طبق "الببوش" الجزائري.. من أزقة وهران إلى موائد أوروبا الفاخرة
7 نوفمبر 2025
في شرق الجزائر، تنتشر على قارعات الطرق عربات الفول والحمص بالكمّون، فيما تزدهر في الربوع الممتدة من وهران إلى ندرومة، ومن تلمسان إلى معسكر، عادةُ بيع طبق الحلزون المعروف محليًا باسم الببوش أو البوجغللو. يُقدَّم هذا الطبق في الكشاكيل والعربات كما تُباع الفطائر في البراري، مما يجعل غرب الجزائر معقله الأول في التحضير والاستهلاك.
على عكس الاعتقاد الشائع بأن الحلزون طبق الفقراء والمهمّشين، فإن الحقيقة تقع في الجهة المقابلة تمامًا، إذ يُعدّ وجبة فاخرة وغالية الثمن في العالم. ففي المطاعم الأوروبية المعتدلة، يتراوح سعر ست قطع من حلقات الحلزون بين 9 و15 يورو، ليصل في المطاعم الراقية إلى 30 يورو.
ورغم أصوله الأرستقراطية، غدا اليوم واحدًا من أبرز أطباق المائدة الشعبية الجزائرية، ويرتقب أن يشهد في الأعوام المقبلة طفرة استثمارية لافتة، لما يحمله من قيمة اقتصادية مضافة، بفضل توفر المقومات الطبيعية في الشمال الجزائري المعروف بغزارة الغطاء النباتي ورطوبته الدائمة.
اقتصاد الحلزون
يعود تاريخ هذا الطبق إلى العصر الحجري، حيث عُثر على قواقع محفوظة في مغارات أثرية، قبل أن تتطور تربية الحلزون في العهد الروماني ضمن مزارع مائية عُرفت باسم الكوكلاريا. أما الشكل الحديث للطبق، فقد اشتهر به الفرنسيون منذ العام 1814، من خلال حلزون بورغوني الذي يُقدَّم عادةً مع النبيذ، قبل أن ينتشر في بلدان عدة، من بينها الجزائر.
في السنوات الأولى للاستقلال، عُرف الجزائريون بتصدير الحلزون إلى الخارج، خاصة نحو أوروبا. ونظرًا لمكانته في المائدة الفرنسية والإيطالية والإسبانية والبرتغالية، وحتى الأمريكية، تطورت عمليات التصدير في الأعوام الأخيرة بفضل مستثمرين أدركوا قيمته الاقتصادية.

من أبرزهم محمد فوزي سلطاني من ولاية قالمة، الذي أسّس مزرعة لتربية الحلزون في منطقة بوشقوف، و قام قبل سنوات طويلة بتصديره نحو فرنسا وإيطاليا وإسبانيا. تشغّل هذه المزرعة نحو 900 شاب وتنتج 30 قنطارًا أسبوعيًا. وبحسب تقرير تلفزيوني أُعد سنة 2019، تُعد الجزائر من الدول الناشئة في هذا المجال، إذ حقق القطاع آنذاك عائدات قاربت ثلاثة ملايين دولار، رغم أنه ما يزال بعيدًا عن الأرقام التي تسجلها دول إفريقية وأوروبية وآسيوية أكثر انفتاحًا على الأسواق العالمية.
زراعة وآفاق
ما لا يعرفه كثيرون أن أكبر حلزون تمّ رصده في الجزائر عُثر عليه في منطقة تقرت، ما دفع السلطات إلى إصدار طابع بريدي يحمل اسم سلالته،ريمونا ديكولاتا، في عام 2003.
هذا القطاع، الذي بات يُعرف اليوم باسم اقتصاد الحلزون، يشهد تطورًا متسارعًا بفضل الاستثمارات الجديدة، مثل مزرعة أبرير شيخ بعين الترك (وهران)، التي أُنشئت سنة 2021 في إطار صندوق دعم المؤسسات.

وقد تمكنت صاحبة المشروع ضاوية موسى، بدعم من الوكالة الوطنية لدعم وتطوير المقاولاتية، من تصدير ثلاثة أطنان من الببوش الرمادي نحو إيطاليا خلال العام الجاري، وتستعد لتصدير عشرة أطنان أخرى نحو إسبانيا.
تُقدَّر القدرة الإنتاجية لهذه المزرعة بنحو عشرين طنًا في الموسم، يُوجَّه معظمها للأسواق الأوروبية التي تستهلك
هذا النوع الصغير المعروف علميًا باسم" هيليكس أسبرسا"، لما يتميز به من قيمة غذائية عالية واستعمالات متعدد
إذ يُقدَّم في أطباق جاهزة أو يُباع مجففًا ومعلّبًا، كما يُستخدم مخاطه في صناعة الكريمات الطبيعية لاحتوائه على مواد فعالة مثل الكولاجين والإيلاستين والألانطوين، وهي عناصر أساسية في تجديد البشرة وتخفيف الندوب الجلدية.
تقاليد و أسرار
في شارع الأوراس بوهران، المعروف باسم سوق لاباستي، تنتشر عربات بيع الحلزون بأنواعه، من الصغير إلى الكبير المسمى محليًا بوقرّورة.
يقول سمير، شاب عشريني، لـ"الترا جزائر":
""أبيع النوع الصغير بـ400 دج للكيلوغرام، فيما يُباع البوقرورة بـ450 دج. نشتريه من مناطق عديدة في الغرب الجزائري مثل تلمسان وغيليزان وسيدي بلعباس ووهران ومستغانم ومعسكر. هناك إقبال كبير عليه من ربات البيوت، خاصة في فصل الشتاء".
ويضيف:"الأسعار تختلف حسب الحجم والكتلة اللحمية، وقد تصل أحيانًا إلى 650 دينارًا للكيلوغرام".
السوق يعكس روح الحياة الشعبية البسيطة، بعرباته ومفارق شوارعه المكتظة، حيث تنتصب مطاعم صغيرة تقدم حساء الحلزون الساخن للزبائن من الجنسين.
من بين هذه المطاعم محل عثمان يحيّاوي، الذي يواصل منذ أكثر من عشرين عامًا تحضير الطبق الموروث بالشغف ذاته.
يتحدث بمرح ظاهر لـ"الترا جزائر":"أول ما أقوم به هو غسل الحلزون الذي أقتنيه من تجار مغنية ومعسكر، بالماء والخل والملح لتنظيف القوقعات، ثم أطعمه بالدقيق أو الدشيشة حتى يتخلص من بقايا جوفه. بعد ذلك نصوّمه بعض الوقت، قبل أن نضعه في طنجرة معمرة الماء مع ترديد اسم الله سبع مرات: باسم الله، الله أكبر، على كل حبة ذكر أو أنثى".

ويتابع:نتركه يغلي حتى نسمع طقطقة القواقع، عندها نعرف أنه استوى فنخرجه ونرمي ماء الغلي".
هنا يجب أن نذكر أن سبب تسمية "الذكر والأنثى" في الطقس الشعبي يعود إلى أن الحلزون كائن خنثوي متبادل التلقيح، أي يحمل الأعضاء الذكرية والأنثوية معًا (هرمافروديتي)، ولا يتكاثر إلا بعد تبادل الحيوانات المنوية مع حلزون آخر، في عملية عشقية مدهشة تبدأ بتبادل المخاط ثم الغرز بواسطة إبرة دقيقة تُعرف بـ"سهم الحب"، وهي ما تحفّز النشوة وتطلق دورة التزاوج.
ويتابع الطاهي العارف:"تقتضي المرحلة الثانية وضعه في قدرٍ جديد مع ماء الطهي النهائي، نضيف إليه توابل مثل النُّوخة والزعتر والفلفل الحار ويمكن كذلك إضافة أعشاب أخرى بحسب النكهة المرقية المرغوبة".
طقوس عائلية
تتقدّم سيدة، يبدو من مئزرها الأبيض أنها طبيبة، وتسرق بعض الدقائق لاقتناء كيلوغرام من "البوقرّورة"، الاسم الشعبي للحلزون الغليظ، وتعلّق مبتسمة:
"طلبت مني أمي أن أشتري لها كيلوغرامًا لأنها تعشق طبق الببوش. لم يسبق لي طهيه، لأني لا أضاهي والدتي في مهارتها، فهي تعدّه بتوابل حارة ومذاق لا يُضاهى. والأهم من المذاق احتواؤه على بروتينات غنية وأوميغا ثلاثة، إضافة إلى الحديد والزنك اللازمين للجسم".

المعلّم عثمان، الذي يعتقد أن الإسبان هم من عمّموا هذا الطبق في وهران والمناطق المجاورة، يبيع الكيلوغرام ما بين 500 و600 دينار جزائري، ويقدّم الطبق المطهو مع مرقه في علبٍ محمولة أو صحافٍ فخارية بسعر 300 دينار. يبتسم وهو يقدّم طبقًا للتذوّق ويقول:" أُنوّع من حين لآخر في طرق التحضير؛ أحيانًا أقدّمه مع الأرز، وأحيانًا أضيف إلى مرقه قشور البرتقال أو الرمان لتغيير النكهة وتوسيع دائرة الأذواق. فالزبون سريع الملل، وهذه من حسابات الحفاظ عليه تجاريًا بتجديد الوصفات".
في صحن الدكانة المتواضعة ، يجلس شابّان من ولاية الجلفة يجربان الطبق لأول مرة، يستخرجان اللحم اللولبي من القوقعة بأعواد الأسنان، بفضول طفلٍ يكتشف طعم الغرابة.
في السنوات الأولى للاستقلال، عُرف الجزائريون بتصدير الحلزون إلى الخارج، خاصة نحو أوروبا. ونظرًا لمكانته في المائدة الفرنسية والإيطالية والإسبانية والبرتغالية، وحتى الأمريكية، تطورت عمليات التصدير في الأعوام الأخيرة بفضل مستثمرين أدركوا قيمته الاقتصادية
أما حسني بن يخلف (67 سنة)، فهو زبونٌ دائم، يأتي يوميًا تقريبًا لتناول حصته من الببوش، يقول لـ"الترا جزائر":
"يرتبط هذا الطبق عندي بذكريات والديّ، خصوصًا جدتي التي كانت تحضّره لنا في البيت. كانت تطبخه بالبطاطا والأرز وصلصة الطماطم. ولأنه ذو قيمة غذائية عالية وطعمه حار بالضرورة، يُستعمل لمداواة نزلات البرد وتقوية المناعة".
ويضحك مضيفًا: "ومن محظوراته، كما كانت تقول جدتي، شرب الماء بعده، إذ يُقال إنه يُلغي فوائده الصحية وقد يسبّب قرحةً معدية بسبب التفاعل بين الحار والسائل".
مقبلات الأثرياء
على عكس الاعتقاد الشائع بأن الحلزون طبق الفقراء والمهمّشين، فإن الحقيقة تقع في الجهة المقابلة تمامًا، إذ يُعدّ وجبة فاخرة وغالية الثمن في العالم. ففي المطاعم الأوروبية المعتدلة، يتراوح سعر ست قطع من حلقات الحلزون بين 9 و15 يورو، ليصل في المطاعم الراقية إلى 30 يورو.

أما طبق حلزون بورغوني الفرنسي الشهير، الذي يُطهى بالزبدة والثوم والبقدونس، فيُقدَّر بـ12 يورو لست قطع و24 يورو لاثنتي عشرة قطعة، وهو سعرٌ قريب من نظيره الإسباني الذي يبلغ في المتوسط 12 يورو للطبق الواحد.
لا يُؤكل الحلزون عادةً بالخبز لأنه من المقبلات لا من الأطباق الرئيسية، وقد لا يُشبع من يتناوله منفردًا. لهذا السبب، كما يوضح عثمان، يُقدَّم دائمًا رفقة أطباق الفول والحمص لتكون الوجبة متكاملة إذا كان المراد هو امتلاء المعدة.
يزداد الإقبال عليه في الفترات المسائية، أما الحساء فيُشرب بعد الانتهاء من أكل الحلقات، فهو مفيد للهضم، يقوّي المناعة، ينظّف الأمعاء، ويفتح الصدر، خصوصًا في الشتاء".
يبقى مطبخ الحلزون إلى اليوم حكرًا على وهران وولايات الغرب الجزائري، غير أنه يشق طريقه بالبطء الأسطوري لهذا الرخوي العنيد، نحو مطابخ الشرق والوسط، مدفوعًا بحلم التصدير وبحماسة المستثمرين الشباب. فقد انتقل سوق الحلزون من الجمع البري البدائي إلى تربية علمية منظّمة في بيوت بلاستيكية وأحواض مهيّأة، تسهم في تطوير هذه الشعبة الصاعدة ضمن مشاريع الاستثمار الناشئ، التي يُتوقّع أن تبلغ قيمة صادراتها العالمية أكثر من ربع مليار دولار بحلول سنة 2035.
الكلمات المفتاحية

محمد الصالح أونيسي.. حارس الإرث الشاوي ورائد التدوين في الأوراس شرق الجزائر
في قرية صغيرة تُدعى "عالي ناس" جنوب ولاية خنشلة، شرقي الجزائر، حيث الجبال لا تزال تروي حكايات التاريخ والأجداد، وُلد محمد الصالح أونيسي سنة 1949. لم يكن قدَرُه أن يكون مجرد شاهدٍ عابرٍ على زمنٍ لا يكف عن التحوّل، بل أن يصبح ذاكرةً تمشي على قدميها، تحفظ ما كاد النسيان أن يبتلعه، وتدوّن ما ظلّ قرونًا عالقًا بين الشفاه ومجالس الحُضّار.

بين "المرمة" والحرير.. آخر الدرازين... حراس تراث تلمسان
من بين ثلاثة آلاف درّاز كانوا يملؤون حارات ودروب تلمسان غرب اجزائر بصليل آلات المرمة، ذات النظام الميكانيكي التقليدي، المختصة في نسج الزرابي والأفرشة التراثية، لم يبق اليوم سوى ثلة قليلة يعدّ أفرادها على الأصابع.

قصة كعك تلمسان.. أسطورة الحلوى الصامدة منذ سبعة قرون
في أصل منشأ الكعك التلمساني، يتداول السكان مرويات شعبية شفوية تعيد تكوينه الأول إلى الصدفة إبّان حدث تاريخي بارز عاشته المدينة خلال القرن الثالث عشر.

رسميًا.. هذه قيمة الشطر الأول لسكنات عدل 3
أعلنت وزارة السكن والعمران والمدينة والتهيئة العمرانية عن جملة من القرارات الهامة المتعلقة بصيغة السكن “عدل 3”، وذلك في إطار تنفيذ برنامج الدولة الرامي إلى الاستجابة للطلب المتزايد على السكن وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين عبر مختلف ولايات الوطن.

تحديد أسعار سكنات "عدل 3" وامتيازات المستفيدين
صدر في العدد الأخير من الجريدة الرسمية قرار وزاري مشترك مؤرخ في 24 نوفمبر 2025، يحدّد الكلفة النهائية المعتمدة لحساب ثمن المسكن الموجّه للبيع بالإيجار، بالنسبة للطلبات المسجّلة خلال سنة 2024، في إطار ضبط آليات التسعير وتوضيح الامتيازات الممنوحة للمستفيدين.

فاتورة باهظة.. 230 مليار دينار كلفة حوادث المرور في الجزائر
قدّرت المفتشية العامة للمالية الكلفة الاقتصادية لحوادث المرور في الجزائر بنحو 230 مليار دينار، في رقم يعكس خطورة الوضع المروري وتداعياته الثقيلة على الاقتصاد الوطني، ويعزز التوجه الرسمي نحو تشديد العقوبات ضمن مشروع قانون المرور الجديد المعروض حاليًا للدراسة على مستوى المجلس الشعبي الوطني.

طقس الجزائر.. أمطار رعدية غزيرة تفوق 60 ملم بعدة ولايات
أصدر الديوان الوطني للأرصاد الجوية، اليوم الإثنين، نشرية خاصة حذّر فيها من تساقط أمطار رعدية معتبرة على عدد من ولايات الوطن، قد تكون غزيرة محليًا وتستمر إلى غاية صبيحة يوم غد الثلاثاء.

