رمضان 2026 في الجزائر.. وفرة في السلع و"لهفة" تربك السوق كل عام
6 فبراير 2026
مع اقتراب شهر رمضان، تبدأ الحكاية نفسها كل عام، قبل أسابيع من أول يوم صيام، تتغير ملامح المدن، لافتات التخفيضات ترتفع، الشاحنات تدخل الأسواق محملة باللحوم والدواجن، الخضر ترص بعناية أكبر، وتُفتح "الأسواق الجوارية" كوعود رسمية برمضان هادئ بلا ندرة ولا مضاربة.
هل يكفي ضخ السلع وفتح الأسواق لتهدئة السوق وضمان استقرار الأسعار؟ أم أن الحل الحقيقي يبدأ من تغيير ذهنيتنا الاستهلاكية، والابتعاد عن منطق "التخزين خوفًا من الندرة" الذي يصنع الندرة بحد ذاته؟ وكيف يمكن فعلا ضمان الوفرة في الأسواق؟
لكن خلف هذا المشهد المنظّم، تتحرك قصة أخرى أقل وضوحًا وأكثر تأثيرًا، قصة تبدأ في سلوك المستهلك نفسه، حين يتحول الاستعداد لشهر الصيام إلى سباق اقتناء، وتتحول الطمأنينة إلى لهفة، فيُشترى أكثر مما يلزم، وتخزن السلع خوفًا من الغد، فيختل التوازن بين العرض والطلب، حتى في ظل وفرة حقيقية، هنا لا تصنع الأزمة في الموانئ ولا في المخازن، بل في عربات التسوق الممتلئة وفي البيوت التي تمتلئ رفوفها قبل أن يبدأ الصيام.
من هنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح كل رمضان، هل يكفي ضخ السلع وفتح الأسواق لتهدئة السوق وضمان استقرار الأسعار؟ أم أن الحل الحقيقي يبدأ من تغيير ذهنيتنا الاستهلاكية، والابتعاد عن منطق "التخزين خوفًا من الندرة" الذي يصنع الندرة بحد ذاته؟ وكيف يمكن فعلا ضمان الوفرة في الأسواق؟
التحكم في المخزونات وقطع الاحتكار وتقليل الوسطاء
مع اقتراب شهر رمضان المبارك، تدخل السوق الوطنية في الجزائر مرحلة حساسة تتسم بارتفاع الطلب على المواد الأساسية وتسارع وتيرة الاستهلاك، ما يجعل ضبط الأسعار وضمان الوفرة تحديًا اقتصاديًا واجتماعيًا في الوقت نفسه.
يقول الخبير الاقتصادي عبدالرحمان هادف، مستشار دولي في التنمية الاقتصادية، في إفادة لـ"الترا جزائر": "التجارب السابقة أظهرت أن المقاربة القائمة على التدخل الظرفي لم تعد كافية، والمطلوب اليوم تفعيل حزمة متكاملة من الآليات التنظيمية والاستباقية لضمان استقرار السوق وحماية القدرة الشرائية للمواطن".
ويضيف هادف أن اضطراب الأسعار في رمضان لا يرتبط بندرة حقيقية في الإنتاج بقدر ما يرتبط بخلل في تنظيم سلاسل التوزيع، وضعف التنسيق بين مختلف المتدخلين، وسلوكيات مضاربية تستغل الفجوة الزمنية بين العرض والطلب، ومن هنا، يؤكد الخبير، يجب إعادة هندسة أدوات التدخل العمومي بدل الاقتصار على تكثيف الرقابة التقليدية، التي غالبا ما تأتي بعد حدوث اختلالات في السوق.
أولى هذه الآليات هي التحكم الاستباقي في المخزونات الاستراتيجية للمواد واسعة الاستهلاك، سواء المنتَجة محليًا أو المستوردة، حسب المتحدث، فوجود مخزون كاف وموزع جغرافيًا يتيح امتصاص الصدمات الظرفية في الطلب ويحد من قدرة أي طرف على الاحتكار أو التلاعب بالأسعار، غير أن فعالية هذا الخيار مرتبطة بالشفافية في تسيير المخزون وسرعة ضخه في السوق عند الحاجة، ويشير هادف إلى أن أي تأخير أو ضعف في التواصل يؤدي مباشرة إلى ارتفاع الأسعار، حتى لو كانت المواد متوفرة على الأرض.
الخبير الاقتصادي عبدالرحمان هادف: التجارب السابقة أظهرت أن المقاربة القائمة على التدخل الظرفي لم تعد كافية، والمطلوب اليوم تفعيل حزمة متكاملة من الآليات التنظيمية والاستباقية لضمان استقرار السوق وحماية القدرة الشرائية للمواطن
ويبرز الخبير أهمية تنظيم مسارات التوزيع وتقليص عدد الوسطاء، إذ غالبًا ما يحدث تضخم الأسعار في هذه الحلقة بالذات، وتشمل الحلول الممكنة البيع المباشر من المنتج إلى تاجر التجزئة، تشجيع العقود المسبقة بين المنتجين والموزعين، وإعادة تفعيل دور مؤسسات التوزيع العمومية كفاعل منظم للسوق وليس مجرد متدخل ظرفي في لحظة الأزمة ويضيف:"إعادة تنظيم سلاسل التوزيع يمنع ظهور فجوات جغرافية، حيث قد تتوفر المواد في منطقة بينما تشهد منطقة أخرى ندرة مفاجئة تستغلها المضاربات".
أما الآلية الثالثة، فهي تعزيز أدوات الرقابة الذكية عبر الرقمنة، فالانتقال من الرقابة التقليدية إلى تتبع إلكتروني لمسارات التوزيع، مراقبة الفواتير، وتدفق السلع من المخازن إلى نقاط البيع، يسمح بالكشف المبكر عن الاختلالات والممارسات غير القانونية، ويقلص من منطق الردع اللاحق الذي غالبا ما يكون محدود الأثر.
وفي هذا السياق، يشدّد هادف على دور البيانات والذكاء الاقتصادي كأدوات أساسية لضبط السوق، لا مجرد وسيلة تقنية إضافية.
من جهة أخرى، يؤكد الخبير أن التنسيق المؤسساتي بين مختلف القطاعات، التجارة، الفلاحة، الصناعة، النقل، والجماعات المحليةعنصر حاسم في نجاح أي سياسة لضبط السوق، غياب هذا التنسيق يؤدي غالبا إلى وفرة في منطقة ونقص في أخرى، ما يفتح المجال لممارسات المضاربة الجغرافية، ويضعف ثقة المستهلكين في قدرة الدولة على التنظيم.
كما يشير هادف إلى أهمية إشراك المتعاملين الاقتصاديين في إنجاح هذه المقاربة، فالتزام المنتجين والموزعين بتسقيف طوعي للأسعار أو بالمشاركة في برامج تموين خاصة بشهر رمضان يعكس انتقال الدولة من منطق الإكراه إلى منطق الشراكة.
ويعتبر الخبير أن المبادرات التي يقودها القطاع الخاص تحت إشراف الدولة مؤشر إيجابي على نضج المنظومة الاقتصادية، ويخلق بيئة تفاعلية بين القطاعين العام والخاص تهدف إلى استقرار الأسعار والوفرة.
في المحصلة، يؤكد هادف أن ضبط السوق الوطنية في رمضان لا ينبغي أن يختزل في إجراءات موسمية أو حلول جزئية، بل يجب النظر إليه كاختبار حقيقي لقدرة الدولة على ترسيخ حوكمة اقتصادية فعالة تقوم على الاستباق، الشفافية، وتكامل الآليات. ويضيف: "إذا أُحسن استثمار هذه المرحلة، يمكن لشهر رمضان أن يتحول من فترة ضغط على السوق إلى فرصة لإرساء قواعد تنظيم دائم، تخدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي على المدى الطويل".
تحذيرات من الاستهلاك غير العقلاني
من جانبه، توقع المنسق العام لحماية المستهلك، فادي تميم، أن تساهم الأسواق الجوارية والمعارض التجارية الخاصة بشهر رمضان في استقرار أسعار المواد الغذائية وتعزيز وفرتها عبر مختلف المناطق ، داعيا في نفس الوقت المواطنين الى الاستهلاك العقلاني للمنتجات الأمر الذي يبقى -حسبه- عاملا حاسما في الحفاظ على توازن السوق ومنع أي اختلالات في التموين.
وفي هذا السياق، أوضح تميم في تصريح لـ" الترا جزائر " أن الأسواق الجوارية أصبحت خلال السنوات الأخيرة مرافقة للجزائريين في مختلف المناسبات، على غرار الدخول الاجتماعي وشهر رمضان والأعياد، بعد أن كانت في بدايتها ذات طابع صوري ومحدودة الانتشار، ولا تضم عددا كافيا من المنتجين، إضافة إلى بعدها النسبي عن المستهلكين والتجار.ذ
غير أن هذه الصيغة كما قال خضعت لاحقًا للتحيين عبر قرار فتح أسواق جوارية على مستوى كل مركز دائرة، وهو ما أحدث تحولا واضحا في الميدان وجعلها فضاءات تجارية نشطة تشهد اقبالا معتبرا
وأضاف تميم أن نقطة التحول الأساسية كانت سنة 2023، عقب اتفاق وزارة التجارة الداخلية مع المجلس الاقتصادي على تفعيل آلية تقوم على التخفيضات وتوسيع التمثيل التجاري في مختلف البلديات، سواء من خلال المتعاملين الاقتصاديين أو عبر منحهم هامش ربح محدد يسمح بتسويق السلع بأسعار منخفضة، فضلا عن إشراك المؤسسات الوطنية التي ساهمت بدورها في دعم العرض وإضفاء طابع تنافسي على الأسعار.
المنسق العام لحماية المستهلك، فادي تميم: الشراء غير العقلاني واللهفة في اقتناء السلع يمكن أن يتسببا في اختلالات ظرفية في السوق، رغم وفرة المنتجات، مشددا على أهمية ترشيد الاستهلاك والاقتناء حسب الحاجة الفعلية
كما أشار المتحدث إلى أنه تم في هذا الإطار ضخ كميات مضاعفة من المواد واسعة الاستهلاك، على غرار اللحوم الحمراء والزيت والحليب، بهدف تلبية الطلب وضبط السوق خلال الفترات التي تشهد ارتفاعًا في الاستهلاك، لا سيما في رمضان والمناسبات الكبرى.
وفي المقابل، حذر تميم من أن الشراء غير العقلاني واللهفة في اقتناء السلع يمكن أن يتسببا في اختلالات ظرفية في السوق، رغم وفرة المنتجات، مشددا على أهمية ترشيد الاستهلاك والاقتناء حسب الحاجة الفعلية.
وبخصوص الاسعار، توقع المنسق العام لمنظمة حماية المستهلك عدم تسجيل ارتفاع في أسعار المواد الاستهلاكية، خاصة المواد المقننة، نظرا لوضوح هوامش الربح المعتمدة فيها وآليات ضبطها، بينما لفت إلى أن أسعار الخضر والفواكه، باعتبارها منتجات موسمية، قد تعرف ارتفاعا خلال الأسبوع الأول، قبل أن تعود إلى مستوياتها الطبيعية مع تحسن العرض وتوسع التموين.
الكلمات المفتاحية
ارتفاع أسعار النفط.. فرصةٌ ذهبية للاقتصاد الجزائري لعدم تكرار أخطاء الماضي
تتابع الجزائر كغيرها من دول العالم باهتمام كبير التطورات الحاصلة في الشرق الأوسط التي تضغط يومًا بعد يوم على الاقتصاد العالمي، والذي ستكون له تأثيرات مباشرة على مختلف الاقتصاديات ومنها الاقتصاد الجزائري الذي يبدو في ظاهره أنه مستفيد من هذا الوضع بارتفاع أسعار النفط، لكن المتابعين يتخوفون من عدم الاستثمار في هذه الاستفادة الجزئية مثلما حدث في امتحانات نفطية سابقة.
"هُرمز" يُشعل أسعار النفط ويضغط على سلاسل الإمداد.. هكذا سيتأثر الاقتصاد الجزائري
في خضم التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، عاد مضيق هرمز إلى واجهة النقاش الاقتصادي العالمي بعد قرار غلقه منذ أيام، وهو الممر البحري الذي تمر عبره نسبة معتبرة من تجارة النفط والغاز في العالم.
لقاءات الثلاثية تعود.. قطيعة مع الممارسات السابقة واحتواء لانشغالات الجبهة الاجتماعية؟
قرّرت الحكومة العودة إلى تنظيم اجتماع الثلاثية الذي تلتقي فيه مع ممثلي العمال وأرباب العمل لدراسة مختلف الملفات الاجتماعية والاقتصادية، بعد انقطاع لسنوات بسبب الأخطاء التي ارتكبت في هذا الاجتماع خلال العقدين الماضيين.
طقس الجزائر.. أمطار غزيرة مُرتقبة اليوم في عدة ولايات
أفادت مصالح الأرصاد الجوية، بتساقط أمطار غزيرة خلال يومي الثلاثاء والأربعاء، مصحوبة أحيانًا بحبات البرد، تشمل عدداً من ولايات الوطن.
حوار | محمد فريمهدي: حين تُصبح التقنية والصورة أقوى من الإنسان.. نفقد جوهر الدراما
يختارُ بعض المُمثّلين في المشهد الفنّي الجزائريّ تشييد مسارهم الفنيّ بعيدًا عن ضجيج الانتشار السّريع، مُعتمدين على تراكم التّجربة وصرامة العمل. من هنا، يأتي محمد فريمهدي (1964) ضمن هذا الصّنف من الفنّانين الّذين شقّوا طريقهم بهدوء، متنقّلين بين المسرح والتّلفزيون والسّينما، مع الاحتفاظ بجذورٍ مسرحيّةٍ تُغذّي حضورهم على الشّاشة.
هذا موعد انطلاق أول رحلة للحجاج الجزائريين
كشف، المدير العام للديوان الوطني للحج والعمرة، طاهر برايك أنّ أول رحلة للحجاج لموسم 2026، ستنطلق يوم 29 أبريل/نيسان المقبل من مطار هواري بومدين الدولي بالجزائر العاصمة نحو البقاع المقدسة.