محرز بويش: يمكن للدراسات ما بعد الكولونيالية تفكيك الخطاب الذي قدّم الاستعمار بوصفه مشروعًا حضاريًا
20 ديسمبر 2025
في حوارٍ لـ "التر جزائر"، يقدّم محرز بويش، دكتور الفلسفة السياسية وأستاذ بجامعة عبد الرحمن ميرة ببجاية، قراءة تحليلية مُعمّقة لأهمية الدراسات الكولونيالية ودورها المركزي في تفكيك البُنى الفكرية والسياسية التي خلّفها الاستعمار.
ويؤكد أن دراسات ما بعد الاستعمار لا تقتصر على استعادة الماضي أو توصيف الوقائع التاريخية، بل تمثّل إطارًا نقديًا لفهم الآثار البنيوية بعيدة المدى للاستعمار على المجتمعات المستعمَرة، سواء على مستوى الهوية، أو الوعي السياسي، أو أنماط التفكير والتمثّل الثقافي.
ويتناول بويش إشكالية الهوية الكولونيالية بوصفها نتاجًا لعلاقات قوة غير متكافئة، تشكّلت عبر آليات الإقصاء والهيمنة الرمزية، كما يُجيب عمّا إذا كانت هذه الهوية قد اندمجت فعليًا في نسيج الهوية الوطنية أم أنها ما تزال عنصرًا مفروضًا يعيد إنتاج التبعية بأشكال جديدة.
محرز بويش، دكتور الفلسفة السياسية: يمكن القول إن الدراسات الكولونيالية أو ما يُسميه بعض المتخصصين بدراسات الاستعمار وما بعد الاستعمار، تكتسب أهمية بالغة جدا، بالخصوص في المرحلة المعاصرة التي تعرف تحركًا نظريًا، سياسيًًا، أيديولوجيًا رهيبًا في إنتاج ثلاثة خطابات خطيرة للغاية: خطاب تبرير الاستعمار، خطاب تمجيد الاستعمار، والخطاب النيوكولونيالي
ويرى أن حضور البُعد الكولونيالي داخل الهوية الوطنية ليس حضورًا طبيعيًا أو تلقائيًا، بل هو نتيجة مسار تاريخي طويل من إعادة التشكيل القسري للذات الجماعية، وما رافقه من تفكيك للمرجعيات الثقافية المحلية وإحلال سرديات استعمارية محلّها
ماهية أهمية الدراسات الكولونيالية؟
يمكن القول إن الدراسات الكولونيالية أو ما يُسميه بعض المتخصصين بدراسات الاستعمار وما بعد الاستعمار، تكتسب أهمية بالغة جدا، بالخصوص في المرحلة المعاصرة التي تعرف تحركًا نظريًا، سياسيًًا، أيديولوجيًا رهيبًا في إنتاج ثلاثة خطابات خطيرة للغاية: خطاب تبرير الاستعمار، خطاب تمجيد الاستعمار، والخطاب النيوكولونيالي.
على حسب اعتقادي وقراءاتي المتعددة، تكمن أهمية هذه الدراسات، بغض النظر عن تأسيساتها الفلسفية والنظرية، أنها لا تدرس الماضي فقط، ولا تحدد الأطر التاريخية والسياسية للظاهرة الاستعمارية والاستيطانية التاريخية بالخصوص، بل تفكك البُنى السياسية والمعرفية والرمزية التي خلفها الاستعمار، والتي ما تزال تؤثر في دول الجنوب المُستعمرَة، ومنها الجزائر، التي عاشت ويلات الاستعمار لمدة 132 سنة. كما تحاول هذه الدراسات إعادة قراءة نقدية تحررية تُبرز آليات الاستمرار والتحول في التجربة الاستعمارية وما بعدها.
ويمكن الحديث عن بعض هذه الدراسات على سبيل المثال لا الحصر، كأعمال فرانز فانون، الذي عايش الثورة الجزائرية وشارك فيها، والذي كشف البنية النفسية للعنف الاستعماري وآثاره العميقة على الذات المستعمَرة، و أعمال إدوارد سعيد، الذي بين في كتابه "الاستشراق" كيف تُنتَجُ المعرفة بوصفها أداة للهيمنة وإعادة إنتاج الصورة النمطية عن الشرق، وأعمال أشيل مبمبي الكاميروني، الذي طور مفهوم "السيادة النيكرونية" لفهم آليات السيطرة الحديثة وعلاقات القوة ما بعد الكولونيالية، وأعمال ألبير ميمي المفكر التونسي-الفرنسي، الذي درس جدلية المُستعمِر والمستعمَر في إطار نقدي يكشف عن البُنى النفسية والاجتماعية للاستعمار.
بصفة عامة، يُمكن لي تلخيص هذه الأهمية في خمس محاور مركزية:أولًا: أهمية هذه الدراسات اليوم تكمن في قدرتها على تفكيك البُنى السياسية والفكرية التي ارساها الاستعمار، والتي ما تزال ظاهرة في التعليم واللغة، والساحة السياسية وحتى الفكرية، وفي التَمثلًات الثقافية.
ثانيًا: تسعى، تقريبًا كل الدراسات الكولونيالية إلى تفكيك أنماط السلطة والمعرفة التي ما تزال تؤثر في دول المستعمرة، بما فيها الجزائر، وإلى صياغة قراءة نقدية تحررية وتحدد "اللامفكر" أو "المرفوض التفكير فيه" في الظاهرة الاستعمارية وتحولاتها في مرحلة ما بعد الاستعمار.
ثالثًا: تُسهم الدراسات الكولونيالية في فهم كيفية تشكل الهوية الوطنية في مواجهة الصور النمطية التي أسقطها الاستعمار على الشعوب. وهي أيضا أداة لإعادة التفكير في الدولة الوطنية التي تشكلت داخل حدود وإرث إداري وسياسي وفكري وثقافي، صُنع خلال الحقبة الكولونيالية.
رابعًا: تتيح لنا هذه الدراسات قراءة اقتصادية لفهم آثار الرأسمالية الكولونيالية على نمط التنمية في الدول المستعمَرة سابقًا، وطرح أسئلة حول استمرار أشكال من الاستعمار الجديد في سياق العولمة.
خامسًا: وفي النهاية، تُسهم الدراسات الكولونيالية في تطوير وعي نقدي جماعي، بما فيه وعي عند الشعوب التي تنتمي الى الدول الاستعمارية التاريخية. وهو بُعد يظل مركزيًا، حيث ترتبط الذاكرة والهوية والسيادة ارتباطًا مباشرا بالسؤال الكولونيالي.
كيف تساعد الدراسات الكولونيالية وما بعدها في فهم أثار الاستعمار على المجتمعات المُستعمَرة والمستعمِرة؟
السؤال مهم ومهم جدًا، ورغم أنني لا أعتبر نفسي متخصصًا في الدراسات الكولونيالية، وقد أشرت سابقًا إلى بعض جوانبها، يمكنني القول إن هذه الدراسات تلعب دورًا كبيرًا في فهم آثار الاستعمار، سواء بالنسبة للدولة المستعمِر والدولة المستعمَرة، لأنها تكشف، خاصة، استمرار تأثير البُنى السياسية والاقتصادية التي أُقيمت خلال الحقبة الاستعمارية في حياة المجتمعات حتى اليوم. فهي توضح، على سبيل المثال، كيف ورثت الدول المستعمَرة أنظمة إدارية وحدودا جغرافية واقتصادات غير متوازنة ما تزال تشكل عائقا أمام التنمية.
كما تسهم هذه الدراسات في تحليل التأثيرات الاجتماعية والثقافية العميقة، مثل تغير اللغة والهوية والعلاقات الطبقية، والتصنيفات العرقية والأثنية- خاصة مسألة الهوية كما تتحدث عنه المؤرخة والأكاديمية الأميركية بتريشيا لورسن في كتابها المهم جدا "هويات استعمارية" إضافة إلى دورها في تفكيك الخطابات والصور النمطية التي رسخها المستعمِر عن الشعوب التي خضعت لسلطته.
ورثت الدول المُستعمَرة إرثًا ثقيلًا ما زالت تعاني تبعاته إلى اليوم. فقد خلف الاستعمار قضايا عميقة لم تُحل إلى حد اليوم، وأكثر من ذلك أصبحت عائقًا في تنميتها وتقدمها، من بينها آثار نفسية قاسية، وتفكيك البُنى الاجتماعية التقليدية، وإدخال أنماط ثقافية جديدة زعزعت الهوية المحلية.
كما ساهم في إنتاج نعرات قبلية وإثنية، وصراعات سياسية وانقسامات أيديولوجية، إضافة إلى إنشاء فئات وكيانات كانت موجهة ضد الدولة الوطنية، مثل فئة الحركى، والأتباع، والمساندين، أو تشكيلات عسكرية مثل الفيلق الأجنبي.
وإلى جانب ذلك، أبقى الاستعمار في الدول المستعمَرة على أنظمة إدارية غير متوازنة، وحدود جغرافية مرسومة بشكل اعتباطي، وتصنيفات إثنية، واقتصادات مرتبطة بالمركز الاستعماري، وكلها عوامل ما تزال تشكل عائقا حقيقيا في استقرارها حتى اليوم.
ولا تقتصر أهمية الدراسات الكولونيالية على تدوين الجانب التاريخي فحسب، بل تمتد أيضا إلى فهم أشكال المقاومة التي طورها السكان المحليون، وإعادة الاعتبار لأصوات طالما بقيت مهمشة في الروايات التاريخية الرسمية وغير الرسمية.
وتساعد هذه الدراسات كذلك في فهم الأثر الذي تركه الاستعمار على الدول المستعمِرة نفسها، سواء على المستوى الثقافي أو الاقتصادي أو القيمي. وبشكل عام، توفر هذه المعرفة أساسًا مهما لصياغة سياسات أكثر عدالة ولمعالجة إرث الاستعمار بصورة واعية وشاملة.
وتُشير الدراسات الكولونيالية على أن آثار الاستعمار ليست محصورة فقط في المجتمعات التي خضعت له، بل تمتد أيضا إلى المجتمعات التي مارسته، عبر إعادة تشكيل هويتها ومجالها السياسي والمعرفي. وهذا ما يجعل الدراسات الكولونيالية أداة أساسية لفهم تفاعلات الماضي والحاضر في آن واحد.
لا تقتصر أهمية الدراسات الكولونيالية على تدوين الجانب التاريخي فحسب، بل تمتد أيضا إلى فهم أشكال المقاومة التي طورها السكان المحليون، وإعادة الاعتبار لأصوات طالما بقيت مهمشة في الروايات التاريخية الرسمية والغير رسمية
ولعل من بين أبرز انعكاسات هذا الإرث في الدول المستعمِرة، بروز تيارات سياسية راديكالية، خصوصًا تيارات اليمين المتطرف، التي أعادت إنتاج نظرة إقصائية تجاه المهاجرين القادمين من المستعمرات السابقة.
وأنتجت وسائل إعلامية أضحت أبواق للتمييز والعنصرية وخطاب الكراهية. وكونت نخبة فيها العديد ممن تبنى النيو-كولونيالية وتبرير الاستعمار وتمجيده والمناهض للمهاجرين. وأسهم الإرث الاستعماري التاريخي في تشكيل خطابات تُحمل المهاجرين مسؤوليات اقتصادية وثقافية لا علاقة لهم بها، كما غذى صعود تيارات مناهضة للإسلام وللتعددية الثقافية عموما، مستندة إلى تصورات نمطية تشكلت خلال الحقبة الاستعمارية واستمرت في الخطاب العام.
هل يمكن إدراج عناصر من الهوية الكولونيالية كاللغة الفرنسية والثقافة الفرنسية ضمن الهوية الوطنية، كما يتبناه كل من كمال داود وبوعلام صنصال؟
بغض النظر عما يتحدث عنه كل من كمال داود وبوعلام صنصال، اللذان اختارا الانتماء أو التبني الواعي وغير الواعي للأطروحات اليمينية المتطرفة، والتصوّرات النمطية الراديكالية التي تحاول اللوبيات المؤثرة في فرنسا فرضها، بالنسبة إلى مسألة إدراج عناصر من الهوية الكولونيالية، كاللغة الفرنسية أو بعض المظاهر الثقافية الفرنسية، ضمن الهوية الوطنية، فأعتقد أن ضرورة إدخال مفهوم " الهوية الكولونيالية" نفسه يقوم على مغالطة منهجية، هي من إنتاج تيارات قد تكون "نيو-كولونيالية". فالهوية الجزائرية، تاريخيًا وثقافيًا وسياسيًا، وحتى قانونيًا محسوم فيها: هي هوية مبنية على ثلاث ثوابت (العربية، الأمازيغية، الإسلام) تشكلت عبر قرون طويلة قبل الاستعمار الفرنسي وبعده. والأصل التاريخي للجزائر فعلي ومحسوم.
من جانب أخر، هذا لا يعني أن اللغات التي خلفها الاستعمار يجب أن تتحول إلى أدوات لإنتاج خطاب عدائي أو دفاعي. فاللغة، كما قال كاتب ياسين، هي في النهاية "غنيمة حرب"، أي أنها تحولت أو يمكن أن تتحول من رمزٍ للهيمنة إلى أداة يمكن توظيفها معرفيا.
ومن هذا المنطلق، تصبح اللغة الفرنسية في الجزائر شبيهة بوضع لغات أخرى في دول مرت بتجارب استعمارية مختلفة: فالإنجليزية بقيت راسخة في الهند وباكستان ونيجيريا، والإسبانية في أمريكا اللاتينية، والبرتغالية في موزمبيق وأنغولا، والتركية في بعض بلدان البلقان. كل تلك اللغات تحولت بمرور الزمن من "أثر استعماري" إلى جزء من المشهد اللغوي الوطني، من دون أن تمس بجوهر الهوية المحلية أو تنفيها.
المهم، إذن، ألا تُحمل اللغة الفرنسية في الجزائر أكثر مما تحتمل، وألا تُستعمل كأداة لإعادة إنتاج استقطاب إيديولوجي، فهي ليست تهديدًا للهوية ولا ضمانة لها، بل وسيلة من وسائل المعرفة والتواصل والانفتاح.
على حسب اعتقادي، النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يكون حول "الهوية الكولونيالية"، بقدر ما يجب أن يتناول كيفية إدارة التعدد اللغوي بصورة هادئة وعقلانية، بما يخدم التنمية الثقافية والعلمية، والتواصل مع الأخر، دون توظيف رموز الماضي في صراعات الحاضر، واستغلالها السياسي من أي طرف كان.
إلى أي مدى يمكن للهوية الكولونيالية أن تتعايش مع الهوية الوطنية؟
مفهوم "الهوية الكولونيالية" لا يجب أن يكون جزء من معادلة ضرورة الوجود بالقوة والوجود بالقوة، رغم أن البعض يتداول هذا المصطلح على أساس الضرورة، وبشكل محدد وحتمي.
لكن شخصيًا أرفض الحتمي الضروري، وبالتالي علينا التركيز على مرجعيات، وأسس، وغايات "الخطاب الكولونيالي" و"السردية الكولونيالية"، لأنهما يمثلان الأطر التي تحاول بعض الأطراف فرضها على كلا المجتمعين: المجتمع الذي كان مُستعمَرًا تاريخيًا، والمجتمع الذي كان مُستعمِرًا. ويهدف هذا الخطاب بشكل خاص إلى فرض نمطه ومنطقه على مسألة الذاكرة الجماعية والتاريخية، وعلى ضرورة وحتمية إعادة تشكيل الهوية الوطنية.
في تقديري، لا يمكن الحديث فعليًا عن "تعايش" بين ما يُسمى بالهوية الكولونيالية و"الهوية الوطنية"، لأن مفهوم الهوية الكولونيالية نفسه يحمل إشكالًا معرفيًا. فهو يقوم على فرضية أن الاستعمار أنشأ "هوية بديلة" يمكن أن تقف في مقابل الهوية الوطنية أو تتعايش معها، بل شكلت الإرث الكولونيالي، كتجربة رهيبة جد ببعدها الاستيطاني الهمجي، والثقافي، واللغوي، والنفسي... وبالصور النمطية المتوحشة التي أدخلت في المخيال الاجتماعي حول الاستعمار، بينما الواقع أن "الهوية الوطنية" قد تشكلت تاريخيًا قبل الاستعمار بكثير واستمرت بعده، في حين لم ينتج الاستعمار هوية كاملة، بل أنتج خطابًا وسرديةً محددة تحاول التأثير على كل من المجتمع المستعمَر والمجتمع المستعمِر، وهي سرديات كولونيالية ونيو-كولونيالية تحاول المستعمرات السابقة فرضها لأغراض انتخابية، مصلحية، سياسية، وأيديولوجية...إلخ.
يجب ألا تُحمل اللغة الفرنسية في الجزائر أكثر مما تحتمل، وألا تُستعمل كأداة لإعادة إنتاج استقطاب إيديولوجي، فهي ليست تهديدًا للهوية ولا ضمانة لها، بل وسيلة من وسائل المعرفة والتواصل والانفتاح
أما ما يجب أن يكون، هو معركة الوعي، خاصة فيما يتعلق بوعي الشعوب المستعمَرة بطبيعة ونتائج الاستعمار الاستيطاني وما فعله في تحطيم الشعوب، ومقوماتها التاريخية، وأسسها الثقافية، ونظمها التقليدية، بالإضافة إلى وعي هذه الشعوب بهمجية الاستعمار في التقتيل، والمجازر التي اقترفتها، وفي استعمالها للأسلحة المحظورة، وفي ممارسة سياسات التهجير القسري والاستيلاء على الأراضي، وتجريف الموارد الطبيعية، ومحاولاتها المستمرة لطمس أسس هوية المستعمَر...إلخ، وهنا أستحضر مقولة فرانز فانون حين يقول: "الاستعمار لا يكتفي باحتلال الأرض، بل يسعى إلى احتلال الوعي".
وأيضا وعي الشعوب التي تنتمي الى الدول المستعمِرة سابقًا، بأن تبرير الاستعمار هو "أكذوبة تاريخية" لا تغتفر، وتمجيد الاستعمار هو "خيانة للإنسانية" و"تزوير للتاريخ"، لأن الاستعمار هو أكبر "شر وحشي" الذي أنتجه الإنسان باسم الدولة. أجل يجب أن يتشكل "وعي مشترك" من أجل عدم إعادة إنتاج الاستعمار مهما كانت صفته، وتفكيك كل محاولة لإنتاج الخطاب النيوكولونيالي.
ولهذا فإن النقاش لا يجب أن ينصب على ما إذا كانت "الهوية الكولونيالية" يمكن أن تتعايش مع "الهوية الوطنية"، فهذا الافتراض في حد ذاته يمكن أن يفتح النقاش حول ما سميته أكذوبة "الضروري" و"الحتمي"، بل النقاش يجب أن ينصب على كيفية تفكيك الخطاب الكولونيالي الذي ما يزال بعضه حاضرا، سواء في صورة تمجيد ضمني للماضي الاستعماري، أو في صورة طمس للهوية الوطنية - حول مسألة محاولات طمس الهوية الوطنية، للأسف حتى بعض النخب الوطنية انخرطت في تدنيس وطمس إحدى الثوابت الوطنية، خاصة من يحاول اليوم تدنيس وطمس الأمازيغية والتاريخ والانتماء التاريخي الأمازيغي للجزائر- أو في شكل سرديات معاكسة تُحمل كل ما هو فرنسي أو أجنبي صفة العداء. أعتقد بكل تواضع، بأن النقاش الحقيقي ليس نقاش هويات، بل نقاش خطابات وصور ذهنية وإرث سردي ما زال يتفاعل في الحاضر، يستعمل من طرف لوبيات، ويتشكل داخل الفضاء العمومي على شكل خطابات تراشق، فعل ورد فعل.
لماذا ما تزال السردية الاستعمارية قوية في الخطاب السياسي الفرنسي وحتى داخل بعض الأوساط الأكاديمية؟
سؤالك مهم جدا، لأن طرحه والإجابات عنه، تساهم في فهم أسباب إنتاج السردية الاستعمارية، كما تساعد على إدراك الدوافع الظاهرة والخفية التي تقف وراء إعادة إنتاج الخطاب النيو-كولونيالي.
نعم، أعتقد بشكل كبير، بأنه ما تزال السردية الاستعمارية حاضرة بقوة في الخطاب السياسي الفرنسي، وذلك نتيجة تراكمات سياسية وإيديولوجية، بل وحتى قانونية.
يجب التأكيد على أن فرنسا لم تُنجز بعد قطيعة حقيقية مع ماضيها الاستعماري. سواء تعلق الأمر بنخب سياسية، على غرار اليمين المتطرف وبعض التيارات المحافظة، أو بعدد من الوسائل الإعلامية المرتبطة بلوبيات يمينية، بل وحتى صهيونية، أو حتى ببعض النخب الجامعية، الأكاديمية والفكرية المعروفة التي يُمكن وصفها بـالساذجة، تلك التي ما تزال تؤمن بما يُسمى بمنافع الاستعمارles bienfaits du colonialisme، فإن القاسم المشترك بينها جميعا هو الإسهام، بدرجات متفاوتة، في إعادة إنتاج السردية الاستعمارية داخل الفضاء العمومي الفرنسي، تبرير التجربة الاستعمارية وتمجيدها، وأكثر من ذلك التأسيس للخطاب النيوكولونيالي.
علينا أن نقول، بأنه من خلال ما نشاهده اليوم في الساحة السياسية والفكرية الفرنسية، فالماضي الاستعماري لا يُنظر إليه فقط باعتباره تاريخًا مُنقضيًا، أو تاريخًا أليمًا، أو تاريخًا خادشًب، بل يُتعامل معه، في العديد من الأحيان، بوصفه جزءا من الهوية الوطنية الفرنسية.
كيف لا؟ وقد دافعت فرنسا رسميًا عن الاستعمار، بل وذهبت إلى حد تمجيده من خلال قانون تمجيد الاستعمار الذي صدر في 23 فبراير/شباط 2005، والذي شكل سابقةً خطيرةً في مجال الذاكرة التاريخية. فقد نصت المادة 4 من ذلك القانون على أن تُبرز البرامج المدرسية الدور الإيجابي للحضور الفرنسي فيما وراء البحار، ولا سيما في شمال إفريقيا.
ورغم أن هذه المادة أُلغيت لاحقًا تحت ضغط كبير من المجتمع المدني الفرنسي، والمؤرخين، والجامعات، إلا أن هذا القانون، على حسب اعتقادي، مهد الطريق أمام فرنسا الرسمية لتقبل تبرير الاستعمار وإعادة إدخاله إلى المجال العمومي بوصفه تجربة قابلة للتأويل الإيجابي، بعدما كان تمجيده محرمًا سياسيًا، مؤسساتيًا، وحتى قانونيًا.
يجب التأكيد على أن فرنسا لم تُنجز بعد قطيعة حقيقية مع ماضيها الاستعماري. سواء تعلق الأمر بنخب سياسية، على غرار اليمين المتطرف وبعض التيارات المحافظة، أو بعدد من الوسائل الإعلامية المرتبطة بلوبيات يمينية، بل وحتى صهيونية، أو حتى ببعض النخب الجامعية، الأكاديمية والفكرية المعروف
وفي السياق نفسه، الأمر الظاهر للعيان في الساحة السياسية في فرنسا حاليًا، هو أنه تُستعاد هذه السردية من طرف الساسة والأكاديميين في سياقات الحديث عن الهجرة، والإسلام، والأمن، حيث يُعاد إنتاج صورة "الآخر»"القادم من المستعمرات السابقة باعتباره مشكلة ثقافية أو حضارية، وهو ما يبرر سياسات الإقصاء والتشدد باسم القيم الجمهورية.
والسردية الكولونيالية نفسها، غالبا ما تستخدمها بعض الأطراف الأكاديمية كآلية لإنكار التاريخ الاستعماري بدل مساءلته، مما يعقد إدماج روايات المستعمَرين في السرد الوطني والمعرفي الفرنسي.
وعليه، فإن استمرار السردية الاستعمارية في الخطاب السياسي الفرنسي لا يمكن اعتباره أمرًا عرضيًًا، بل هو نتيجة مباشرة لغياب معالجة نقدية شاملة للماضي الاستعماري، ولتحول هذا الماضي إلى أداة إيديولوجية تُستعاد كلما اقتضت السياقات السياسي.
وعلى حد قول المؤرخ بنجامين ستورا بأن "فرنسا تعاني من حرب ذاكرات أكثر مما تمتلك سياسة ذاكرة"، في إشارة إلى غياب معالجة تاريخية هادئة وشاملة للماضي الاستعماري.
كيف يمكن للدراسات ما بعد الكولونيالية تحدي السردية وإعادة تفسير التاريخ من منظور عادل تاريخيًا؟
صحيح، كما سبق وأن تحدثت عنه في الإجابات السابقة حول أهمية الدراسات ما بعد الكولونيالية، يمكن الإضافة أيضا أنه في المرحلة الراهنة التي تسعى فيها الدول المستعمِرة تاريخيا إلى فرض سردية وخطاب حول تاريخها الاستعماري وربطه بـما تسميه، كذبًا، بـ "المهمة الحضارية"، وتبريره سياسيًا أو قانونيًًا، بل وحتى تمجيده، وفتح النقاشات عمدا في الساحة السياسية، وفي وسائل الإعلام، يصبح صراع السرديات صراعًا على " الذاكرة " وتحديد مضمونها، حتى عندما يتعارض ذلك مع الحقيقة التاريخية والمعرفة التاريخية العلمية.
وبالتالي، على حسب اعتقادي، يمكن للدراسات ما بعد الكولونيالية تحدي السردية التاريخية المهيمنة عبر تفكيك الخطاب الكولونيالي الذي قدم الاستعمار بوصفه مشروعًا حضاريًا، وإبراز تحيزاته المعرفية والسياسية، وحتى "العلمية الموجهة"، ثم إعادة قراءة التاريخ من خلال استعادة أصوات وتجارب الشعوب المُستعمَرة والمهمشة التي جرى إقصاؤها أو تشويهها في السرديات الرسمية.
كما أن المنظور التاريخي العادل، يمكن أن يكون من خلال الدور الذي تلعبه الدراسات ما بعد الكولونيالية، التي يمكن لها إبراز الحقائق التاريخية التي حاولت السرديات الكولونيالية اخفائها، أو الرفض في التفكير فيها، على غرار الصور النمطية الكاذبة التي حاولت فرنسا ربطها بتاريخها الاستعماري، صور حاولت اخفاء المجازر، والقتل، والاغتيالات، والتعذيب، والاغتصاب، والهدم، والحرق، وتدمير القرى، واستخدام الأسلحة المحرمة دوليا، والقيام بالتجارب النووية، وسياسات العنف والاستغلال وتهميش أصوات السكان...إلخ.
كما تعيد هذه الدراسات تفسير تاريخ كل التجارب الاستعمارية، بما فيه التجارب التي سميت انتداب، إلى جانب نقد الخطاب الاستشراقي الذي قدم الشرق بصورة نمطية لتبرير الهيمنة. كما تُبرز استمرار آثار الاستعمار في إفريقيا بعد الاستقلال الى يومنا هذا.
من جهة أخرى، تعتبر هذه الدراسات، فلسفيًا، مهمة جدا، لأنها تسعى على تفكيك ونقد المفاهيم المركزية التي تحاول بعض النخب فرضها في السرديات الاستعمارية، مفاهيم مرتبطة بعلاقات الهيمنة والاستغلال، وربط الماضي الاستعماري بآثاره المستمرة في الحاضر. وعلينا توضيح مسألة في غاية الأهمية، هو أن كثيرا من الأزمات المعاصرة تعود إلى الإرث الاستعماري.
تفكيك ونقد المفاهيم المركزية في السردية الكولونيالية يساهم في بناء سردية تاريخية أكثر عدالة وتعددًا، تعترف بتعدد الروايات وتعيد التوازن المعرفي بين المركز والهامش، ويساعد على وضع حدود "علمية " و"نقدية" و"منهجية" حول مسألة "الذاكرة" بعيدا عن بناء "الذاكرة الانتقائية"، وبعيدا عن السردية المبنية على الإيديولوجية، "الشوفينية القومية"، واليمينية المتطرفة، و"الذاتية الانتمائية".
ختامًا، استمرار السردية الاستعمارية ليس صدفةً، بل نتيجة تلاقي الذاكرة الانتقائية، والمصالح السياسية الراهنة، وتلاقي مصالح اللوبيات ومصالح بعض النخب، وهو تلاقي يقاوم مبدأ نقد "الذات التاريخية".
وكما يشدد بنجامين ستورا، فإن تجاوز هذا المأزق يمر عبر "الاعتراف بتعدد الذاكرات وفتح النقاش العمومي حول الماضي دون خوف أو انتقاء".
فتفكيك هذه السردية يقتضي الاعتراف، والمساءلة، والانفتاح على روايات من كانوا موضوعا للاستعمار لا مجرد موضوع للدراسة، ويقتضي الوعي بالمصير المشترك للإنسانية وعيا جماعيا لكل الإنسانية، بأن الاستعمار جريمة لا يمكن تبريرها، وأن بناء خطاب نيو-كولونيالي هو بدوره جريمة لا تُغتفر، لأن التاريخ المأساوي الذي خلّفه الاستعمار يقدّم دليلًا واضحًا على أن ضحيته الأولى والأخيرة هي الإنسان.
الكلمات المفتاحية

زيارة بلا شروط.. وزير الداخلية الفرنسي في الجزائر الاثنين المقبل
الزيارة ستشمل العاصمة الجزائر، في إطار التحضيرات الجارية بين الجانبين. وأضافت أن نونيز أجرى مكاملة هاتفية مع نظيره الجزائري السعيد سعيود يوم الخميس الماضي في إطار التحضير لهذه الزيارة.

البرلمان يسرّع وتيرة الحسم في قانوني تجريم الاستعمار وقانون المرور
ضبط مكتب المجلس الشعبي الوطني أجندته التشريعية واضعًا قانون تجريم الاستعمار الفرنسي في صدارة أولوياته، من خلال برمجة جلسة خاصة يوم الثلاثاء 24 فيفري للمصادقة على المواد القانونية محل الخلاف، بعد استكمال عمل اللجنة المتساوية الأعضاء.

حوار|أرزقي فراد: مسألة الحريات ركيزة أساسية لأي تقدم سياسي أو فكري
تحدّث المؤرخ والنائب السابق عن جبهة القوى الاشتراكية محمد أرزقي فراد في حوار مع " الترا جزائر" عن العديد من القضايا المرتبطة بالسياسة والتاريخ والفكر بالجزائر، مؤكدًا على أنّ مسألة الحريات ركيزة أساسية لأي تقدم سياسي أو فكري.

مشروع قانون الأحزاب السياسية في الجزائر.. رقابةٌ مالية مشدّدة وآليات جديدة للحلّ القضائي
أنهت لجنة الشؤون القانونية والإدارية والحريات بالمجلس الشعبي الوطني إعداد تقريرها النهائي حول مشروع القانون العضوي المتعلق بالأحزاب السياسية، متضمّنًا تعديلات شكلية وأخرى جوهرية طالت عدّة مواد أساسية، أبرزها ما يتصل بتمويل الأحزاب، علاقتها بالإعلام، الشراكات الخارجية، الاندماج الحزبي، إضافة إلى آليات التعليق والحل والعقوبات الجزائية.

حوار| مالك بن اسماعيل : "العربي" فيلمٌ عن غياب هويةٍ صادقة أو مُصادرة صاغها آخرون
يُشَيِّدُ المخرج الجزائريّ مالك بن إسماعيل ( 1966) عبر مختلف أعماله المُقدّمة خلال مشواره، سينما مُغايرة تتقاطع فيها الذّاكرة والتّاريخ والسّياسة، حيث لا تكتفي بتسجيل الواقع، لكنّها أيضًا تسعى إلى مُساءلته وفهمه، من خلال حوارٍ دائمٍ بين الأرشيف والشّهادة والتّفكير النّقدي، كاشفةً عن المناطق المُعتمة في التّجربة السّينمائية الجزائرية المُعاصِرة.

انشغالات الصيادلة الخواص على طاولة وزير الصحة
أكدّ الوزير على مواصلة العمل التنسيقي لإثراء مسودة المرسوم التنفيذي المحدد لشروط وكيفيات ممارسة مهنة الصيدلي والصيدلي المساعد، باعتباره إطاراً قانونيا أساسيا لمواكبة تطورات الممارسة الحديثة وتعزيز أدوارهما داخل المنظومة الصحية.

تحسبًا لرمضان.. فتح استثنائي لمكاتب بريد الجزائر هذا الجمعة
أوضحت المؤسسة في بيان أنّ "فتح مكاتب البريد يكون اليوم 13 فبراير/شباط بداية من الساعة الثامنة صباحًا إلى غاية الثانية عشرة ظهرًا.

