قصة كعك تلمسان.. أسطورة الحلوى الصامدة منذ سبعة قرون
3 ديسمبر 2025
في أصل منشأ الكعك التلمساني، يتداول السكان مرويات شعبية شفوية تعيد تكوينه الأول إلى الصدفة إبّان حدث تاريخي بارز عاشته المدينة خلال القرن الثالث عشر.
إنّ كل من تسألهم عن تاريخ هذه الحلوى، سواء أكانوا من عامة الناس أو من الحلوّاجيين في مدينة تضم مسجدًا يسمى السيد الحلوي نسبة إلى عالم جليل درج على تقديم العلوم للكبار والحلوى للصغار يسردون هذه الرواية الشعبية المتواترة، التي تربط ميلاد الحلاوة بمرارة ثمانية أعوام وثلاثة أشهر، عاشت فيها المدينة واحدة من أسود فتراتها التاريخية.
ففيما ظلّ المؤرخون يحكون قصة أطول حصار في التاريخ أحكمه المرينيون على المدينة الزيانية، تتوارث عجائز مدينة الأبواب السبعة، من القرمادين حتى باب جياد القريب من قصر المشور، ملحمة الكعك بطريقة أخرى، قريبة من الأسطورة.
حلوى الأساطير
تقول الحاجة ظريفة لـ"الترا جزائر": "يروي الخلف عن السلف أنّ الناس لم يجدوا ما يأكلون خلال حصار الجيوش المرينية للدولة الزيانية بين نهاية القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر، فالتأم جمع من النسوة وصنعن هذه الحلوى بما تيسّر لهن من عجينة وتوابل. وهكذا صارت تلك الحلوى المقاومة للتلف أكلة مضادّة للجوع في تلك الأعوام العصيبة. وهذا ما روته لي والدتي نقلاً عن أمّها".
إنّ كل من تسألهم عن تاريخ هذه الحلوى، سواء أكانوا من عامة الناس أو من الحلوّاجيين في مدينة تضم مسجدًا يسمى السيد الحلوي نسبة إلى عالم جليل درج على تقديم العلوم للكبار والحلوى للصغار يسردون هذه الرواية الشعبية المتواترة، التي تربط ميلاد الحلاوة بمرارة ثمانية أعوام وثلاثة أشهر، عاشت فيها المدينة واحدة من أسود فتراتها التاريخية.

فقد ضرب السلطان المريني أبو يعقوب يوسف المريني الخناق على عاصمة يغمراسن بن زيّان عام 1299م، وبنى حولها جداراً وأقام عند مدخلها مدينة المنصورة، فعرف الناس الجوع والموت والعنت والاضطراب وأزمة اقتصادية خانقة جراء قطع سبل الإمداد بالماء والطعام. واضطر الناس آنذاك لأكل الأعشاب والحشائش، قبل أن يخرجوا منتصرين ويعمّ الرخاء والازدهار من جديد بدءًا من سنة 1308م.
وبعد ما يقارب السبعمائة عام عن تلك الحادثة الموثّقة والأسطورة الشفوية، لا يزال التلمسانيون يصنعون الكعك المحلي المغذّي والزهيد. ففي أزقة الدروب الضيقة، مثل درب سيدي حامد والعشابين بالمدينة القديمة، أو في الجادات الواسعة لشارع فرنسا الكولونيالي، تشتم رائحته العطرية الفوّاحة، ويتقاطر الناس عليه لشراء كيسين وثلاثة وأربعة، حتى صار سفيراً فوق العادة لتلمسان في كافة مدن الغرب التي باتت تتفنن في صنعه وبيعه.
تقول الحاجة ظريفة لـ"الترا جزائر": "يروي الخلف عن السلف أنّ الناس لم يجدوا ما يأكلون خلال حصار الجيوش المرينية للدولة الزيانية بين نهاية القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر، فالتأم جمع من النسوة وصنعن هذه الحلوى بما تيسّر لهن من عجينة وتوابل. وهكذا صارت تلك الحلوى المقاومة للتلف أكلة مضادّة للجوع في تلك الأعوام العصيبة. وهذا ما روته لي والدتي نقلاً عن أمّها".
في درب السلسلة، تتذكر سيدة ستينية أيامها الخوالي قبل أن تقول لـ"الترا جزائر": "كل العائلات كانت تعجنه ليس في العيد فحسب، بل في كافة الأيام. وكانت النساء ينقلنه إلى فرانين الأحياء المنتشرين بكثرة في تلك الفترة، فهو عُولة البيت المخزّنة، ليكون بديلاً عن الخبز إذا فُقد، ويصلح لشرب القهوة والشاي والحليب لأن نكهته طيبة على الدوام".
بديل اقتصادي
واحتراماً لتلك العادات، نبتت دكاكين ومخابز كثيرة تصنعه في تلمسان، ولا تتفاجأ إن وجدت محلّين لا يفصل بينهما سوى شارع قصير، كما لو أنّه اختصاص يتوارث جيلاً بعد آخر، وتراث غذائي يستوجب الحفظ والحماية والمنافسة.
عائلة زعيمي واحدة من العائلات التي حافظت على الصنعة منذ ثلاثة أجيال ولا تزال. يشهد محلّها تهافتاً كبيراً من الزبائن، خاصة من النساء، وهذا مؤشر كافٍ على الجودة.
تقول زبونة خمسينية لـ"الترا جزائر": "كثيرة هي محلات الكعك التلمساني، لكن هذا المحل هو الأكثر جذباً لعراقته. وثمّة أمر بالغ الأهمّية، فطريقة الطهي هنا تجري في فرن تقليدي قديم عتيق. وكما يقول المثل الفرنسي: وحدها الأواني القديمة تطهو الحساء اللذيذ".

يشتد الإقبال مساءً مقارنة بالساعات الأولى من النهار. ويؤكد عمر، القاطن ببلدة شتوان المجاورة: "أقتني الكعك ثلاث مرات في الأسبوع، وأظن أنّ جلّ الموظفين القاطنين بالمدينة أو في الأحواز يقتنون حصتهم العائلية بعد انتهاء ساعات العمل. وهو على أية حال أفضل من "الميلفاي" أو "الإيكلار" أو "الرولي". يمكنك بـ200 دينار أن تقتني كيلوغراماً يتكون من وحدات كثيرة، فهو بديل اقتصادي جيد مقارنة بالمرطبات الحديثة والمصنّعة التي لا يقل سعر القطعة الواحدة منها عن 70 أو 100 دج".
يقدّم عمر واحداً من الأسباب المباشرة لاستمرار الكعك التلمساني في الزمن. فبخلاف الحلويات التقليدية الأخرى الخاصة بالأفراح والأعياد، يظلّ هو كعكاً يومياً، شأنه شأن الخبز، وملاذاً للعائلات كثيرة العدد من الغلاء الفاحش الذي يهزّ سوق المرطبات التي ارتفعت أسعارها جراء زيادات مست المواد الأولية كالسكر والمحليات والملونات.
الخميرة البائتة
نشأ هذا المحل في الأصل خلال القرن التاسع عشر على يد عائلة يهودية مقيمة بتلمسان، بعد أن استقطبت عبر ميناء هنين عدداً كبيراً من المهاجرين المسلمين واليهود من طائفة السفارديم الفارّين من محاكم التفتيش عقب سقوط الأندلس. وفي هذا الصدد، يقول أنور زعيمي، مسيّر هذه المؤسسة العائلية لـ"الترا جزائر": "كان والدي خبازاً قبل أن يصير حلوانياً، وقد ورث المحل عن والده الذي اقتنى هذا الدكان المشيَّد بين أعوام 1860 و1880 من طرف عائلة يهودية خصصته للمأكولات اليهودية مثل الرقاقة والدفينة وغيرها".
تدل الكميات الكبيرة للحصص المباعة على دورة تجارية ممتازة. يقول الطاهي، وهو شاب في منتصف العقد الثالث، قويّ البنية، يفرك الجمر بالطرحة: "في كل يوم نبيع ما بين 3 إلى 4 قناطير من الكعك، وقد يرتفع أحيانًا لما فوق ذلك. الطهي مستمر طوال العام، ولا نتوقف سوى خلال الأسبوعين الأولين من شهر رمضان، والأسبوع الذي يلي عيدي الفطر والأضحى".
يشرح أنور طريقة تحضير الكعك وهو ينظر إلى صور والده المعلقة على الجدار العلوي: "يُحضر الكعك من الفرينة والسكر والماء لتحضير الخميرة، وتضاف إليه توابل تصنع سرّ نكهته العطرية. فهو ذو رائحة زكية وليس شديد الحلاوة إذا ما قورن بمرطبات أخرى. أما النكهة فهي رحيق توابل مكوّنة من الشنان والنافع وحبّة حلاوة".

ويضيف: "تمزج التوابل بالعجينة بعد سحقها وطحنها. أما الخميرة فهي من أسرار الصنعة التي لا يمكن الكشف عنها، لكن الثابت أنّها سرّ من أسرار الكعك الجيد. فنحن مثلاً نحضّر خمسة كيلوغرامات من الخميرة ونتركها كي تربو، أي تنتفخ، ثم نقتطع منها اثنين نصنع بهما كعك اليوم، ونخلّف الباقي ليوم الغد ليضاف إلى خميرة جديدة. وهذه الإضافة، التي تمزج بين البائت والحاضر، تمنح الكعك نكهته الفريدة".
أسعار زهيدة
تدل الكميات الكبيرة للحصص المباعة على دورة تجارية ممتازة. يقول الطاهي، وهو شاب في منتصف العقد الثالث، قويّ البنية، يفرك الجمر بالطرحة: "في كل يوم نبيع ما بين 3 إلى 4 قناطير من الكعك، وقد يرتفع أحيانًا لما فوق ذلك. الطهي مستمر طوال العام، ولا نتوقف سوى خلال الأسبوعين الأولين من شهر رمضان، والأسبوع الذي يلي عيدي الفطر والأضحى".
ويعلّق أنور: "نعم، لا يستهلك الناس الكعك في الأسبوعين الأولين لرمضان، ويقبلون بدلاً منه على اقتناء الحلويات المخصّصة للعيد بدءًا من النصف الثاني من الشهر الفضيل، كما يستهلكون الكثير من الحلويات المنزلية في الأسبوع الأول للعيد، ولذلك نتوقف عن الطهي في تلك الفترة".

تتنوع تشكيلات الكعك بين أصناف عدّة، رغم أنّ عجينته الأصلية واحدة. أهمها الكعك الأصلي الذي يباع بـ200 دج للكيلوغرام الواحد، ويحتوي الكيلو بين 22 و26 قطعة. وقد تزيد أو تنقص قطع المشتقات الأخرى مثل العصّارة، والهلال، وهلال الجلجلان الغروبية، والمسكوتة، وكعك وجدة، والقريوش. وتتراوح الأسعار بين 200 و300 و350 دج، باستثناء القريوش الذي يصل سعره إلى 700 دينار، والمقروط بـ600 دج.
أسرار الحطب
يقع الفرن في مهوى أرضي شبيه بقبو واسع، ما يضطر الفران للنزول قرابة متر تحت مستوى أرضية المحل لمعاينة غرفة العمليات: تسوية الحطب، وإذكاء الجمر من الفوهة السفلية، وقياس درجة الحرارة فوق السبيكة العلوية.
يقول مسيّر المحل: "من أهم عوامل نجاح الكعك العائلي هو الفرن الذي يُسعَّر بحطب جذوع أشجار الزيتون، لعدّة أسباب؛ أهمها أنه عالي التدفئة، بطيء الانطفاء، فجمره لا يخبو بسرعة، كما أنّ دخانه يمنح العجينة نكهة فريدة محبّبة لدى الجميع. نشتري حمولات الحطب من الباعة مقابل سعر يتراوح بين 5000 و10.000 دج، وخلال أشهر تقليم أشجار الزيتون نقوم نحن بهذه العملية في البساتين التي نملكها في عين تموشنت، ونقتطع الحطب لاستخدامه خلال تلك الفترة".

يفضّل عدد كبير من مالكي المقاهي وباعة الحلويات بالتجزئة اقتناء كميات من الكعك لبيعها مباشرة في متاجرهم. ويضيف أنور: "يأتينا الزبائن من كل مناطق تلمسان وحتى من الولايات الغربية المجاورة، ويفضّل بعضهم طلب كميات ينقلونها إلى فرنسا وإيطاليا وكندا وحتى الصين، لأن الكثير من المهاجرين يحنّون لهذا الإرث التقليدي الذي لا يخلو منه بيت.
يقع الفرن في مهوى أرضي شبيه بقبو واسع، ما يضطر الفران للنزول قرابة متر تحت مستوى أرضية المحل لمعاينة غرفة العمليات: تسوية الحطب، وإذكاء الجمر من الفوهة السفلية، وقياس درجة الحرارة فوق السبيكة العلوية.
وثمّة سبب وجيه، فالكعك التلمساني، ونظراً لمكوّناته وطريقة عجنه وطهيه، يحافظ على هيكله ومذاقه على مدار فصل كامل يمتد من شهرين إلى ثلاثة دون أن يتلف أو يتعكر أو يتعفن. وهذا ما يرفعه من مقام الحلوى الظرفية إلى العُولة المنزلية. ولهذا تداوم الأسر على صناعته واستهلاكه طوال السنة، فمدة صلاحية استهلاكه تجعله لا سيدًا على المائدة فحسب، بل سيد جميع الحلويات التقليدية والعصرية".
هكذا صار كعك تلمسان، الذي ولد حسب الرواية الشعبية من رحم الحصار والجوع، رمزًا تاريخيًا لمقاومتهما معًا وللذاكرة الجماعية، وحلوى يومية لا تخلو منها مائدة، وسفيرًا صامتًا يحمل للمهاجرين رائحة الحارات والدروب وطعم تلمسان القديم.
الكلمات المفتاحية

جانت.. من هوامش الجنوب إلى جنّة السياحة العالمية في الجزائر
المتجه جوًا من مطار هواري بومدين بالجزائر العاصمة إلى جانت الواقعة في أقاصي الجنوب الشرقي للبلاد، يدرك للوهلة الأولى أن عاصمة الطاسيلي ذات إغراء خاص، لا على السياح المحليين فحسب، بل على السياح الأجانب أيضًا، حين يلحظ كوكبةً من الألمان والفرنسيين والإيطاليين يؤثثون تلك الرحلة.

7 أكلات جزائرية مشهورة في الشتاء.. بين التقاليد والقيمة الغذائية
مع انخفاض درجات الحرارة خلال فصل الشتاء، يعود الجزائريون، خاصة في المناطق الداخلية والمرتفعات الباردة، إلى أكلات تقليدية ارتبطت تاريخيًا بالدفء والشبع وتوفير الطاقة اللازمة لمواجهة قساوة المناخ.

كاتيا تواتي.. حسناء الصحراء التي هجرت باريس لتعيش مع الطوارق
في مقهى إِمْدِيوَن وتعني الأصدقاء، وسط جانت، تجلس فتاة ذات طلة أوروبية، ترتدي بزة مغامري السفاري، وتعتمر قبعة لاعبي البيسبول الأمريكية، تواجه العالم بوجه طفولي، وتوزّع ابتسامات فارهة تشي باطمئنان غزير يملأ القلب، وثقة عالية تسكن الذات.

من مفاتيح الملكة تينهينان إلى صليب الشمال.. حرفيون ينقشون إرث الطوارق في سماء العالم
في سوق تافسيت، وتعني الربيع، بمدينة تمنراست، إحدى ولايات الطوارق الرئيسية، جنوبي الجزائر، تتعالى أصوات باعة الكتان والشيشان والأعشاب من حين لآخر، برغبة الاستئثار بجيوب السياح المحليين والأجانب، غير أنّ سيمفونية المطارق التي تفلّ الحديد لا تنقطع على الدوام.
الجزائر تطرح مناقصةً دوليةً جديدة لشراء القمح
قال متعاملون أوروبيون إن الديوان الجزائري المهني للحبوب طرح مناقصة دولية لاقتناء القمح، محددًا يوم الاثنين المقبل كآخر أجل لتقديم العروض.

طقس الجزائر.. موجة برد وأمطار رعدية تمس عدة ولايات عبر الوطن
تشهد عدة ولايات من البلاد، اليوم الأحد، تقلبات جوية حادة تتمثل في موجة برد شديدة وتساقط أمطار رعدية بكميات معتبرة محليًا، وفق ما أفادت به مصالح الأرصاد الجوية.

للمرّة الخامسة.. مولودية الجزائر تُتوَّج بالكأس الممتازة
تُوِّج نادي مولودية الجزائر، اليوم السبت، بلقب الكأس الممتازة، عقب فوزه في لقاء الديربي على غريمه التقليدي اتحاد الجزائر بهدف دون مقابل، في المباراة التي احتضنها ملعب نيلسون مانديلا.

سيفي غريب يعلن إطلاق "ورشات عمل".. هل يتم إصلاح قطاع سيارت الأجرة في الجزائر؟
ترأس الوزير الأول، سيفي غريب، اجتماعًا تشاوريًا مع ممثلي النقابة الوطنية للناقلين بسيارات الأجرة، بحضور وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، ووزيرة التجارة الداخلية وضبط السوق الوطنية، خُصّص للاستماع لانشغالات مهنيي القطاع وبحث آفاق إصلاح منظومة النقل.
