زيارات بلا قروض.. ما الذي يبحث عنه صندوق النقد الدولي بالجزائر؟
8 فبراير 2026
حلّت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا بالجزائر يومي الأربعاء والخميس 4 و5 فيفري/ شباط، حيث التقت رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون وعددًًا من المسؤولين الحكوميين، ضمن برنامج زيارة رسمي يندرج ضمن نشاطات الصندوق الدورية مع الدول الأعضاء، وشهدت اللقاءات بحث ملفات اقتصادية متعددة، دون أن ترتبط بأي برامج تمويل أو طلبات اقتراض، في مؤشر واضح على طبيعة العلاقة القائمة على التقييم والمتابعة أكثر من التمويل.
تكتسي هذه الزيارات أهمية خاصة في ظل استمرار الجزائر في خيارها بعدم اللجوء إلى الاقتراض الخارجي، حيث شدد وزير المالية عبد الكريم بو الزرد خلال مناقشة قانون المالية لسنة 2026 على أن تمويل العجز، إذا وجد، يعتمد بالكامل على موارد داخلية
ولا تعد هذه الزيارة الأولى، إذ سبق لبعثات متعددة من صندوق النقد الدولي أن حلت بالجزائر خلال السنوات الماضية، والتقت مسؤولين حكوميين وبرلمانيين، وعقدت جلسات مع ممثلي مؤسسات اقتصادية وهيئات رسمية، وتشمل هذه المتابعات تقييم السياسات المالية والنقدية، مراقبة أسواق العمل، دراسة أداء الاستثمار والإصلاحات الهيكلية، وتحليل التطورات الاقتصادية الكبرى، وهو ما يجعل الجزائر حاضرة باستمرار على خريطة الاهتمام الدولي، لا سيما في ظل موقعها الاقتصادي الاستراتيجي ودورها كمزود طاقة مهم لأوروبا واستقرارها الإقليمي.
وتكتسي هذه الزيارات أهمية خاصة في ظل استمرار الجزائر في خيارها بعدم اللجوء إلى الاقتراض الخارجي، حيث شدد وزير المالية عبد الكريم بو الزرد خلال مناقشة قانون المالية لسنة 2026 على أن تمويل العجز، إذا وجد، يعتمد بالكامل على موارد داخلية، هذا الواقع يطرح عدة تساؤلات حول أسباب اهتمام صندوق النقد الدولي بالاقتصاد الجزائري في غياب برامج تمويل، وما الذي يمكن أن تجنيه الجزائر من هذه العلاقة بعيدا عن القروض، سواء على مستوى تحسين التقييم الدولي، أو الاستفادة من الخبرات التقنية، أو تعزيز موقعها الإقليمي والدولي؟
صندوق النقد الدولي يجمع معطيات حول الجزائر
أكد الخبير الاقتصادي بجامعة كندا، حمزة جرامي، أن اهتمام صندوق النقد الدولي بالاقتصاد الجزائري لا يرتبط إطلاقًا بأي برامج اقتراض أو ضغوط مالية، بل يندرج في إطار المهام الأساسية التي تأسس الصندوق من أجلها، والمتمثلة في متابعة التطورات الاقتصادية العالمية ورصد أداء اقتصاديات الدول الأعضاء، في إطار الاتفاقيات الدولية الناظمة لعمله.
وأوضح جرامي، في تصريح لـ"الترا جزائر"، أن الجزائر تُصنف اليوم ضمن أكبر الاقتصاديات الإفريقية، كما تُعد مصدرًا استراتيجيًًا للغاز نحو أوروبا وعدد من الدول خارج القارة، فضلًا عن دورها المحوري في استقرار المنطقة من خلال علاقاتها المتوازنة مع مختلف القوى الدولية، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يجعلها محل متابعة دائمة من المؤسسات المالية الدولية.
وأشار المتحدث إلى أن المادة الرابعة من اتفاقية صندوق النقد الدولي تنص بوضوح على إجراء مشاورات دورية وتقديم تقارير سنوية حول الوضعيات الاقتصادية للدول الأعضاء، حتى في غياب أي برامج تمويل أو اقتراض، مؤكدًا أن هذه التقارير تهم الاقتصاديين وصناع القرار بالدرجة الأولى، لما تتضمنه من تحليل للسياسات المالية، وأسواق الصرف، ومستويات النمو والاستثمار.
الخبير الاقتصادي بجامعة كندا، حمزة جرامي: التحولات الكبرى تخضع عادة لمتابعة دقيقة من طرف صندوق النقد الدولي، الذي يسعى إلى فهم مسارات الإصلاح والاستفادة من التجارب الناجحة، خاصة في ظل ما تعرفه بعض الاقتصاديات العالمية من اختلالات في ميزان المدفوعات
وشدد جرامي على أن توصيات الصندوق تبقى غير ملزمة، لا سيما بالنسبة للدول التي ترفض الاستدانة الخارجية، مثل الجزائر، معتبرا أن الأمر يتعلق بدور استشاري تقني أكثر منه أداة ضغط، خاصة في اقتصاديات تملك هامش سيادة مالية معتبرة.
وفي السياق ذاته، أبرز الخبير الاقتصادي أن الجزائر تمر بمرحلة تحول هيكلي في نموذجها الاقتصادي، بالانتقال من الاعتماد شبه الكلي على المحروقات إلى تثمين ثروات أخرى، على غرار الحديد والفوسفات والهيدروجين الأخضر، إلى جانب تطوير الفلاحة، وتصنيع مواد البناء، وتعزيز الصناعات التحويلية، فضلًا عن إصلاحات تمس المالية العمومية والمؤسسات الاقتصادية.
وأضاف أن مثل هذه التحولات الكبرى تخضع عادة لمتابعة دقيقة من طرف صندوق النقد الدولي، الذي يسعى إلى فهم مسارات الإصلاح والاستفادة من التجارب الناجحة، خاصة في ظل ما تعرفه بعض الاقتصاديات العالمية من اختلالات في ميزان المدفوعات، ما يدفع الصندوق إلى البحث عن معطيات رسمية دقيقة حول الاقتصادات التي تُظهر مؤشرات صمود وتحسن.
وفي هذا الإطار، اعتبر جرامي أن الجزائر يمكنها الاستفادة من تقارير ذات مصداقية دولية يصدرها الصندوق، مشيرا إلى أن تقاريره الأخيرة تحدثت عن تحسن في سوق الشغل، وارتفاع الإنتاج، وتنامي الاستثمار، وهي معطيات توظفها الجزائر لتعزيز موقعها الاقتصادي والدفاع عن خياراتها في المحافل الدولية.
وأكد المتحدث أن دور الصندوق يظل استشاريا بحتا، يقدم خبرة تقنية وتحليلات مجانية، ويمكن أن يساهم بشكل غير مباشر في تحسين التصنيف الائتماني للدول التي تُظهر استقرارا ماليا وإصلاحات متواصلة.
وختم الخبير الاقتصادي تصريحه بالتذكير بأن الجزائر، منذ قرار الرئيس الأسبق اليامين زروال منع اللجوء إلى صندوق النقد الدولي، حافظت على خيار السيادة المالية، موضحًا أن العلاقة الحالية تندرج في إطار الاطلاع والتشاور وتبادل الرؤى حول توجهات الاقتصاد العالمي، مؤكدًا أن اهتمام الصندوق بالاقتصاد الجزائري ليس علامة ضعف، بل اعتراف بأهميته ومكانته، خاصة وأن كل التوصيات المقدمة تبقى غير ملزمة وتحترم القرار السيادي للدولة.
هذه خلفيات بعثات "الأفامي"
وفي سياق ذي صلة، يقول الخبير الاقتصادي أحمد الحيدوسي في تصريح لـ"الترا جزائر" إن زيارة مسؤولي صندوق النقد الدولي للجزائر تأتي في إطار مشاورات المادة الرابعة، التي تلزم جميع أعضاء الصندوق البالغ عددهم 92 دولة على الأقل باستقبال مسؤولي هذه الهيئة الدولية لتقييم الأداء الاقتصادي الكلي لكل دولة.
وأضاف الحيدوسي أن هذه الزيارة تعكس أيضا الديناميكية الاقتصادية والأهمية الاستراتيجية للجزائر على الصعيدين الإقليمي والدولي.
وأوضح الخبير أن الجزائر تحتل المرتبة الثالثة في أفريقيا من حيث الوزن الاقتصادي، كما أنها تتميز بعلاقات وثيقة مع أوروبا في المجال الطاقي، كونها مزودًا مهمًا للطاقة ومستقرا في عقود طويلة الأجل تربطه بأسواقها الأوروبية الرئيسية،ويشير الحيدوسي إلى أن هذه العوامل تشكل دليلًا على موقع الجزائر المحوري في أفريقيا ومنطقة البحر المتوسط.
وأشار محدث "الترا جزائر" إلى أن مسؤولة الصندوق الدولي لاحظت بنفسها الديناميكية الاقتصادية التي تعرفها الجزائر، وهو ما يعكس قدرة البلاد على الاستفادة من الخبرات والممارسات الدولية لتعزيز استقرارها الاقتصادي، مضيفًا أن هذه الزيارة لا تقتصر على تقييم الأرقام الاقتصادية فقط، بل تتضمن أيضًا تحليلًا معمقا للسياسات الاقتصادية والاستثمارية، والاطلاع على مدى فعالية الإصلاحات المالية والاجتماعية التي تنفذها الدولة، وهو ما يعطي المسؤولين فرصة لرصد التجربة الجزائرية على أرض الواقع وتقديم توصيات عملية قائمة على المعطيات الحقيقية.
الخبير الاقتصادي أحمد الحيدوسي: المشاورات والتوصيات التي يقدمها صندوق النقد الدولي غير إلزامية، ويمكن للجزائر اختيار ما يتماشى مع رؤيتها وأهدافها الاقتصادية، لتبقى المشاورات نصائح قيمة يمكن الاستفادة منها دون أي التزام رسمي
ومن ناحية أخرى، يوضح الحيدوسي أن مصلحة الجزائر من هذه الزيارة تتجلى في دعم استقرار السياسة الاقتصادية الكلية، خصوصا في شمال أفريقيا، وكون الجزائر تعتبر “بوابة البحر المتوسط” ضمن منطقة استراتيجية على الصعيد الدولي.
ويضيف أن المشاورات والتوصيات التي يقدمها صندوق النقد الدولي غير إلزامية، ويمكن للجزائر اختيار ما يتماشى مع رؤيتها وأهدافها الاقتصادية، لتبقى المشاورات نصائح قيمة يمكن الاستفادة منها دون أي التزام رسمي.
وحسب تصريحات الحيدوسي فان زيارة مسؤولي صندوق النقد الدولي تمثل فرصة للجزائر لتعزيز مكانتها الاقتصادية الإقليمية والدولية، والاستفادة من الخبرات العالمية في مجالات الاستقرار المالي والسياسة الاقتصادية الكلية.
"جيل جديد" يتساءل عن تغير اللهجة مع "الأفامي"
من جهته، علق حزب "جيل جديد" على زيارة مديرة صندوق النقد الدولي إلى الجزائر عبر صفحته الرسمية على فيسبوك، متسائلًا عن سبب هذا التحول في لهجة الحكومة تجاه "الأفامي"، بعد أن كانت تقدم في السنوات السابقة هذه الهيئة الدولية بتقييم أكثر حذرا ، ثم أصبح مسؤولوها يستقبلون اليوم بشكل يدل على اهتمام الدولة بمصداقية الاقتصاد الوطني، دون أن يُوضح للجمهور سبب هذا التغيير.
جيل جديد: بناء اقتصاد قوي لا يكون في البلاغات الرسمية فقط، بل في واقع حياة المواطنين
وطالب الحزب بفتح "حوار اقتصادي صادق، شفاف، ومسؤول"، مؤكدا على أهمية وجود "مؤسسات قوية، وسياسات عمومية قابلة للقياس، وقبل كل شيء، خطاب سياسي يحترم ذكاء المواطنين".
وأوضح الحزب أن هذه الشروط هي التي تجعل فعليًا "أسس الاقتصاد الجزائري متينة"، ليس في البلاغات الرسمية فقط، بل في واقع حياة المواطنين.
وأشار الحزب إلى أن الالتزام بهذه الرؤية يعزز ثقة المواطنين في الإدارة الاقتصادية للدولة، ويحول الإصلاحات الاقتصادية إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن الجزائري يوميا، ويعزز التقدير للمؤسسات الوطنية.
الكلمات المفتاحية
ارتفاع أسعار النفط.. فرصةٌ ذهبية للاقتصاد الجزائري لعدم تكرار أخطاء الماضي
تتابع الجزائر كغيرها من دول العالم باهتمام كبير التطورات الحاصلة في الشرق الأوسط التي تضغط يومًا بعد يوم على الاقتصاد العالمي، والذي ستكون له تأثيرات مباشرة على مختلف الاقتصاديات ومنها الاقتصاد الجزائري الذي يبدو في ظاهره أنه مستفيد من هذا الوضع بارتفاع أسعار النفط، لكن المتابعين يتخوفون من عدم الاستثمار في هذه الاستفادة الجزئية مثلما حدث في امتحانات نفطية سابقة.
"هُرمز" يُشعل أسعار النفط ويضغط على سلاسل الإمداد.. هكذا سيتأثر الاقتصاد الجزائري
في خضم التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، عاد مضيق هرمز إلى واجهة النقاش الاقتصادي العالمي بعد قرار غلقه منذ أيام، وهو الممر البحري الذي تمر عبره نسبة معتبرة من تجارة النفط والغاز في العالم.
لقاءات الثلاثية تعود.. قطيعة مع الممارسات السابقة واحتواء لانشغالات الجبهة الاجتماعية؟
قرّرت الحكومة العودة إلى تنظيم اجتماع الثلاثية الذي تلتقي فيه مع ممثلي العمال وأرباب العمل لدراسة مختلف الملفات الاجتماعية والاقتصادية، بعد انقطاع لسنوات بسبب الأخطاء التي ارتكبت في هذا الاجتماع خلال العقدين الماضيين.
طقس الجزائر.. أمطار غزيرة مرتقبة اليوم في عدة ولايات
أفادت مصالح الأرصاد الجوية، بتساقط أمطار غزيرة خلال يومي الثلاثاء والأربعاء، مصحوبة أحيانًا بحبات البرد، تشمل عدداً من ولايات الوطن.
حوار | محمد فريمهدي: حين تُصبح التقنية والصورة أقوى من الإنسان.. نفقد جوهر الدراما
يختارُ بعض المُمثّلين في المشهد الفنّي الجزائريّ تشييد مسارهم الفنيّ بعيدًا عن ضجيج الانتشار السّريع، مُعتمدين على تراكم التّجربة وصرامة العمل. من هنا، يأتي محمد فريمهدي (1964) ضمن هذا الصّنف من الفنّانين الّذين شقّوا طريقهم بهدوء، متنقّلين بين المسرح والتّلفزيون والسّينما، مع الاحتفاظ بجذورٍ مسرحيّةٍ تُغذّي حضورهم على الشّاشة.
هذا موعد انطلاق أول رحلة للحجاج الجزائريين
كشف، المدير العام للديوان الوطني للحج والعمرة، طاهر برايك أنّ أول رحلة للحجاج لموسم 2026، ستنطلق يوم 29 أبريل/نيسان المقبل من مطار هواري بومدين الدولي بالجزائر العاصمة نحو البقاع المقدسة.