زيادات الشحن تعود من جديد.. قلق المستوردين وأسئلة المستهلكين مع مطلع 2026
16 يناير 2026
مع بداية سنة 2026، وجد المتعاملون الاقتصاديون في الجزائر أنفسهم أمام واقع جديد يطغى عليه القلق والترقب ، بعد تسجيل زيادات متتالية في تكاليف الشحن البحري والخدمات اللوجستية، زيادات أعادت طرح أسئلة جوهرية حول أسباب هذا الارتفاع المفاجئ: هل هو ظرف عابر مرتبط بتقلبات السوق العالمية، أم نتيجة تحولات أعمق في منظومة النقل البحري؟ وهل تعكس هذه الزيادات اختلالا مؤقتا في سلاسل الإمداد، أم أنها مؤشر على مرحلة جديدة من ارتفاع دائم في كلفة الاستيراد؟
تفاصيل الزيادات الجديدة
وحسب وثيقة صادرة عن مؤسسة "ماجيكو" المختصة في التخزين والمناولة والخدمات اللوجستية، تحوز "الترا جزائر" نسخة منها، قررت المؤسسة مراجعة ورفع أسعار عمليات استرجاع ووضع الحاويات الفارغة، ابتداء من تاريخ 18 جانفي/ كانون الثاني 2026.
وبحسب المذكرة الإعلامية المؤرخة في 14 جانفي 2026، فقد حدد سعر عملية استرجاع أو وضع حاوية من فئة 20 قدما عند 10 آلاف دينار جزائري دون احتساب الرسوم، فيما ارتفع سعر حاوية 40 قدما إلى 15 ألف دينار جزائري دون رسوم.
وأوضحت الوثيقة أن هذه التعريفات الجديدة ستُطبّق على جميع العمليات المنجزة ابتداءً من التاريخ المذكور، عبر مختلف مواقع المؤسسة، بما في ذلك المنطقة الصناعية برويبة، برج البحري ودار البيضاء بالجزائر العاصمة.

ويأتي هذا القرار في وقت يشهد فيه قطاع النقل البحري واللوجستيك ضغوطا متزايدة وارتفاعا في التكاليف، ما يثير مخاوف المتعاملين الاقتصاديين من انعكاس هذه الزيادات على نشاط الاستيراد وأسعار السلع.
وفي هذا السياق، يرى الوكيل الجمركي المعتمد محمد عبوط، في إفادة لـ"الترا جزائر"، أن الارتفاع في تكاليف الشحن البحري أصبح واضحًا مع بداية سنة 2026، مؤكدًا أن خبراء النقل البحري واللوجستيك يتوقعون تسجيل زيادات محسوسة في أسعار الشحن، خاصة من القارة الآسيوية وبالخصوص من الصين نحو الجزائر.
وأوضح عبوط أن سعر شحن حاوية 20 قدما بلغ خلال شهر جانفي ما بين 4.950 و6.050 دولارًا، مسجلا زيادة تقدر بنحو 18 بالمائة مقارنة بالشهر الماضي، فيما ارتفعت تكلفة شحن حاوية 40 قدمًا إلى ما بين 7.515 و9.185 دولارًا، أي بزيادة تقارب 25 بالمائة.
الوكيل الجمركي المعتمد محمد عبوط: خبراء النقل البحري واللوجستيك يتوقعون تسجيل زيادات محسوسة في أسعار الشحن، خاصة من القارة الآسيوية وبالخصوص من الصين نحو الجزائر
وأرجع الوكيل الجمركي هذه الزيادات إلى اقتراب رأس السنة الصينية خلال شهر جانفي، وما يرافقها من ارتفاع كبير في الطلب على الحاويات، إلى جانب زيادة تكاليف الوقود ورسوم التأمين، في ظل التوترات الجيوسياسية والحرب الدائرة في البحر الأحمر، والتي أثرت بشكل مباشر على سلاسل الإمداد العالمية.
وبحسب المتحدث، فإن هذه الظروف دفعت العديد من المستوردين إلى اللجوء إلى الشحن الجزئي (ال سي ال)، الذي يقوم على تجميع شحنات عدة متعاملين اقتصاديين داخل حاوية واحدة، باعتباره أقل تكلفة مقارنة بالحاويات الكاملة، مع التأكيد على أن الحجز المبكر أصبح ضرورة لضمان توفر السعة قبل الارتفاعات الموسمية.
وحذّر عبوط من أن استمرار هذه الزيادات من شأنه أن يجعل تكاليف الشحن مرتفعة جدًا، بما ينعكس سلبًا على أسعار المنتجات المستوردة، ويخلف تداعيات مباشرة على الخزينة العمومية، إضافة إلى تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، معتبرًا أن هذه الانعكاسات تمثل خطرًا حقيقيًا على الاقتصاد الوطني.
وشدد الوكيل الجمركي في ختام إفادته على ضرورة إعادة النظر في سياسة النقل البحري بالجزائر، ووضع إستراتيجية لوجستية واضحة تشمل مختلف الفاعلين في القطاع، بما يضمن الحفاظ على توازنات الخزينة العمومية والتخفيف من حدة الضغوط التي تواجه المتعاملين الاقتصاديين.
اضطرابات عالمية تضغط على أسعار الشحن البحري
من جهته يقول الخبير الاقتصادي حمزة جرايمي إنّ الارتفاع الحاد في أسعار الشحن البحري لا يمكن اختزاله في سبب واحد ظرفي، بل هو نتيجة تراكب معقّد لعوامل جيوسياسية وتجارية ولوجستية عالمية، جعلت سلاسل الإمداد أكثر هشاشة وأقل قدرة على امتصاص الصدمات.
استمرار هذه الزيادات من شأنه أن يجعل تكاليف الشحن مرتفعة جدًا، بما ينعكس سلبًا على أسعار المنتجات المستوردة، ويخلف تداعيات مباشرة على الخزينة العمومية، إضافة إلى تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، معتبرًا أن هذه الانعكاسات تمثل خطرًا حقيقيًا على الاقتصاد الوطني
ويؤكد جرايمي، في إفادة لـ"الترا جزائر"، أن الاضطرابات التي تشهدها عدة مناطق حساسة في العالم، على رأسها البحر الأحمر، شرق أوروبا، وبعض الممرات الآسيوية، دفعت شركات الشحن إلى تغيير مساراتها التقليدية، ما أطال زمن الرحلات ورفع تكاليف الوقود والتأمين وأجور الطواقم.
ويضيف الخبير أن الاحتفالات السنوية الصينية، خاصة رأس السنة القمرية، تمثل عاملًا دوريًا لكنه شديد التأثير على سوق الشحن، إذ تتوقف آلاف المصانع عن الإنتاج لأسابيع، ثم تعود بعدها للعمل بوتيرة مرتفعة لتعويض الطلبيات المتراكمة، ما يولد ضغطًا مفاجئًا على الحاويات والسفن في وقت زمني قصير. هذا الضغط، بحسب جرايمي، يتزامن هذا العام مع كثرة الطلب العالمي على الحاويات والناقلات، في ظل تعافٍ نسبي للتجارة الدولية، مقابل عرض محدود لم يتمكن من مواكبة هذا التسارع، سواء من حيث عدد السفن أو توفر الحاويات الفارغة في الموانئ.
ويذهب الخبير الاقتصادي أبعد من ذلك، معتبرًا أن من الأسباب العميقة لارتفاع الأسعار تركز سوق الشحن البحري في أيدي عدد محدود من التحالفات العالمية الكبرى، ما يقلل من حدة المنافسة ويمنح هذه الشركات قدرة أكبر على فرض زيادات سعرية، خاصة خلال فترات الاضطراب وعدم اليقين.
كما يشير إلى أن تشديد القوانين البيئية الدولية المتعلقة بخفض انبعاثات السفن وفرض أنواع وقود أقل تلويثًا، أدى بدوره إلى ارتفاع تكاليف التشغيل، وهو ما انعكس مباشرة على تسعيرة الشحن.
أما عن انعكاسات هذه الزيادات على الأسعار، فيوضح جرايمي أن كلفة الشحن أصبحت تشكل جزءا متناميا من السعر النهائي للسلع المستوردة، خصوصا المواد الغذائية، المعدات الصناعية، وقطع الغيار، ما قد يساهم في تغذية التضخم المستورد ويضغط على القدرة الشرائية للمستهلك, وفي حالة الدول المعتمدة بشكل كبير على الاستيراد، مثل الجزائر، فإن هذا الارتفاع لا ينعكس فقط على أسعار الاستهلاك، بل يمتد أيضا إلى تكاليف الإنتاج المحلي المرتبط بالمواد الأولية ومستلزمات التصنيع المستوردة.
الخبير الاقتصادي حمزة جرايمي: الاضطرابات التي تشهدها عدة مناطق حساسة في العالم، على رأسها البحر الأحمر، شرق أوروبا، وبعض الممرات الآسيوية، دفعت شركات الشحن إلى تغيير مساراتها التقليدية، ما أطال زمن الرحلات ورفع تكاليف الوقود والتأمين وأجور الطواقم
ويشير جرايمي كذلك إلى أن أحد العوامل غير المرئية للرأي العام يتمثل في ارتفاع تكاليف التمويل البحري، حيث أصبحت شركات الشحن تواجه فوائد أعلى على القروض المخصصة لاقتناء السفن أو صيانتها، في ظل تشديد السياسات النقدية العالمية.
هذا الارتفاع في كلفة التمويل، يقول الخبير، يرحل مباشرة إلى الزبون النهائي عبر زيادات إضافية في أسعار الشحن، ما يجعل السوق أكثر حساسية لأي اضطراب مالي عالمي.
كما يلفت إلى أن تذبذب أسعار التأمين البحري، خصوصا في المناطق المصنفة عالية المخاطر، أصبح عنصرًا ضاغطًا إضافيًا، إذ تضاعفت أقساط التأمين على السفن والبضائع في بعض الممرات الاستراتيجية، ما أجبر المتعاملين على إعادة احتساب تكاليفهم بشكل متواصل. ويرى جرايمي أن هذا العامل، رغم طابعه التقني، يلعب دورًا محوريًا في تضخيم فاتورة الشحن.
وفي ما يخص الحلول، يرى الخبير الاقتصادي أن خفض الأسعار لا يمكن أن يكون آنيًا، لكنه ممكن عبر جملة من الإجراءات، أبرزها تنويع مصادر التوريد، تشجيع التعاقدات طويلة المدى بدل الشحن الفوري، وتطوير الموانئ الوطنية لتقليص زمن المكوث وتكاليف المناولة.
كما يدعو إلى دعم الأسطول البحري الوطني، وتعزيز التنسيق الإقليمي لتأمين خطوط شحن بديلة أقل كلفة، إلى جانب رقمنة سلاسل الإمداد وتحسين التخطيط المسبق للطلبيات، معتبرا أن المعالجة الهيكلية تظل السبيل الوحيد لتقليص هشاشة الاقتصاد أمام تقلبات الشحن العالمي.

الكلمات المفتاحية

اقتراض الجزائر من البنك الإفريقي.. من عقدة التسعينات إلى خيار في 2026
منذ أزمة المديونية في سنوات التسعينات، تبنت الجزائر مقاربةً حذرةً، بل متشددةً أحيانًا، تجاه الاستدانة الخارجية، بعدما ارتبطت تلك المرحلة بتدخل صندوق النقد الدولي وفرضه برامج تكييف هيكلي وإملاءات صارمة مست جوانب حساسة من الاقتصاد الوطني، من تقليص النفقات وتسريح العمال إلى غلق مؤسسات عمومية، تلك التجربة تركت أثرًا عميقًا في الذاكرة الاقتصادية والسياسية للبلاد، وجعلت مبدأ الاقتراض الخارجي يقابل برفض…

بعد إخفاقات متكررة.. هل تنجح الجزائر أخيرًا في إصلاح منظومة الدعم الاجتماعي؟
يشكّل إصلاح منظومة الدعم الاجتماعي في الجزائر أحد أبرز الملفات الاقتصادية والاجتماعية التي طال انتظار حسمها، بعد سنوات من المحاولات التي لم تحقق النتائج المرجوة. فرغم ما رُصد من موارد مالية ضخمة لضمان استقرار القدرة الشرائية وحماية الفئات الهشة، إلا أن آليات الدعم التقليدية أفرزت اختلالات كبيرة، أبرزها استفادة غير مستحقي الدعم، وتبديد الموارد، وتراجع فعالية السياسات الاجتماعية.

زيارات بلا قروض.. ما الذي يبحث عنه صندوق النقد الدولي بالجزائر؟
حلّت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا بالجزائر يومي الأربعاء والخميس 4 و5 فيفري/ شباط، حيث التقت رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون وعددا من المسؤولين الحكوميين، ضمن برنامج زيارة رسمي يندرج ضمن نشاطات الصندوق الدورية مع الدول الأعضاء، وشهدت اللقاءات بحث ملفات اقتصادية متعددة، دون أن ترتبط بأي برامج تمويل أو طلبات اقتراض، في مؤشر واضح على طبيعة العلاقة القائمة على التقييم…

رمضان 2026 في الجزائر.. وفرة في السلع و"لهفة" تربك السوق كل عام
مع اقتراب شهر رمضان، تبدأ الحكاية نفسها كل عام، قبل أسابيع من أول يوم صيام، تتغير ملامح المدن، لافتات التخفيضات ترتفع، الشاحنات تدخل الأسواق محملة باللحوم والدواجن، الخضر ترص بعناية أكبر، وتُفتح "الأسواق الجوارية" كوعود رسمية برمضان هادئ بلا ندرة ولا مضاربة

تحسبًا لرمضان.. فتح استثنائي لمكاتب بريد الجزائر هذا الجمعة
أوضحت المؤسسة في بيان أنّ "فتح مكاتب البريد يكون اليوم 13 فبراير/شباط بداية من الساعة الثامنة صباحًا إلى غاية الثانية عشرة ظهرًا.

طقس الجزائر.. رياح قوية تصل إلى 100 كلم/سا تضرب عدة ولايات
أوضحت مصالح الأرصاد أنّ "الرياح ستكون غربية شمالية غربية، وتتراوح سرعتها من 60 إلى 70 كلم/سا زقد تصل إلى 100/90 كلم/سا، ابتداء ممن الساعة الثالثة مساء، وتستمر إلى غاية يوم السبت.

ما هي الولايات الأولى المعنية بالحافلات المُستوردة؟
الوزير أوضح في جلسة علنية بالمجلس الشعبي الوطني أن المرحلة المقبلة ستشمل توزيع هذه الحافلات عبر أربع ولايات من شرق الوطن، ضمن خطة وطنية تستهدف معالجة الاختلالات المسجلة في قطاع النقل الجماعي.

