رفع الأجور في الجزائر يعود إلى الواجهة… سباقٌ مع التضخم لإنقاذ القدرة الشرائية
30 نوفمبر 2025
شكّل مطلب رفع الحد الأدنى للأجور أحد أبرز انشغالات الحركات النقابية والأحزاب السياسية في الجزائر، خاصة في ظل الجمود الذي عرفه الحد القاعدي للأجور منذ سنة 2020، رغم الارتفاع المتواصل في الأسعار وتزايد معدلات التضخم وتراجع القدرة الشرائية للمواطن.
التساؤل الجوهري الذي يطرح نفسه هو: إلى أي حد يمكن للزيادات في الأجور أن تُحدث أثرًا إيجابيًا على مستوى المعيشة؟ وهل ستظل هذه الزيادات مهدّدة بالتآكل المستمر أمام ارتفاع معدلات التضخم؟
ورغم الزيادات التي طالت أجور العمال خلال السنوات الأخيرة، إلا أن أثرها ظل محدودًا ولم ينعكس بشكل فعلي على المستوى المعيشي، بسبب الوتيرة السريعة لغلاء المعيشة التي امتصّت تلك الزيادات وجعلتها غير كافية لتحسين الوضع الاقتصادي للأسر.
غير أن التساؤل الجوهري الذي يطرح نفسه هو: إلى أي حد يمكن للزيادات في الأجور أن تُحدث أثرًا إيجابيًا على مستوى المعيشة؟ وهل ستظل هذه الزيادات مهدّدة بالتآكل المستمر أمام ارتفاع معدلات التضخم؟
ويشدد مختصون في الشأن الاجتماعي والاقتصادي أن تحديد الحد الأمثل للأجر الأدنى يتطلب مقاربة اقتصادية دقيقة تأخذ بعين الاعتبار توازنات السوق، ومعدلات التضخم، والكلفة الحقيقية لمعيشة المواطن، لضمان أن تكون الزيادات فعّالة ومستدامة، وأن تنعكس فعليًا على تحسين ظروف معيشة العمال بدل أن تذوب في دوامة الأسعار المتصاعدة.
ضرورة تفرضها التحولات الاجتماعية
في هذا السياق، قال البروفيسور نصر الدين ساري، أستاذ الاقتصاد الدولي، في حديث لـ" الترا جزائر"، إن رفع الحد الأدنى للأجور في الجزائر لم يعد خياراً ثانوياً، بل أصبح ضرورة تفرضها التحولات العميقة في السوق وارتفاع مستويات التضخم خلال السنوات الأخيرة.
وأشار ساري إلى أن الأجر الوطني الأدنى المضمون بصيغته الحالية لم يعد يعكس الحد الأدنى الحقيقي للمعيشة، سواء من حيث تكاليف السكن أو النقل أو الغذاء، في ظل الزيادات المتتالية في أسعار السلع الأساسية والخدمات. وأضاف أن الحد الأدنى للأجر فقد وظيفته كأداة لحماية القدرة الشرائية، وأصبح رقمًا اسميًا غير قادر على تغطية النفقات الشهرية الأساسية.
أستاذ الاقتصاد الدولي نصر الدين ساري لـ" الترا جزائر": رفع الحد الأدنى للأجور في الجزائر لم يعد خيارًا ثانويًا، بل أصبح ضرورة تفرضها التحولات العميقة في السوق وارتفاع مستويات التضخم خلال السنوات الأخيرة.
وبخصوص المستوى الأنسب للحد الأدنى للأجور الذي يمكن أن يساهم فعليًا في تحسين القدرة الشرائية، أشار البروفيسور ساري إلى أن رفع الحد الأدنى للأجور يجب أن يستند إلى مقاربة واقعية تراعي قدرة الاقتصاد على الاستيعاب من جهة، وضرورة حماية القدرة الشرائية من جهة أخرى.
وقال: "أرى أن مستوى يتراوح بين 30 ألف و35 ألف دينار قد يشكّل حدًا أدنى معقولًا في المرحلة الراهنة، لكن بشرط أن يُرفق بإصلاحات اقتصادية تضمن استقرار الأسعار وتمنع موجات تضخمية جديدة قد تلتهم أثر الزيادة".
مرافقة اقتصادية ورقابية
وتابع ساري أن التجارب السابقة أثبتت أن رفع الأجور دون إصلاح بيئة السوق وتحسين شبكات التوزيع ومكافحة المضاربة يؤدي غالبًا إلى نتائج عكسية، مشددًا على أن أي زيادة يجب أن تكون مدعّمة بإجراءات تنظيمية ورقابية تقلل من اختلالات السوق.
تحفيز الطلب الداخلي
وبشأن انعكاسات رفع الأجور على المستوى الاقتصادي الكلي، قال أستاذ الاقتصاد الدولي إن رفع الحد الأدنى للأجور يمكن أن يساهم في تحفيز الطلب الداخلي وتنشيط الإنتاج الوطني. واستطرد أن ذلك مرتبط بضرورة دمج القرار ضمن رؤية اقتصادية واسعة تشجع الاستثمار المحلي، وتدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتخفف الأعباء الجبائية والبيروقراطية عن الفاعلين الاقتصاديين.
وأضاف أن الأجر ليس مجرد دعم اجتماعي، بل عنصر أساسي في الدورة الاقتصادية، وأي زيادة يجب أن تراعي مؤشرات التضخم وإمكانات النمو وواقع القطاع الخاص.
نصر الدين ساري لـ" الترا جزائر: أرى أن مستوى يتراوح بين 30 ألف و35 ألف دينار قد يشكّل حدًا أدنى معقولًا في المرحلة الراهنة، لكن بشرط أن يُرفق بإصلاحات اقتصادية تضمن استقرار الأسعار وتمنع موجات تضخمية جديدة قد تلتهم أثر الزيادة
وختم البروفيسور نصر الدين ساري بالتأكيد على أن رفع الحد الأدنى للأجور ضرورة اجتماعية واقتصادية في آن واحد، لكنه لا يمكن أن يشكّل الحل الوحيد، داعيًا إلى سياسة متوازنة تجمع بين تحسين الأجور واستقرار الأسعار وتعزيز الإنتاج الوطني، بما يسمح ببناء منظومة اقتصادية واجتماعية مستدامة تحمي القدرة الشرائية وتدعم مسار التنمية.
زيادة في الأجور لا تكفي لوحدها
من جانبه، أكد الأستاذ طارق رقّاب، المختص في القضايا الاقتصادية، أن الحدّ الأدنى للأجور في الجزائر يجب أن يتجاوز القيمة الفعلية لسلة المعيشة الأساسية للمواطن، حتى يكون لرفعه أثر إيجابي وفعّال على المستوى الاجتماعي والاقتصادي.
وأوضح رقّاب أن فعالية أي زيادة في الأجر الأدنى مرهونة بربطها بمستويات الإنتاجية، مشددًا على أن هذا الربط يعد شرطًا أساسيًا لضمان انعكاسات مستدامة على القدرة الشرائية.
علاقة الأجور والإنتاجية
وقال رقّاب لـ"الترا جزائر": "رفع الأجور بمعزل عن ديناميكية الإنتاج يخلق اختلالات في السوق، بينما الزيادة المبنية على تحسين الإنتاجية تضمن أثرًا اقتصاديًا طويل الأمد".
وأضاف أن التحكم في معدلات التضخم يمثل أحد أهم الآليات الاستراتيجية لحماية القدرة الشرائية، موضحًا أن انخفاض التضخم يحافظ على القيمة الحقيقية للدخل، بينما يؤدي ارتفاعه إلى تآكل أي زيادات في الأجور على المدى المتوسط والبعيد، مبرزًا أن إدارة التضخم تعدّ أداة استقرار اجتماعي فعّالة، خاصة لدى الفئات ذات الدخل المحدود.
طارق رقّاب، المختص في القضايا الاقتصادية: الحدّ الأدنى للأجور في الجزائر يجب أن يتجاوز القيمة الفعلية لسلة المعيشة الأساسية للمواطن، حتى يكون لرفعه أثر إيجابي وفعّال على المستوى الاجتماعي والاقتصادي
تنشيط الدورة الاقتصادية
وفيما يتعلّق بانعكاسات رفع الأجور على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، أوضح الأستاذ رقّاب أن الزيادة المدروسة في الأجور يمكن أن تساهم في دفع النمو الاقتصادي من خلال تنشيط الطلب الكلي، مؤكدًا أن "ارتفاع الدخل الفردي يؤدي بطبيعة الحال إلى زيادة الإنفاق على السلع والخدمات".
ووفق المتحدث، فإن هذا الإنفاق الإضافي يُحفّز المؤسسات الاقتصادية على رفع مستويات الإنتاج والتوظيف استجابة لارتفاع الطلب الداخلي، مما يعزز الدورة الاقتصادية.
وشدّد رقّاب على أن رفع الحدّ الأدنى للأجور يجب أن يرافقه دعم هيكلي للاقتصاد الوطني، معتبرًا أن تحقيق التوازن بين تنامي الطلب وتحسين القدرات الإنتاجية المحلية أمر جوهري لتفادي الاختلالات الاقتصادية، موضحًا أن عدم التوفيق بين زيادة الأجور ومستوى الإنتاج قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية أو عجز في العرض.
وختم بالقول إن أي سياسة للأجور ينبغي أن تكون جزءًا من رؤية اقتصادية شاملة، تجمع بين تحسين الدخل وتعزيز الإنتاج المحلي وضبط السوق، بما يضمن انتقالًا تدريجيًا نحو نموذج تنموي أكثر توازنًا واستدامة.
الكلمات المفتاحية

زيادات الشحن تعود من جديد.. قلق المستوردين وأسئلة المستهلكين مع مطلع 2026
مع بداية سنة 2026، وجد المتعاملون الاقتصاديون في الجزائر أنفسهم أمام واقع جديد يطغى عليه القلق والترقب ، بعد تسجيل زيادات متتالية في تكاليف الشحن البحري والخدمات اللوجستية، زيادات أعادت طرح أسئلة جوهرية حول أسباب هذا الارتفاع المفاجئ: هل هو ظرف عابر مرتبط بتقلبات السوق العالمية، أم نتيجة تحولات أعمق في منظومة النقل البحري؟ وهل تعكس هذه الزيادات اختلالا مؤقتا في سلاسل الإمداد، أم أنها مؤشر على…

بعد اعتراف الرئيس بـ "الفشل" في إنتاجها.. كيف تتخلّص الجزائر من معضلة اللحوم الحمراء؟
مازال إنتاج اللحوم يشكل نقطةً سوداء في القطاع الفلاحي الجزائري الذي حقق في السنوات الأخيرة نتائج مشجعة في عدة شعب، بتحقيق الاكتفاء الذاتي فيها، وهو ما يستدعي اليوم التفكير في إيجاد حل حقيقي للنقص المسجل في مادة اللحوم والوصول إلى تلبية الطلب عليها محليًا أيضًا.

الفاو تحذّر من عودة الجراد الصحراوي في المنطقة.. ما وضع الجزائر؟
يشهد موضوع الجراد الصحراوي عودة إلى واجهة الاهتمام في المنطقة المغاربية وشمال إفريقيا، في ظل تقارير دولية تحذّر من نشاط متزايد لهذه الآفة العابرة للحدود، لما تمثّله من تهديد محتمل للزراعة والأمن الغذائي.
الجزائر تطرح مناقصةً دوليةً جديدة لشراء القمح
قال متعاملون أوروبيون إن الديوان الجزائري المهني للحبوب طرح مناقصة دولية لاقتناء القمح، محددًا يوم الاثنين المقبل كآخر أجل لتقديم العروض.

طقس الجزائر.. موجة برد وأمطار رعدية تمس عدة ولايات عبر الوطن
تشهد عدة ولايات من البلاد، اليوم الأحد، تقلبات جوية حادة تتمثل في موجة برد شديدة وتساقط أمطار رعدية بكميات معتبرة محليًا، وفق ما أفادت به مصالح الأرصاد الجوية.

للمرّة الخامسة.. مولودية الجزائر تُتوَّج بالكأس الممتازة
تُوِّج نادي مولودية الجزائر، اليوم السبت، بلقب الكأس الممتازة، عقب فوزه في لقاء الديربي على غريمه التقليدي اتحاد الجزائر بهدف دون مقابل، في المباراة التي احتضنها ملعب نيلسون مانديلا.

سيفي غريب يعلن إطلاق "ورشات عمل".. هل يتم إصلاح قطاع سيارت الأجرة في الجزائر؟
ترأس الوزير الأول، سيفي غريب، اجتماعًا تشاوريًا مع ممثلي النقابة الوطنية للناقلين بسيارات الأجرة، بحضور وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، ووزيرة التجارة الداخلية وضبط السوق الوطنية، خُصّص للاستماع لانشغالات مهنيي القطاع وبحث آفاق إصلاح منظومة النقل.

