دراما رمضان في الجزائر: من مشروعية الاقتباس إلى شُبهة "البلاجيا"
24 فبراير 2026
يعيدُ قدومُ شهرِ رمضان كلّ عامٍ رسمَ خريطة قطاع السّمعي البصريّ في الجزائر، حيثُ تتكاثفُ الشّبكات البرامجية، وتغزو الوَمضاتُ الإشهاريةُ كلّ الشّاشات ومواقع التّواصل ومنصّات المُشاهدة، كما يتسابق المنتجون والمخرجون إلى تقديم أعمالٍ برّاقة، وتعودُ إلينا الوجوهُ المألوفة في حكاياتٍ صُمّمت لتؤثّث سهرات العائلة طيلة شهرٍ كامل، ليصبح المسلسلُ الرّمضاني طقسًا جماعيًا، وموعدًا اجتماعيًا مُقدّسًا، كما يغدو مُنتجًا إعلاميًا مثيرًا للجدل والنّقاش والاختلاف.
من هنا، يمثّلُ هذا التّركّز الاستثنائيُّ لنِسَب المشاهدة فُرصةً اقتصاديةً كبرى للقنوات العمومية والخاصّة كما للمنتجين المستقلّين. مع ذلك، يكشف في الوقت ذاته عن هشاشاتٍ بنيويةٍ لقطاعٍ لا يزالُ يسعى إلى بناء قواعده. ومن بين هذه الهشاشات، تبرزُ مسألةُ الاقتباس والاستلهام المفرط وأحيانًا الاستنساخ التّام، كما تتعالى بعض الأصوات الّتي تشتكي سرقة أفكارها ونصوصها الأصلية، في حين تظهر أحداثٌ كثيرة في عدّة أعمال وكأنّها قصصٌ مألوفة ومُعادة.
من هذا المُنطلق، وكلّما اتّسعت آفاق المتلقّي الجزائريّ بفضل مشاهدة المنصّات العالمية، أصبحت أوجه الشّبه بين بعض الأعمال المحلية والأجنبية أكثر وضوحًا، وخلال ذلك، ينتقل الجدل إلى الفضاء الرّقمي، مُتأرجحًا بين مساءلةٍ أخلاقية ونقاشٍ قانونيّ.
الاقتباس كتقليدٍ ثقافيٍّ راسخ
يَجدرُ التّذكير في البدايةِ بحقيقةٍ قد تبدو بديهية؛ أنّ الاقتباس في حدّ ذاته لم يكن يومًا أمرًا مُعيبًا، لأنّ تاريخ السّينما والتّلفزيون يُصاغُ في انتقال الحكايات عبر الحدود، وإعادة صياغتها بلُغاتٍ وثقافاتٍ مُختلفة، حيثُ تَستلهم استوديوهاتٌ كبرى من رواياتٍ عالمية، كما تجد سِلسلاتٌ أوروبية حياةً جديدةً في أسواقٍ أمريكية أو آسيوية، ويُعاد تقديم صيغٍ درامية من قاراتٍ بعيدة ضمن سياقاتٍ مُغايرة، ليَظلَّ تداول السّرديات وتكرارها جزءً من طبيعة الثَّقافة المُعاصِرة "المفروضة".
لكنَّ الجدير بالذّكر أيضًا يكمن في أنّ الاقتباس، حين يكون مشروعًا ومُصرَّحًا به، يقتضي جُهدًا إبداعيًا دقيقًا، من حيثُ إعادة بناء الشّخصيات، ومواءمة الوقائع مع الواقع الاجتماعيّ المحلّي، وتحويل النّبرة الكوميدية أو الدّرامية بما ينسجم مع الذّائقة الثّقافية. وهذا ما يَصنعُ فنّ النّقل الخلّاق، حتّى لا يبقى مجرّد إعادة تدويرٍ مُفرغة من الإبداع.
في هذا السّياق، يبرز الإشكال في غياب التّصريح أو التّرخيص وإخفاء المصدر، فتغدو الحدود بين الإلهام والتّقليد باهتة، ويبدو العمل المحلّي وكأنّه نسخةٌ مُقنّعة تُخفي ملامح مُشوّهة، ومن جهة أخرى يصبح كاتب السيناريو المحلّي دائم التّوجّس ولا يمكنه إطلاع الغير على نصّه مخافة الاستيلاء عليه بطريقة أو بأخرى.
إغراءُ النّموذج الجاهز
لِمَ تتكرّرُ هذه الإشكالية خصوصًا خلال الموسم الرّمضاني؟ أظنّ أنّ الجواب يكمن إلى حدٍّ بعيدٍ في البنية الاقتصادية للقطاع، فهذا الشّهر الكريم يستقطب الجزء الأكبر من العائدات الإشهارية السّنوية، كما يُدرِكُ المُعلنون أنّ نسب المُشاهدة تبلغ ذروتها لتتضاعف الاستثمارات، وبالنّسبة للقنوات، يشكّل النّجاح أو الإخفاق في هذا الموسم مسألة توازنٍ ماليٍّ حاسم.
ضمن هذا السّياق، يُغري النّموذج النّاجح في الخارج المخرجين والمُنتجين كخيارٍ مُطمئن وأرضيةٍ مُريحة، لأنّ استلهام حبكةٍ حصدت جماهير واسعة في بلدٍ آخر، أو في قرية النّت الصّغيرة الّتي تجمع العالم، يبدو وسيلةً لتقليص المخاطرة. مع ذلك، ينزلق هذا المنطق إلى استنساخٍ يكاد يطابق الأصل، أو يقدّم نسخةً رديئةً منه، فتفقد هذه العملية بُعدها الإبداعيّ.
وفي المُقابل، تُغري بعض نصوص الكُتّاب الموهوبين العديد ممّن يبحثون عن النّجاح السّريع من مخرجين وممثّلين ومنتجين، فلا تهمّهم كثيرًا خيانة الأمانة والثّقة الّتي حصلوا عليها من خلال الاطّلاع على بعد النّصوص مُقابل ما قد يلاقونه من رواجٍ خلال هذا الموسم.
من جهةٍ أُخرى، يزيد الضّغط الزّمني من حدّة هذه المشكلة، حيث يتمّ إنجاز الأعمال في آجال ضيّقة، وتُحسم السّيناريوهات أحيانًا في وقتٍ مُتأخّر، وتعمل الفِرق تحت وطأة الاستعجال حتّى خلال شهر رمضان، بينما تحتاج الكتابةُ الدّرامية إلى وقتٍ كافٍ للتّخمّر، وإلى بحثٍ مُعمّقٍ وتطويرٍ مُتدرّج، وحين يضيق الوقت، يصبح هذا "الاقتباس" السّريع طريقًا مختصرًا مغريًا ولكنّه فاشلٌ فنّيا وأخلاقيًا على الأقلّ.
جمهورٌ يَقِظٌ في فضاءٍ مفتوح
في الحقيقة، يتمثّلُ التحوّل الأبرز خلال السّنوات الأخيرة في طبيعة الجمهور نفسه، فالمُشاهد الجزائريّ لم يعد محصورًا في العرض المحلّي أو الإقليميّ، لأنّه بات يتابع أعمالًا آسيوية وأوروبية وأمريكية عبر منصّات المُشاهدة الرّقمية المدفوعة، كما صار يُقارِن ويُحلِّل ويُناقِش، وقد وسّع هذا الانفتاح أفقه السّردي وصقل حسّه النّقدي، وصار بفضل الانترنت قريبًا من الوسط الفنّي ومُلمًّا بما يحدث في كواليسه من استيلاءاتٍ وخلافاتٍ بين أهل الفنّ والدّراما.
لهذا، وعند ظهور أيّ تشابهٍ لافت، تنتشر المُقارنات على وسائل التّواصل، وتُعرض المقاطع جنبًا إلى جنب، وتتصاعد الاتّهامات، فنكتشف أنّ هذه اليقظة ما هي إلاّ علامةٌ على نضج تتمتّع به فئة لا يُستهان بها من الجمهور، وعلى توقٍ مُتزايدٍ إلى الأصالة والخلق والإبداع المحلّي، وكذا احترام حقوق الملكية الفكرية.
مع ذلك، ينبغي علينا التّمييز بين التّشابه العابر والاستنساخ الصّريح، لأنّ البُنى الحكائية الكبرى، مثل صراع العائلات، والصّعود الاجتماعيّ، والسرّ المدفون، وقصص الحبّ وقضايا العنف، تبقى عناصر كونية تتكرّر عبر الثّقافات، ويبقى المعيارُ الحاسمُ في القدرة على التّحويل وحسن الابتكار.
الرّهان القانونيّ والأخلاقيّ
لا يمكن اعتبارُ الاستنساخ غير المشروع مسألةً ذوقيةً فحسب، لأنّه في الواقع يؤدّي إلى تبعاتٍ قانونيةٍ جسيمة، وفي عالمٍ مُترابط، يملك أصحاب الحقوق وسائل مُتقدّمة لحماية أعمالهم. وأيُّ صناعةٍ تطمح إلى الانتشار خارج حدودها تبقى مُطالبةً باحترام هذه الأُطُر.
من جهةٍ أخرى، نجد أيضًا ذلك البُعد الرّمزيّ، فصناعة السّمعي البصريّ الّتي تتطلّع إلى الحضور في المهرجانات واستقطاب الشّراكات الدّولية، دائمًا ما تحتاجُ إلى صورةٍ مهنيةٍ راسخة، لأنّ تكرار الجدل حول أعمال مُتَّهمة بالنّسخ والسّرقة يُضعف كثيرًا هذه الطّموحات. فالأصالة تبقى جزء مُهمًّا من السّيادة الثّقافية، ومن قدرة المُجتمع على رواية ذاته بِلُغته الخاصّة.
مهما تحدّثنا عن هذه السّلبيات، لا يمكننا اختزال الإنتاج الرّمضاني في مُجمله في هذه الجوانب الإشكالية، ثمّة أعمالٌ - على قلّتها - تأتينّا من صميم الواقع الجزائريّ، وتتناول تحوّلات الأسرة والبيئة وصراعات الأجيال، وتبدّلات القيم الاجتماعية، أوضاع المرأة والطّبقات الهشّة، كما يتنامى خلال ذلك رصيدُ عددٍ مُهمٍّ من المُمثٌلين والتّقنيين الشّباب، لتتطوّر مهاراتهم الفنية وفق معايير مُحترمة، فلا نستطيع إنكار وجود تُراث تاريخيّ وثقافيّ ولغويّ جزائريّ ثريّ، ما يُشكّل رصيدًا سرديًا لا ينضب.
في المُقابل، يحتاج هذا القطاع إلى بيئةٍ مُؤسّساتية تعزّز تطوير النّصوص وتكوّن كُتّاب السّيناريو والحوارات على مدى زمنيٍّ أطول، وتمنح الكُتّاب فضاءاتِ عملٍ جماعية وورشاتٍ تُلقّنهم الابتعاد عن الاتكالية وتحثّهم على الإبداع والتحلّي بالأخلاق، كما تؤمّن لهم تمويلًا مرحليًا قبل دخول مرحلة التّصوير، لأنّ الاستثمار في الكتابة، لا يقلّ أهمية عن الاستثمار في المُعدّات الحديثة للعمل في القطاع، كما أنّ توضيح آليات اقتناء الحقوق، وتعزيز التّكوين القانونيّ للمُنتجين والمخرجين والكُتّاب، خطواتٌ من شأنها تحويل النّقاش من دائرة الاتّهام إلى أفقِ البناء.
نحو صناعةٍ درامية أكثر نضجًا
من البديهيّ أن يمرّ الموسم الرمضانيّ في الجزائر بلحظةٍ مفصلية، حيث يُظهر خلالها قُدرةً لافتةً على تعبئة الموارد وإنتاج أعمالٍ ذات حضورٍ جماهيريٍ واسع، ومن جهة أخرى يعكس تحدّيات قطاعٍ يسعى إلى تثبيت معاييره المهنية، غير أنّ مسألة الاقتباس و" البلاجيا"، بما تثيره من جدل، ليست سوى مرآةٍ عاكسة لهذه المرحلة الانتقالية، كما أنّ المطلوب ليس الانغلاق، بل الانفتاح الواعي من خلال صحّة التّأثر بالآخر في مُقابل تحويل هذا التّأثر إلى إبداعٍ أصيل.
على المدى البعيد، تتحدّد مكانة الدّراما الجزائرية بقدرتها على تقديم حكاياتٍ تُعبّر عن تعقيداتِ المجتمع الجزائريّ بعمقٍ وصدق، دون الارتهان بنماذج جاهزة، لأنّ المُشاهد لا ينتظر صورةً مُستنسخة من تجارب سابقةٍ شاهدها، بل إنّه يتُوقُ إلى سردٍ يعكسُ واقعه ويخاطب وجدانه. كما يحبّ رؤية منافسة شريف بين الكُتّاب المحليين وأمانة عالية بين أصحاب القطاع، ولعلّ التّحدي الحقيقي يكمن في تحوّل ضغط المُنافسة الرّمضانية إلى محرّك للابتكار، وأن يصبح الموسم الأكثر مشاهدةً في السّنة مُختبرًا للتّميّز، وليس ساحةً للجدل الفارغ.
الكلمات المفتاحية
التغيرات المناخية والفيضانات.. امتحانٌ للبنية التحتية بالجزائر
مع كل اضطراب جوي تشهده الجزائر، تعود مشاهد الفيضانات والسيول لتفرض نفسها بقوة على واجهة الأحداث، وتقديم حصاد مؤقت بالأرقام لتدخلات فرق الإنقاذ وحجم الخسائر، تُذكّر بمدى هشاشة التوازن بين الإنسان والطبيعة.
هكذا يشكّل الجزائريون لغتهم.. مواد عربية وطريقة طهي وتوابل جزائرية
ككل البلاد العربية وبلدان أخرى في العالم، احتفلت الجزائر باليوم العالمي للغة العربية، وأقامت للمناسبة أنشطة ثقافية وعلمية عبر مختلف محافظاتها، كان على رأسها توزيع "جائزة رئيس الجمهورية للأدب واللغة العربية"، في طبعتها الأولى. رغم ذلك مازال يصعب على أغلب الأشقاء العرب، خاصة في المشرق العربي تصنيف الدارجة الجزائرية على أنها أداء من أداءات العربية.
" لا يُحبّون بعضهم بعضًا !؟ ".. رسالة مهنيّي السّينما في الجزائر إلى الرئيس
عندما يُصرِّح رئيس الجمهورية عبد المجيد تبّون خلال لقائه مع جمعٍ من الفنّانين في مدينة قسنطينة، بنبرةٍ تجمع بين الانتقاد واللّوم بأنّ " بعض المخرجين في الجزائر لا يحبّون بعضهم بعضًا"، فقد يبدو كلامه خفيفًا أو عابرًا كدُعابة، لكنّ هذه الجُملة في الواقع قد لعبت دور كاشفِ ضوءٍ سلّط نوره القويّ على عمق الأزمة الّتي تعصف بقطاع السّينما، فخلف "الدّعابة الظّاهرة" يختبئ تشخيصٌ قاسٍ…
لماذا يَخشى الجزائريّون إعلانَ الحُبّ؟.. قراءةٌ في جُرحِ الوُجدان الجَمعيّ
حينما تجرّأ شابٌّ جزائريٌّ من ولاية تيزي وزّو شرق عاصمة الجزائر، على طلب يد حبيبته خِلال مباراةٍ لكرة القدم في الدّوري المحلّي، وسط مُدرّجاتٍ ملعب الرّاحل حسين آيت أحمد، وأمام مئات المُناصرين المهلّلين له، انقسم المُتفاعلون مع مقطع الفيديو المُتداول لهما بين مصفّقٍ يرى في الفعل شجاعةً جميلةً وتعبيرًا صادقًا عن الحبّ، في حين قُوبِلَ أيضًا بتيّارٍ غاضبٍ اعتَبر ذلك المشهد الجميل تعدّيًا على الذّوق…
دينامو زغرب يحسم مستقبل بن ناصر.. هل يعود إلى ميلان؟
يواجه الدولي الجزائري إسماعيل بن ناصر وضعية معقدة في الفترة الحالية، في ظل غموض مستقبله بين ناديه الأصلي أسي ميلان وتجربته الحالية مع دينامو زغرب الكرواتي.
حزب العمال ينتقد تأخر المصادقة على الاستمارات ويحذر من تأثيره على العملية الانتخابية
وأفاد الحزب في بيان، أنّه "سجل اختلالات أخرى تمس عملية التصديق على الاستمارات على مستوى البلديات في معظم الولايات، حيث لم يتم تكليف الموظفين المسخرين، ما يثير استياءً بل وحتى نفورًا لدى المكتتبين الذين يترددون عدة مرات على البلديات دون جدوى.
ماذا قال الحكم الجزائري غربال وطاقمه بعد اختيارهم لمونديال 2026؟
وفي تصريح فيديولصفحة الاتحاد الجزائري لكرة القدم على فيسبوك، قال غربال: "الحمد لله على اختياري للمشاركة في كأس العالم 2026"، مشيراً إلى أن هذه المشاركة ستكون الثانية له في المونديال.
نذير بن بوعلي يروي لحظة الحلم مع "الخضر" ويكشف كواليس استدعائه الأول
عبّر الدولي الجزائري الجديد، نذير بن بوعلي، عن سعادته الكبيرة بعد تلقيه أول استدعاء لتمثيل المنتخب الوطني، مؤكداً أن هذه اللحظة مثّلت بالنسبة له تحقيق حلم الطفولة الذي ظل يرافقه منذ سنوات.