ultracheck
مجتمع

طقوس في الذاكرة .. كيف تغيرت أجواء عيد الأضحى في الجزائر؟

29 مايو 2026
عيد الأضحى في الجزائر
فتيحة زماموش
فتيحة زماموش إعلامية وباحثة من الجزائر

"حنا بكري"... عبارة يرددها الجزائريون يوميًا، تختصر المسافة بين جيل وآخر كما تحمل بين حروفها الحنين العميق إلى زمن مضى، حين كانت المناسبات تُعاش بروح مختلفة.

عاش جيل كامل في الجزائر على وقع عادات وتقاليد اجتماعية متجذرة في الذاكرة الجماعية، خاصة خلال عيد الأضحى، حيث كانت العلاقات الأسرية أكثر تماسكًا، وكانت فرحة العيد تتجاوز حدود البيت الواحد لتشمل العائلة الكبيرة والجيران وحتى الحي بأكمله.

هذه الحقيقة يكاد يتفق حولها كثير من الجزائريين الذين يرون أن للعيد في الماضي نكهة خاصة، صنعتها بساطة الحياة ودفء العلاقات الإنسانية، كما له طعم مختلف لا يشبه ما تعيشه اليوم.

تقاليد مناسبة عيد الأضحى

بمجرّد سماع هذه العبارة؛ تستحضر صور البيوت المفتوحة وضحكات الأطفال ومرحهم مع الكباش التي ستكون أضحية في عيد الأضحى، وتحضيرات العائلات لاستقبال المناسبة التي كانت تعلن قدوم العيد قبل أيام من حلوله.

بهذه الكلمات البسيطة يسترجع كثيرون تفاصيل طفولتهم وشبابهم، ويقارنون بين ما كان عليه المجتمع في الماضي، وما أصبح عليه اليوم وتغير العلاقات الاجتماعية وسرعة الحياة الحديثة.

في العيد .. حنين إلى الماضي

ويسترجع أحدهم وهو في الستين من عمره، تلك السنوات بحنين واضح قائلًا:" العيد في السابق لم يكن فقط للذبح والأضحية، بل كان فرحة تعيشها العائلة كاملة، من الكبير للصغير، وكانت الدار تبقى عامرة بالناس واللمة والضحك".

وعاش جيل كامل في الجزائر على وقع عادات وتقاليد اجتماعية متجذرة في الذاكرة الجماعية، خاصة خلال عيد الأضحى، حيث كانت العلاقات الأسرية أكثر تماسكًا، وكانت فرحة العيد تتجاوز حدود البيت الواحد لتشمل العائلة الكبيرة والجيران وحتى الحي بأكمله.

في هذه المناسبة الدينية والاجتماعية كان العيد موسما للتواصل والتقارب وتجديد الروابط الإنسانية التي كانت تمنح للمجتمع توازنه.

وبالرغم أن بعض العائلات ماتزال تحافظ إلى اليوم على جزء من هذه الطقوس، إلا أن الكثيرين يرون أن تلك الروح بدأت تتراجع تدريجيًا خلال السنوات الأخيرة، فالتغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي عرفها المجتمع أثرت بشكل واضح على طبيعة العلاقات بين الأفراد.

كما أن تراجع الإحساس الجمعي بتقاسم الفرحة، بعدما كان يشمل دوائر واسعة من العائلة الواحدة والجيران والأقارب.

وفي هذا الإطار، يؤكد الطبيب الهادي بن عبد الرحمان بولاية ميلة (شرق) أن التقاليد والعادات الاجتماعية كانت دائمًا جزءًا أساسيًا من هوية المجتمع الجزائري، لأنها تظهر أسلوب العيش وتجسد عمق الروابط الإنسانية داخل الأسرة وبين أفراد المجتمع.

ويضيف في تصريح لـ"الترا جزائر" أن هذه العادات تمثل ذاكرةً حيةً لزمن اجتماعي متكامل، كانت فيه العلاقات أكثر بساطةً وصدقًا، وكانت المناسبات فرصة حقيقية لتعزيز التضامن والتكافل.

غير أن هذه التقاليد لم تعد بارزةً كما كانت في السابق، حيث بدأت العديد من المظاهر الاجتماعية في الانحسار بشكل ملحوظ، وهو أمر يتحسر عليه البعض خصوصًا أولئك الذين عاشوا تلك الفرحة وسط العائلة وجيران الحي.

تراجع بعض التقاليد

ويرجع الكثيرون ذلك إلى عدة عوامل من بينها الانشغال المتزايد بالحياة اليومية، وارتفاع تكاليف المعيشة، بالإضافة إلى توسع المدن وتغير نمط السكن، وهو ما يسهم في إضعاف العلاقات الاجتماعية التي أصبحت أكثر فردية وأقل تماسكًا مقارنة بالماضي.

ومن أبرز هذه التقاليد التي بدأت تختفي تدريجيًا عادة "التضحية الجماعية" داخل العائلة الكبيرة، حيث كانت الأسر في الماضي تجتمع لشراء أضحية واحدة وتقاسم مسؤولياتها وفرحتها بين الجميع.

وكان هذا التقليد يُعزز روح التضامن ويمنح للعيد معنى جماعيًا خاصًا، إذ يشعر كل فرد بأنه جزء من فرحة مشتركة لا تخص بيتًا واحدًا فقط، بل تمتد إلى جميع أفراد العائلة.

وفي هذا السياق، تقول إحدى السيدات:" كنا نشعر أن العيد لا يكتمل إلا عندما تجتمع جميعًا حول خروف واحد، نتقاسم الفرح قبل اللحم".

بينما اليوم أصبح كل بيت يقوم بأضحيته بشكل مستقل في أغلب الأحيان، وهو ما قلل تدريجيًا من روح المشاركة الجماعية التي كانت تميز المناسبة.

إضافة إلى هذا الجانب، شمل هذا التراجع الكثير من الطقوس المرتبطة بعيد الأضحى، والتي كانت تضفي على المناسبة أجواء خاصة وتمنحها طابعًا جماعيًا مميزًا.

ومن أبرز هذه الطقوس عادة التضحية الجماعية في مكان واحد أو ساحة واحدة، وهي عادة بدأت تندثر مع مرور الزمن، ولم تعد قائمة إلا في بعض التجمعات السكانية داخل العمارات، حيث يضطر السكان إلى الذبح في ساحة تتوسط الحي.

واعتادت العائلات في السابق على الاجتماع منذ الصباح الباكر لتحضير الأضحية، حيث يتقاسم الجميع المهام في أجزاء مليئة بالحيوية والتعاون، بينما كان الأطفال يرافقون الكبار بشغف وفرح، فيتعلمون بدورهم معنى العيد وقيمة العائلة.

بعد القيام بالأضحية، كانت عملية توزيع اللحم على الأقارب والجيران تتم بشكل واسع ومنظم، في صورة تعكس قيم التكافل الاجتماعي والتضامن بين الناس.

لذلك لم يكن أحد يشعر بالعزلة أو الوحدة خلال العيد، لأن الأبواب كانت مفتوحة والزيارات لا تنقطع، فيتحول الحي بأكمله إلى فضاء واحد تتقاسم فيه العائلات الفرحة نفسها.

دار العائلة.. رمز اللمة الذي بدأ يختفي

اللافت للانتباه اختفاء ملحوظ لـ"الدار الكبيرة" أو " دار العائلة" التي كانت تجمع الجميع تحت سقف واحد، إذ تراجعت هذه المظاهر اليوم بفعل تغير نمط الحياة، فضلا عن تقلص العلاقات الاجتماعية مقارنة بما كانت عليه في الماضي.

وأصبحت الكثير من العائلات تعيش متفرقة، بينما فرضت ظروف العمل وضغوط الحياة إيقاعًا مختلفًا جعل اللقاءات العائلية أقل حضورًا من السابق.

ومع مرور الزمن من بين العادات التي تأثرت أيضا، عادة زيارة الجيران بشكل منتظم، وهي من أكثر التقاليد التي كانت تعكس قوة الروابط الاجتماعية داخل الأحياء الجزائرية.

فقد كانت الزيارات تتم بشكل متكرر، خاصة خلال الأعياد والمناسبات، حيث يتبادل الناس التهاني، والأحاديث والأطباق التقليدية، في مشهد يصور روح الألفة والبساطة.

الزيارات وتبادل الأطباق

في هذا الإطار، يؤكد يوسف نويوة وهو بائع للخضر والفواكه قائلا لـ" الترا جزائر":" في السابق لم يكن يمر يوم من أيام المناسبة الدينية دون أن نزور جيراننا أو نتبادل الطعام وأطباق العيد، إلا أن هذه العادات بدورها تراجعت بسبب انشغال الأسر وتأثرها بالحياة العصرية".

وبالمقابل، يعتمد الكثيرون اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي لتقديم التهاني بدل اللقاءات المباشرة التي كانت تمنح العلاقات الإنسانية دفئها الحقيقي.

وحتى العلاقات الاجتماعية داخل الحي نفسه، عرفت هذا الفتور، بعدما كانت الأحياء في الماضي تعج بالحياة والتواصل اليومي بين الجيران خصوصا في الأعياد.

تحولات اجتماعية.. تغير نمط الحياة

ما يُلاحظ اليوم أن الكثير من الأحياء أصبحت أكثر عزلة، ومرد ذلك وفقا لتصريح الأخصائية الاجتماعية كريمة منداس أنها "نتيجة تغير نمط السكن وطبيعة الحياة الحديثة داخل المدن، وهو ما جعل العلاقات الاجتماعية أقل عمقا مما كانت عليه في السابق".

وتُضيف في تصريح لـ"الترا جزائر" أن تراجع بعض التقاليد المرتبطة بالعيد لا يعني اختفاءها بشكل كامل، بالقدر ما أنها تعكس التحولات التي عرفها المجتمع خلال السنوات الأخيرة.

وواصلت بقولها إنّ العمل على الحفاظ على روح هذه العادات أمرا مهما، لأنها تمثّل جزءا من الذاكرة الجماعية للمجتمع الجزائري، وتحمل في داخلها تلك القيم الإنسانية العميقة القائمة على التضامن والمحبة والتواصل.

يبدو أن تغيّر بعض التفاصيل مع الزمن من الأمور اللافتة أمام تحولات المجتمع، لكن الحاجة إلى الدفء العائلي وروح العيد ستظل دائمًا حاضرة في قلوب الجزائريين، مهما اختلفت الظروف وتعاقبت الأجيال. 

الكلمات المفتاحية

نقل االنساء

تطبيقات النقل النّسائي في الجزائر.. كيف تكتسب المرأة أمان حرية النقل؟

انتشرت مؤخّرًا في المدن الجزائرية الكبرى تطبيقاتٌ عديدة للنقل المخصّص للنّساء لتأتي كبديلٍ يفرض نفسه في يوميات الجزائريين والجزائريات، بغية الموازنة بين الرّغبة في الانعتاق والأمان والاستقلالية، وبين إكراهات البيئة المحافظة.


العقار

بين زيادة العرض والمضاربة.. إلى أين تتجه أسعار العقار في الجزائر؟

وتعيد هذه التطورات طرح ملف السوق العقارية من زاوية مختلفة، خاصة مع دخول وحدات سكنية جديدة إلى حيز الاستغلال، في وقت لا تزال فيه أسعار البيع مرتفعة في عدد من المدن، رغم تراجع القدرة الشرائية للمواطنين،


المجلس العلمي للجالية

المجلس الأعلى للجالية العلمية.. هل تنجح الجزائر في استعادة الأدمغة المهاجرة؟

أعلنت الحكومة الجزائرية قبل أيام إنشاء المجلس الأعلى للجالية العلمية الوطنية بالخارج الهادف إلى الاستفادة من الأدمغة المهاجرة التي ما يزال انتفاع البلاد من خبراتها العلمية محدودا جدا، ولا يتناسب مع القدرات التي تملكها ومع حاجة الوطن إليها لتحقيق إقلاع مبني على أسس علمية في جميع المجالات.


قرية بني سنوس

"الترا جزائر" تزور قرية رياض محرز.. نجم "الخضر" كما يراه سكان لخميس بعيدًا عن الملاعب

بعد التتويج بكأس إفريقيا سنة 2019 بالقاهرة، جاء رياض إلى المقبرة حاملاً الكأس، ووقف عند قبر والده في مشهد مؤثر بقي راسخاً في ذاكرة سكان القرية والجزائريين قاطبة،

حرائق
أخبار

حرائق الجزائر.. 55 حريقاً و30 عملية إخماد متواصلة عبر عدة ولايات

وتتواصل عمليات إخماد الحرائق بعدد من الولايات، أبرزها بجاية، سطيف، سعيدة، سكيكدة، المدية، ميلة، تيزي وزو، تلمسان، قسنطينة، معسكر، تيسمسيلت، عين الدفلى، الشلف، سوق أهراس وإليزي.

نقل االنساء
مجتمع

تطبيقات النقل النّسائي في الجزائر.. كيف تكتسب المرأة أمان حرية النقل؟

انتشرت مؤخّرًا في المدن الجزائرية الكبرى تطبيقاتٌ عديدة للنقل المخصّص للنّساء لتأتي كبديلٍ يفرض نفسه في يوميات الجزائريين والجزائريات، بغية الموازنة بين الرّغبة في الانعتاق والأمان والاستقلالية، وبين إكراهات البيئة المحافظة.


الانجاب
أخبار

تراجع الإنجاب في الجزائر.. ماذا كشفت أرقام وزارة الصحة؟

تشهد الجزائر تحولات عميقة في تركيبتها السكانية، مع تسجيل انخفاض لافت في معدلات الإنجاب خلال العقود الأخيرة، حيث كشف مسؤول بوزارة الصحة أن متوسط عدد الأطفال لكل امرأة تراجع إلى نحو 2.5 طفل حالياً، مقابل مستويات أعلى بكثير في السنوات التي أعقبت الاستقلال، في وقت تراهن فيه السلطات على التركيبة السكانية الفتية كعامل لدعم التنمية.

لويزة حنون
أخبار

قضية لويزة حنون.. تنازل وزير التربية عن الدعوى والنيابة تلتمس تطبيق القانون

تعود وقائع الملف إلى تصريحات كانت قد أدلت بها الأمينة العامة لحزب العمال، اتهمت فيها وزير التربية بدعم مترشحين للانتخابات التشريعية

الأكثر قراءة

1
أخبار

الرئيس تبون يوجّه رسالة إلى المعارضة من ألمانيا.. ماذا قال؟


2
رياضة

بيتكوفيتش يسلّم تقريره للفاف.. ماذا قال عن "الخضر"؟


3
راصد

انقطاع الكهرباء في الجزائر يثير تفاعلاً واسعاً.. ماذا كتب رواد مواقع التواصل؟


4
أخبار

أكثر من 30 اتفاقية مرتقبة.. ماذا سيناقش الرئيس تبون في برلين؟


5
سياسة

بعد أشهر من التوتر.. السفير الفرنسي يكشف تفاصيل خطة إعادة العلاقات مع الجزائر