ultracheck
اقتصاد

في مواجهة العجز المالي.. الحكومة تلجأ إلى أموال المؤسسات العمومية وسط مخاوف من العواقب

8 نوفمبر 2025
وزارة المالية (صورة: أرشيف)
وزارة المالية (صورة: أرشيف)
جمال فنينيش
جمال فنينيشصحافي من الجزائر

 تتضمّن أحكام مشروع قانون المالية 2026 تدابير تمنح الحكومة هامشًا أوسع في استغلال أموال المؤسسات العمومية المملوكة للدولة، إلى جانب تسهيل حصولها على تمويل من البنك المركزي، ما أثار تحفظات عدد من النواب والخبراء الاقتصاديين.

عضو اللجنة المالية بالمجلس الشعبي الوطني، علال بوثلجمة لـ" الترا جزائر": الإجراء التشريعي الجديد الذي يمنح الخزينة العمومية ترخيصا مفتوحا لاستخلاص الأموال من المؤسسات العمومية دون انتظار الحصيلة السنوية أمر محفوف بالمخاطر، خصوصا إذا أدى التوجيه غير السليم إلى فقدان الامتيازات أو التأثير على سوق التسيير

وتنصّ المادة 147 من القانون على تمكين الحكومة من اقتطاع جزء من أموال المؤسسات العمومية ذات الطابع الصناعي والتجاري، دون انتظار الحصيلة السنوية أو الحاجة إلى موافقات مسبقة من تلك المؤسسات.

دوافع الحكومة وقيود الخيارات المتاحة

يُنظر إلى هذه الإجراءات على أنّها تعبير عن محدودية الخيارات ونفاد الحلول المتاحة أمام الحكومة في مواجهة العجز المتنامي للميزانية والإكراهات المتزايدة الناجمة عن تزايد طلبات الإنفاق الاجتماعي وتمويل مشاريع البنية التحتية، بالإضافة إلى الصعوبات التي تواجهها الحكومات المتعاقبة في القضاء على السوق غير الرسمية.

وترفُض الحكومة الجزائرية دراسة خيارات تضم الاستدانة الخارجية، سعيا منها للحفاظ على استقلال القرار السياسي. ففي منظور أصحاب القرار، فإن المديونية الخارجية قد تترتب عليها تبعات سياسية ومالية يصعب التكيف معها.

ومن بين هذه التبعات فرض خيارات مُؤلمة كما حدث في سنوات التسعينيات من القرن الماضي، حيث فرض صندوق النقد الدولي إصلاحات هيكلية أدت إلى القضاء على آلاف مناصب العمل.

وفي هذا السياق، أشار عضو اللجنة المالية بالمجلس الشعبي الوطني، علال بوثلجمة، في رد على سؤال لـ "الترا جزائر" إلى أنّ الإجراء التشريعي الجديد الذي يمنح الخزينة العمومية ترخيصا مفتوحا لاستخلاص الأموال من المؤسسات العمومية دون انتظار الحصيلة السنوية، وفي أي وقت ترى فيه الحاجة للتمويل، ودون ضوابط "أمر محفوف بالمخاطر، خصوصا إذا أدى التوجيه غير السليم إلى فقدان الامتيازات أو التأثير على سوق التسيير".

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي أنه من الضروري وضع "ضمانات" مثل تحديد سقف للمساهمة، وحماية رأس المال العامل، وتخصيص العائدات للمشاريع الاستراتيجية بدلاً من النفقات الجارية.

وأضاف في رده على سؤال لـ"الترا جزائر" أن التحدي يكمن في ضبط المساهمة بشكل يمنع استنزاف السيولة ويحفز الكفاءة دون التأثير سلبا على قدرة المؤسسات على الاستثمار". وتابع قائلا "إن فرض اقتطاع مبالغ كبيرة قد يزود رصيد الخزينة مؤقتا، لكنه يضعف التمويل الذاتي للاستثمار في المستقبل".

كما اقترح إجراءات احترازية تضمن الشفافية والمتابعة المستمرة عبر نظام معلومات وطني يضمن المساءلة ويعزز ثقة المستثمرين.

الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي لـ" الترا جزائر": من الضروري وضع "ضمانات" مثل تحديد سقف للمساهمة، وحماية رأس المال العامل، وتخصيص العائدات للمشاريع الاستراتيجية بدلاً من النفقات الجارية

من جهته، أشار أستاذ الاقتصاد أحمد شريفي إلى أنّ المادة 147 من مشروع قانون المالية 2026 تعكس توجه الدولة نحو ترشيد نفقات المؤسسات العمومية وتعزيز كفاءتها المالية. 

ولفت الخبير إلى أن الهدف من هذا الإجراء هو تطوير مصادر تمويل الدولة، دعم إنجاز المشاريع الكبرى، وتقليص العجز الميزانياتي عبر تحسين التصرف في التحويلات المالية للمؤسسات العمومية. 

وأشار إلى أن التطبيق سيكون مخصصا للمؤسسات التي تحتاج إلى مزيد من التتبع وحسن استغلال مواردها.

وأضاف شريفي "هذه الخطوة تمثل فرصة لتعزيز الحكامة المالية والاستراتيجية للمؤسسات العمومية، بما يساهم في تحسين تصنيفها المالي وتحقيق مردودية أفضل لمساهمتها في الاقتصاد الوطني الذي لا يتجاوز 600 مليار دينار جزائري".

بررت وزارة المالية صاحبة المقترح هذا الإجراء بالحاجة إلى حشد الأموال لدعم الاستثمار العمومي وتعزيز حكامة التدبير المالي للكيانات العمومية، ودعم استدامة ميزانية الدولة في سياق يتميز بتزايد القيود الميزانياتية وندرة الموارد العمومية.

ولفتت الوزارة إلى أن بعض المؤسسات والشركات العمومية الاقتصادية، والمؤسسات العمومية ذات الطابع الصناعي والتجاري، وكذلك المؤسسات ذات الطابع الخاص، تمتلك هوامش مالية هامة في بعض الحالات. غير أن هذه الموارد أحيانا تُستعمل بطريقة غير فعالة، سواء من خلال نفقات تسيير مفرطة أو استثمارات تفتقر إلى الطابع الاستراتيجي.

وعددت الحكومة محاسن هذا الإجراء: ترشيد التدبير المالي للشركات والمؤسسات العمومية المعنية، من خلال حثها على تحسين تخطيط نفقاتها وتخصيص مواردها بشكل أكثر كفاءة. 

أستاذ الاقتصاد أحمد شريفي لـ" الترا جزائر": المادة 147 من مشروع قانون المالية 2026 تعكس توجه الدولة نحو ترشيد نفقات المؤسسات العمومية وتعزيز كفاءتها المالية

وأبرزت أن هذا التدبير يستهدف بشكل أساسي المؤسسات التي تقتضي أوضاعها المالية أو ممارساتها مزيدًا من التقنين وحسن استعمال الموارد، مع التركيز على الكيانات التي سجلت مستوى مرتفعًا من المصاريف العامة مقارنة بالمعايير المعتمدة في قطاع نشاطها أو بالمعدلات المرجعية للأداء. فالنسبة المرتفعة لتكاليف التسيير غالبًا ما تُعد مؤشرا على اختلالات في التدبير، أو على ضعف ثقافة التحكم في التكاليف.

مخاوف من توسّع العجز وارتفاع التضخم

أثارت المادة 150 من المشروع، التي تعدل المادة 48 من القانون النقدي والمصرفي، اعتراضات واسعة إذ تسمح برفع الحد الأقصى للتسبيق في الحساب الجاري الذي يمكن أن يمنحه بنك الجزائر للخزينة العمومية من 10% حاليا إلى 20% من الموارد الميزانياتية، إضافة إلى تمديد مدة التسبيق من 240 يوما حاليا إلى سنة كاملة، مع إمكانية التمديد لسنة إضافية، وإلغاء شرط إعلان أزمة للحصول على هذا التسبيق.

 تمويل العجز عبر إصدار نقود جديدة يرفع حجم الكتلة النقدية دون ان تقابلها زيادة في الإنتاج، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية، وصولا إلى المساس باستقلالية بنك الجزائر

ينظر إلى هذه الإجراءات كقنبلة بطيئة الانفجار، خصوصا خطر زيادة الدين الداخلي للدولة، مما يضعف استقلالية الخزينة ويقلل من قدرتها على تمويل نفسها عبر أدوات السوق التقليدية، ناهيك عن خطر التضخم، لأن تمويل العجز عبر إصدار نقود جديدة يرفع حجم الكتلة النقدية دون ان تقابلها زيادة في الإنتاج، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتدهور القدرة الشرائية، وصولا إلى المساس باستقلالية بنك الجزائر.

وعليه قد يتحول من سُلطة نقدية مستقلة إلى أداة تمويل مباشر للحكومة، وهو ما تخلت عنه غالبية الدول الغربية، وخصوصا الأوروبية.

انتهاك مُحتمل للتشريعات

وتطرح أيضا إشكالية تطابق هذه الإجراءات مع القاعدة القانونية الآمرة المنصوص عليها في المادة التاسعة من القانون العضوي لقوانين المالية، التي تمنع إدراج أحكام خارجة عن نطاق الميزانية والإيرادات والنفقات العامة في قانون المالية. 

وعليه، وحسب أعضاء اللجنة المالية، فإن الإطار الأنسب للمادة 150 هو القانون النقدي والمصرفي، مع إمكانية إحالة أحكامها على قانون المالية عند تحديد سقف التسبيقات أو طرق استعمالها.

ويعتزم أعضاء في اللجنة المالية إدراج تعديلات للحدّ من جموح السلطة المالية، ونُزوعها لما يرونه حلولاً سهلة ومكلفة على الاقتصاد المحلي، وخصوصا ما يمكن وصفه بتحميل أجيال المستقبل أعباء وديونا صعبة السداد. لكن هذه الرغبة تصطدم بإصرار السلطة على تمرير سياستها الاقتصادية والمالية مستغلة صمت فئة من البرلمانيين لا تريد اغضاب الجهاز التنفيذي قبل انتخابات الإعادة المقررة خلال الثلاثي الأول من السنة المقبلة. 

الكلمات المفتاحية

مصانع السيارات في الجزائر

من كيا إلى رونو.. 6 مصانع سيارات مغلقة في الجزائر تنتظر العودة

يترقب الجزائريون بشغف عودة مصانع السيارات المغلقة، معظمها بسبب قضايا فساد سجلت في حقبة النظام السابق، مع أمل كبير في توفير المركبات للسوق الوطنية التي لا تزال تعاني نقصًا حادًا.


منحة السفر في الجزائر

منحة السفر في الجزائر.. من دعم اجتماعي للمسافر إلى وقود للسوق السوداء

أصدر بنك الجزائر بتاريخ 7 ديسمبر/كانون الأول الجاري بيانًا رسميًا حذر فيه من استغلال المنحة السياحية التي تعادل 750 يورو، والمقررة بداية من 17 جويلية/تموز المنصرم وفق قرار وقعه محافظ بنك الجزائر صلاح الدين طالب، إلى وجهات تتجاوز أهدافها القانونية.


الجيل الخامس

شبكة الجيل الخامس في الجزائر قريبًا.. سرعة أعلى أم وعود مؤجلة؟

مع إطلاق عصر الجيل الخامس بالجزائر رسميًا، الظاهر أنّ البلاد تسير نحو الزيادة في سرعة الإنترنت وإعادة تشكيل مختلف قطاعات الاقتصاد والخدمات.


الأموال

34 بالمائة من أموال الجزائريين خارج البنوك.. من يحكم اقتصاد الظل؟

في الجزائر، لا يحتاج المواطن إلى الكثير ليلاحظ أنّ جزءا كبيرا من المال لا يمر عبر البنوك، معاملات نقدية يومية، تجار يفضلون “الكاش”، وأسعار تتحرك خارج أي منطق بنكي، هذا الواقع الذي يلمسه الناس في حياتهم العادية، يعكس خللا أعمق من مجرد تبادل أوراق نقدية.

تكلفة سكنات عدل 3
أخبار

تحديد الكلفة النهائية لسكنات "عدل 3" وطريقة احتساب الثمن

صدر في العدد الأخير من الجريدة الرسمية قرار وزاري مشترك مؤرخ في 24 نوفمبر 2025، يحدّد الكلفة النهائية المعتمدة لحساب ثمن المسكن الموجّه للبيع بالإيجار، بالنسبة للطلبات المسجّلة خلال سنة 2024، في إطار ضبط آليات التسعير وتوضيح الامتيازات الممنوحة للمستفيدين.

حوادث المرور_0.jpg
أخبار

فاتورة باهظة.. 230 مليار دينار كلفة حوادث المرور في الجزائر

قدّرت المفتشية العامة للمالية الكلفة الاقتصادية لحوادث المرور في الجزائر بنحو 230 مليار دينار، في رقم يعكس خطورة الوضع المروري وتداعياته الثقيلة على الاقتصاد الوطني، ويعزز التوجه الرسمي نحو تشديد العقوبات ضمن مشروع قانون المرور الجديد المعروض حاليًا للدراسة على مستوى المجلس الشعبي الوطني.


أمطار رعدية ورياح
أخبار

طقس الجزائر.. أمطار رعدية غزيرة تفوق 60 ملم بعدة ولايات

أصدر الديوان الوطني للأرصاد الجوية، اليوم الإثنين، نشرية خاصة حذّر فيها من تساقط أمطار رعدية معتبرة على عدد من ولايات الوطن، قد تكون غزيرة محليًا وتستمر إلى غاية صبيحة يوم غد الثلاثاء.

الفيضانات في الجزائر
أخبار

وزارة الري تحصي أكثر من 13 ألف نقطة سوداء مهددة بالفيضانات في الجزائر

كشف مدير التطهير والوقاية من مخاطر الفيضانات بوزارة الري، شريف عيسيو، عن إحصاء نحو 13.500 نقطة سوداء عبر مختلف ولايات الوطن، وهي مناطق تشهد تجمعًا للمياه وقد تشكل خطرًا حقيقيًا على السكان والبنية التحتية خلال فترات تساقط الأمطار الغزيرة.

الأكثر قراءة

1
اقتصاد

من كيا إلى رونو.. 6 مصانع سيارات مغلقة في الجزائر تنتظر العودة


2
أخبار

بعد طعنه لدى المحكمة العليا.. والدة الصحفي كريستوف غليز تراسل الرئيس تبون للعفو عنه


3
سياسة

قانون تجريم الاستعمار في الجزائر يصل مرحلته النهائية.. نحو مساءلة تاريخية كاملة


4
مجتمع

المجتمع بحاجة ملحة لخدماته.. لماذا يغيب طب الشيخوخة في الجزائر؟


5
أخبار

مشروع قانون تجريم الاستعمار على طاولة البرلمان الجزائري