصر على الرجال، نجحت أنيسة بوطايبة في كتابة اسمها بأحرف من ذهب، بعدما أصبحت أول امرأة جزائرية تقود طائرة، فاتحةً الطريق أمام النساء لخوض مجال ظل لسنوات حكرًا على الرجال.
المناضلة والمخرجة باية هاشمي لـ " الترا جزائر": هاجمتُ بومدين بسبب اتفاقيات إيفيان وندمت على ذلك
في حي لارودوت، المرادية حاليًا، الواقع في أعالي بلدية الجزائر الوسطى، وعلى مرمى حجر من قصر رئيس الجمهورية، ترعرعت باية هاشمي، المولودة تيجاني وسط عائلة ارتبطت بعلاقة وثيقة بعائلة ديدوش مراد، تلك العلاقة التي سرعان ما تحوّلت إلى نواة وعيٍ وطنيٍّ حيٍّ، وإلى بذرةٍ للعمل الثوري المباشر.
كرة القدم تعيد فتح صفحات التاريخ.. الجزائر وسويسرا في لقاء يتجاوز الرياضة
شكّلت سويسرا، بحكم حيادها التقليدي وموقعها الجغرافي والدبلوماسي في قلب أوروبا، قاعدة لوجستية وسياسية مهمة لفيدرالية جبهة التحرير الوطني في أوروبا
حرائق الجزائر.. 55 حريقاً و30 عملية إخماد متواصلة عبر عدة ولايات
وتتواصل عمليات إخماد الحرائق بعدد من الولايات، أبرزها بجاية، سطيف، سعيدة، سكيكدة، المدية، ميلة، تيزي وزو، تلمسان، قسنطينة، معسكر، تيسمسيلت، عين الدفلى، الشلف، سوق أهراس وإليزي.
تطبيقات النقل النّسائي في الجزائر.. كيف تكتسب المرأة أمان حرية النقل؟
انتشرت مؤخّرًا في المدن الجزائرية الكبرى تطبيقاتٌ عديدة للنقل المخصّص للنّساء لتأتي كبديلٍ يفرض نفسه في يوميات الجزائريين والجزائريات، بغية الموازنة بين الرّغبة في الانعتاق والأمان والاستقلالية، وبين إكراهات البيئة المحافظة.
تراجع الإنجاب في الجزائر.. ماذا كشفت أرقام وزارة الصحة؟
تشهد الجزائر تحولات عميقة في تركيبتها السكانية، مع تسجيل انخفاض لافت في معدلات الإنجاب خلال العقود الأخيرة، حيث كشف مسؤول بوزارة الصحة أن متوسط عدد الأطفال لكل امرأة تراجع إلى نحو 2.5 طفل حالياً، مقابل مستويات أعلى بكثير في السنوات التي أعقبت الاستقلال، في وقت تراهن فيه السلطات على التركيبة السكانية الفتية كعامل لدعم التنمية.
قضية لويزة حنون.. تنازل وزير التربية عن الدعوى والنيابة تلتمس تطبيق القانون
تعود وقائع الملف إلى تصريحات كانت قد أدلت بها الأمينة العامة لحزب العمال، اتهمت فيها وزير التربية بدعم مترشحين للانتخابات التشريعية