ضربُ النّساء والقُصّر في الجزائر .. بين العُنف والمصالحة القسرية وتحقيق العدالة
25 أغسطس 2025
في قلب النّقاشات المجتمعية الحادّة الّتي تعصف بالمجتمع الجزائريّ في كلّ مرّة، خاصّة عندما تُثار بشكل كثيف عبر مواقع التّواصل الاجتماعيّ، يستمرّ مسلسل العنف على شكل حلقات مكرّرة ذات مشاهد أصبحت -للأسف- اعتيادية، فتغدو قضايا العنف ضدّ النّساء والقُصّر من أكثر الأحداث شيوعًا، ثمّ تتقاطع مع فرضٍ قسري للعادات، استغلال الدّين، وتماطل النّظُم القضائية.
اهتز الرّأي العام خلال الأيّام الماضية، على وقع فيديو انتشر بشكل واسع على مختلف المنصّات، حيث وثّق اعتداءً عنيفا تعرّضت له سيّدة وابنها القاصر على يد رجل في بلدية "تلموني" بولاية "سيدي بلعباس" غرب الجزائر
في الجزائر، كما في الكثير من الدّول ذات "البنية الاجتماعية التّقليدية"، لا تزال النّساءُ والقصّر ضحايا العنف يواجهون عوائق مزدوجة؛ عنف المعتدي من جهة، وضغط المجتمع من جهة أخرى. المجتمع الّذي يسعى في كلّ مرّة إلى إسكاتهم باسم "الصّلح" أو "الحفاظ على السِّلمِ المجتمعيّ".
إنّ الواقعة الّتي وَثّقت اعتداءً جسديًا على امرأة وابنها القاصر، وما تبعها من محاولة لفرض مصالحة داخل منزلها وبحضور المعتدي، طرحت سؤالاً مهمًّا:
كيف نوازن بين احترام التّقاليد والأخلاق وأصول المصالحة وبين تحقيق العدالة؟ وما السّبيل إلى منع تحوّل هذه المصالحة من أداة ضبط اجتماعي إلى وسيلة لإفلات المعتدين من العقاب؟
دعونا ننظر الى هذه القضية من الزّاوية الأخلاقية، القانونية، النّفسية والدّينية، في محاولةٍ لفهم سياق هذا النّوع من الاعتداءات، تحليل الخلل فيها، والدّعوة إلى تصوّر أكثر إنصافًا لحقوق ضحايا العنف المستضعفين في الجزائر.
وقائع الاعتداء ومراحل الإسكات
اهتز الرّأي العام خلال الأيّام الماضية، على وقع فيديو انتشر بشكل واسع على مختلف المنصّات، حيث وثّق اعتداءً عنيفا تعرّضت له سيّدة وابنها القاصر على يد رجل في بلدية "تلموني" بولاية "سيدي بلعباس" غرب الجزائر، في حادثة بدت وكأنها ذات خلفيات خلافية سابقة.
لقد أثارت تلك المشاهد المؤلمة موجة غضب كبيرة بين المواطنين، غير أنّ ما زاد من صدمتهم حقيقةً، كان إقامة جلسة صلح بين الضّحية والمعتدي، حيثُ نُظِّمت داخل بيتها وبحضوره، من خلال جمعية محلية من دون أيّ سندٍ قانونيّ، ما زاد من شعورها بالظّلم والتّهميش.
بعد الحادثة، تداولت عدة صفحات إعلان السيدة فاطمة، المرأة التي تعرّضت لهذا الاعتداء رفقة ابنها القاصر، عن عزمها التقدّم الأحد 24 آب/ أوت أمام وكيل الجمهورية بزفيزف للمطالبة بتحقيق العدالة.
وفقاً لصفحة " TBD Dzair" النَّسَوية الّتي قامت بالتّواصل مع الضّحية ومساندتها واقتراح محامية للدّفاع عنها، فإنّ فاطمة لم تعانِ فقط من العنف الكبير الذي وُثّق بالفيديو وتم تداوله على نطاق واسع، بل واجهت أيضا ضغوط كبيرة من محيطها بغرض ثنيها عن المطالبة بحقوقها القانونية.
طرح هذا الوضع أسئلةً كثيرَةً حول كيفية تعامل المجتمع الجزائريّ، المحيط العائلي والقضاء مع العنف ضدّ النّساء والقصّر
رغم موقفها المبدئيّ، كشفت فاطمة عبر اتّصال مع صاحبة الصّفحة المتضامنة ليلة قبل إعلانها العودة للمطالبة بحقّها، عن نيتها التّنازل عن الشّكوى والتّعامل مع المبادرة المحلية، وذلك بعد زيارة مجموعة من الأشخاص لمنزلها، حيث مارسوا ضغوط قوية على زوجها وأغروه بالمال، ما جعله يرغمها -حسب تعبيرها- على الاتّصال والتّراجع عن دعواها.
لاحقا، أشاعتِ العديد من الصّفحات على مواقع التّواصل الاجتماعي خبر إيداع المعتدي الحبس، لكنّ الأمر الذي حصل كان مثول الضحية والمعتدي أمام المحكمة لسماع أقوالهما، وتأجيل القضية إلى أواخر شهر سبتمبر دون إيداع المتهم، حيث عادا إلى مسكنهما بعد سماع أقوالهما، حسب المصدر ذاته.
من هذا المُنطلق، طرح هذا الوضع أسئلةً كثيرَةً حول كيفية تعامل المجتمع الجزائريّ، المحيط العائلي والقضاء مع العنف ضدّ النّساء والقصّر المستضعفين، وحول توظيف الدّين والعادات المجتمعية بشكل يفرغ العدالة من معناها.
جريمة مزدوجة ومكتملة
لم يطَل فعل الضّرب المرأة فقط، بل شمل أيضاً طفلاً قاصرا، ما جعله اعتداءً مضاعفا على شخصين من بين واحد، ووفقاً للقانون الجزائري، فإنّ العنف الجسديّ يُعاقَب عليه، وتتضاعف العقوبات في حال استهداف الأطفال أو الأشخاص في وضع هشّ.
هذا النوع من العنف، عندما يُمارَس ضمن إطار يُفترض به أن يكون آمنًا وحاميًا، يولّد شعورًا دائمًا بعدم الأمان، وخوفًا مستمرًا، وأحيانًا إحساسًا بالذنب لدى الضحية
في الواقع، لا يخصّص القانون الجزائري قانونا شاملاً للعنف ضدّ المرأة والقصّر، لكنّ قانون العقوبات المعدّل سنة 2015، وقانون الأسرة المعدّل سنة 2005، حدّدا عقوبات على مختلف أشكال العنف الأسري والجسدي والجنسي، بما في ذلك الضرب والجرح والتحرش الجنسي، حيث تُشدَّدُ العقوبات في حالة وقوع العنف ضد قاصر، أو امرأة ضعيفة، أو مريضة، أو معاقة، أو حامل.
في هذه الواقعة، وُثّقت الاعتداءات بالصوت والصورة وكانت واضحة للعيان، ما يفرض تلقائياً متابعة قضائية دون أيّ مجال للمصالحة أو التّسوية.
المصالحة المفروضة.. عدالة مُشوّهة
إنّ محاولة تنظيم جلسة صلح داخل بيت الضّحية وبحضور المعتدي تمثّل ممارسة منتشرة في المجتمع، لكنّها تُعد خطرا أخلاقيا وقانونيا، فغالباً ما تُبرَّرُ هذه الجلسات بالرّجوع إلى الموروث الدّينيّ أو الاجتماعيّ، لكنّها في الواقع تُقلّل من فظاعة الجريمة وتضغط على الضّحية للتّسامح على حساب أمنها وكرامتها.
وجب التّأكيد هنا، أنّ المصالحة لا يمكن أن تُفرض، لا سيما في حالات يكون فيها الطّرف المتضرر في وضع ضعف، لأنّ العدالة الحقيقية تُبنى على احترام حقوق الضّحية، ومساءلة المعتدي أمام القانون.
الأثر النّفسي للاعتداء والمصالحة القسرية
إنّ الاعتداء الجسدي الذي تعرّضت له امرأة وطفلها القاصر لا يخلّف آثارًا ظاهرة فحسب، بل يسبّب أيضًا صدمات نفسية عميقة.
وبحسب المتخصّصين في علم النفس، فإن هذا النوع من العنف، عندما يُمارَس ضمن إطار يُفترض به أن يكون آمنًا وحاميًا، يولّد شعورًا دائمًا بعدم الأمان، وخوفًا مستمرًا، وأحيانًا إحساسًا بالذنب لدى الضحية.
أما بالنسبة للطفل، الذي يكون شاهدًا وضحية في آنٍ معًا، فقد تكون العواقب أشدّ وقعًا: اضطرابات في التعلّق، قلق مزمن، أرق، وفقدان الثقة بالراشدين.
ويزداد الأمر خطورة عندما تُفرَض محاولة "مصالحة" مع المعتدي، إذ تعمّق هذه الخطوة الجرح النفسي وتضاعف الإحساس بالظلم والتخلي. إنّ مواجهة المعتدي مجددًا، في ظروف غير آمنة وتحت ضغط اجتماعي أو عائلي، تُعدّ امتدادًا للعنف نفسه. لذلك، يرى المختصون في الصحة النفسية أن مثل هذه الممارسات لا تُسهم في الشفاء، بل تعيد تفعيل الصدمة، وتنكر معاناة الضحية وتلغي صوتها.
وقد تؤدّي المصالحة القسرية إلى آثار نفسية طويلة الأمد، مثل الاكتئاب، العزلة، وانخفاض تقدير الذّات، وحتى إلى اضطراب ما بعد الصّدمة.
لذلك، فإنّ حماية الضّحايا لا تقتصر على الجانب القانونيّ، بل تقتضي أيضًا توفير بيئة إنصات نفسية آمنة، تحترم إرادتهم، ولا ترفض استخدام الدّين أو التّقاليد كأدوات لقمع معاناتهنّ أو فرض التّسامح القسري عليهنّ.
استخدام الدّين والتّقاليد بشكل مزيّف
في كثير من الأحيان، يُستغل الدّين والعادات لتبرير ممارسات تخدم المعتدين وإسكات الضّحايا. فالإسلام دين يدعو إلى العدل، الرّحمة، ونصرة الضّعفاء، غير أنّ هذه المبادئ تُحرّف أحياناً لتُستخدم في فرض مصالحة شكلية باسم السّلم الاجتماعي أو الحفاظ على العلاقات، أو "شرف المرأة".
من المهمّ التّمييز بين تعاليم الدّين الصّحيحة وبين تأويلات ثقافية تُكرّس الظّلم. لهذا، تقع المسؤولية على رجال الدّين والقادة المجتمعيّين في دعم الضّحايا ورفض كلّ تبرير للعنف.
دور الدّولة والمؤسّسات القضائية
في الحالات العادية، تضمن الدّولة الجزائرية الحماية الكاملة لمواطنيها، خاصّة للفئات الأكثر هشاشة، ما يعني التّطبيق الفعليّ للقوانين وضمان الوصول للعدالة. لهذا، يتوجّب على النّظام القضائيّ أن يكون مستقلاً، محصّناً من الضّغوط الاجتماعية أو التقليدية التي تعيق سير العدالة.
في هذه القضية، تُعدّ محاولة فرض جلسة صلح داخل بيت الضحية وبوجود الجاني خرقاً صارخاً لحقوقها، ويجب على السلطات التحقيق في ملابسات ما جرى لمنع تكراره مستقبلاً.
نحو عدالة متوازنة تُنصف الضحايا
إنّ قضية الاعتداء على هذه المرأة وطفلها في الجزائر تعيدنا إلى التّحديات الكبرى الّتي يواجهها ضحايا العنف في المجتمع، كما تسلّط الضّوء على حاجة ماسّة لإصلاح عميق في الممارسات الاجتماعية والقضائية، بما يكفل تحقيق العدالة بشكل كامل احتراما لحقوق الإنسان مهما كانت صفته أو جنسه.
لهذا، يتعيّن على السّلطات الجزائرية اتّخاذُ خطواتٍ جدّية لتعزيز حماية الضّحايا المستضعفين في المجتمع، من خلال تطبيق القوانين وتطويرها، إضافة إلى تطبيقها الصّارم، وتوعية المجتمع بحقوق النّساء والقصّر؛ فلا يمكن أن تكون المصالحة بديلاً عن المحاسبة، خاصّة عندما يكون المعتدى عليه أمام ضغوطات من كل جهة، ومخيّرا بين كرامته وسلامته المهدّدة.
الكلمات المفتاحية
التغيرات المناخية والفيضانات.. امتحانٌ للبنية التحتية بالجزائر
مع كل اضطراب جوي تشهده الجزائر، تعود مشاهد الفيضانات والسيول لتفرض نفسها بقوة على واجهة الأحداث، وتقديم حصاد مؤقت بالأرقام لتدخلات فرق الإنقاذ وحجم الخسائر، تُذكّر بمدى هشاشة التوازن بين الإنسان والطبيعة.
هكذا يشكّل الجزائريون لغتهم.. مواد عربية وطريقة طهي وتوابل جزائرية
ككل البلاد العربية وبلدان أخرى في العالم، احتفلت الجزائر باليوم العالمي للغة العربية، وأقامت للمناسبة أنشطة ثقافية وعلمية عبر مختلف محافظاتها، كان على رأسها توزيع "جائزة رئيس الجمهورية للأدب واللغة العربية"، في طبعتها الأولى. رغم ذلك مازال يصعب على أغلب الأشقاء العرب، خاصة في المشرق العربي تصنيف الدارجة الجزائرية على أنها أداء من أداءات العربية.
" لا يُحبّون بعضهم بعضًا !؟ ".. رسالة مهنيّي السّينما في الجزائر إلى الرئيس
عندما يُصرِّح رئيس الجمهورية عبد المجيد تبّون خلال لقائه مع جمعٍ من الفنّانين في مدينة قسنطينة، بنبرةٍ تجمع بين الانتقاد واللّوم بأنّ " بعض المخرجين في الجزائر لا يحبّون بعضهم بعضًا"، فقد يبدو كلامه خفيفًا أو عابرًا كدُعابة، لكنّ هذه الجُملة في الواقع قد لعبت دور كاشفِ ضوءٍ سلّط نوره القويّ على عمق الأزمة الّتي تعصف بقطاع السّينما، فخلف "الدّعابة الظّاهرة" يختبئ تشخيصٌ قاسٍ…
لماذا يَخشى الجزائريّون إعلانَ الحُبّ؟.. قراءةٌ في جُرحِ الوُجدان الجَمعيّ
حينما تجرّأ شابٌّ جزائريٌّ من ولاية تيزي وزّو شرق عاصمة الجزائر، على طلب يد حبيبته خِلال مباراةٍ لكرة القدم في الدّوري المحلّي، وسط مُدرّجاتٍ ملعب الرّاحل حسين آيت أحمد، وأمام مئات المُناصرين المهلّلين له، انقسم المُتفاعلون مع مقطع الفيديو المُتداول لهما بين مصفّقٍ يرى في الفعل شجاعةً جميلةً وتعبيرًا صادقًا عن الحبّ، في حين قُوبِلَ أيضًا بتيّارٍ غاضبٍ اعتَبر ذلك المشهد الجميل تعدّيًا على الذّوق…
الخميس أول أيام شهر رمضان 2026 في الجزائر
أعلنت وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، مساء الثلاثاء، عن تعذر رؤية هلال شهر رمضان لعام 1447 هجري، وذلك عقب الندوة الخاصة التي عقدتها لجنة الأهلة والمواقيت الشرعية لتحري الهلال.
لوران نونيز يؤكد الاتفاق على إعادة تفعيل التنسيق عالي المستوى بين فرنسا والجزائر
استقبل رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، في لقاء رسمي يأتي تتويجًا ليوم كامل من الاجتماعات المكثفة التي جمعت المسؤول الفرنسي بنظيره الجزائري، السعيد سعيود، إلى جانب كبار مسؤولي أجهزة الأمن في كل من الجزائر وفرنسا.
كم لتر من الحليب مُوجه للجزائريين خلال رمضان؟
وقام المجمع الذي يحوز على 16 ملبنة على المستوى الوطني، بفتح 27 نقطة بيع مباشر جديدة بكل من ولايات عنابة، قسنطينة، باتنة، سطيف، الجزائر، عين الدفلى، بجاية، مستغانم، معسكر وتيارت
ربع نهائي كأس الكاف.. مواجهات نارية لاتحاد العاصمة وشباب بلوزداد
أسفرت قرعة ربع نهائي كأس الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم لموسم 2025 عن مواجهات نارية لممثلي الكرة الجزائرية، اتحاد العاصمة وشباب بلوزداد.