مدن الجزائر تختنِق … هل ينقذ قانون التعمير الجديد فوضى البنايات غير المكتملة؟
2 ديسمبر 2025
في أعالي مدينة "ميلة" على بعد 490 كيلومترا شرق الجزائر تترامى الطبيعة الخلابة فمن الشمال إلى حدود ولاية قسنطينة تتقاطع مع الولاية مدينتان صغيرتان هما: "عين التين"، ثم "عزابة لطفي". وإلى الجنوب يلوح "سد بني هارون" الشامخ الذي يربط المدينة بمختلف مدن وقرى جنوب الولاية، كما قرّب 5 ولايات وتزويدها بالماء.
تكشِف شوارع وأحياء بعض المدن بالجزائر مشهدًا عمرانيًا مُتناقضًا، حيث تمتزِج العمارات الجديدة ببنايات غير مكتملة الواجهات، أو منازل توقفت أعمالها في منتصف الطريق
ومع ذلك، عند دخول المدينة، تتكثف الطرق الضيقة وتتراكم البنايات السكنية وتمتدّ الطرقات الضيقة وتتكدس البنايات السكنية على أطراف الشوارع في المدخل الشمالي، كأنّها تتنفس بصُعوبة.
بعض المُدن الجزائرية لا تتنفّس
على غرار "حي قصر الماء" وحي " سيدي بويحي" بمدينة ميلة؛ تتنفّس جُدران بعض الأحياء ببعض المدن الجزائرية بصعوبة شديدة؛ وهي نسخة مكررة في الولايات إذ توسعت أطرافها والتهمت الأراضي، ما جعلها توصف بـ" مدن الآجر الأحمر".
وتبقى واجهاتها عبارة عن تراص الآجر أو الطوب، والسبب جدران البيوت مبنية جنبا لجنب دون فاصل أو عازل هوائي، وبعض البيوت تلامس الاسفلت في الأرصفة.
"نكاد نُجزم أنه لا يوجد استثناء" في العديد من المُدن بالجزائر، حتى في الأحياء الموسُومة بـ"الراقية" بالعاصمة وغيرها من المدن كقسنطينة ووهران وعنابة وسطيف و ورقلة.
اللاّفت أنّ السياجات تتشابك في بعض البنايات وغيرها غير مكتمل، وتتزاحم الشّرفات، وهو ما يختصر " فوضى عمرانية" فقدت ملامح الأحياء والمدن.
كيف تحولت بعض المدن إلى تكديس بناء فقط، وكيف تحوّل العمران من فنّ إلى فوضى؟
تكشِف شوارع وأحياء بعض المدن بالجزائر مشهدًا عمرانيًا مُتناقضًا، حيث تمتزِج العمارات الجديدة ببنايات غير مكتملة الواجهات، أو منازل توقفت أعمالها في منتصف الطريق.
يتحدّث البعض لـ"الترا جزائر" أنّ هذه المشاهد باتت جزء من الديكور-بطريقة ساخرة أو تهكمية- "هناك من الأشخاص من يهتمون بالمنزل من الداخل أمام الواجهة فهي آخر اهتماماتهم".
في متابعة للموضوع فإنّ هذه المشاهد المتكررة عبر مختلف بعض المدن، ليس تفاصيل بصرية، بل أصبحت علامة عمرانية مألوفة.
في خطوة لإعادة النّظر في هذه المسألة، أعلن وزير السكن والعمران والمدينة، محمد طارق بلعريبي، خلال جلسة علنية بمجلس الأمة، في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، أن وزارته شرعت في تنفيذ جملة من الإجراءات الرامية إلى معالجة الفوضى العمرانية وتحسين المشهد الحضري في البلاد.
وأوضح الوزير أنّ العمل يجري على إعداد قانونين جديدين من شأنهما أن "يُشكّلا منعطفًا مهمًا في تسيير القطاع العمراني".
ويتعلق القانون الأول بـ "التعمير الجديد" الذي سيعرض على البرلمان، ويهدف إلى معالجة مجموعة من الاختلالات التي تراكمت في المنظومة العمرانية خلال السنوات الماضية.
بينما يختصّ القانون الثاني، بـ"البنايات غير المكتملة"، وهو مشروع يعتبره بلعريبي "محوريًا" في التصدي لـظاهرة الواجهات المهجورة التي أصبحت جزءًا من المشهد اليومي للمدن الجزائرية.
وتُشير المعطيات إلى تجاوز عدد ملفات تسوية البنايات غير المكتملة التي درستها لجان الدوائر مليون ملف، تم معالجة نحو 86 بالمائة منها؛ فيما تمّ قبول قرابة نصف عدد الملفات المطروحة.
كما تمّ تسليم عقود تعمير لما يزيد عن ربع هذه الملفات، في مؤشّر على تقدم ملموس، وإن كان الطريق لا يزال طويلاً لتحقيق تسوية شاملة.
وفي السياق ذاته، تتعاون وزارة السكن مع وزارة الداخلية والجماعات المحلية لتفعيل لجان الدراسة بشكل أكثر دقة وفعالية، بهدف تسريع وتيرة المعالجة وتحسين المشهد العمراني في مختلف المدن. ولا تتوقف الجهود عند الجانب التشريعي، بل تشمل أيضًا تعزيز الرقابة الميدانية على احترام قوانين البناء، حيث تمّ خلال السنوات الأخيرة تحرير عشرات الآلاف من محاضر المخالفات، إضافة إلى هدم العشرات من المنشآت غير القانونية.
كما تعمل الوزارة على تحديث الإعانات الموجهة للسكن الريفي، خصوصا في المناطق الريفية والجبلية وفي عدة مناطق بالجنوب، في مسعى لتقليص الضغط على المدن وتحقيق توازن تنموي بين المناطق، وهو ما يُنتظر أن يخفف جزئيًا من تراكم مشاريع السكن غير المكتملة.
تُعبّر هذه الإجراءات مجتمعة عن إرادة سياسية واضحة لمكافحة الفوضى العمرانية وتحسين نوعية السكن والبنية الحضرية، لكنها في المقابل تضع أمام السلطات تحديات كبيرة في التنفيذ والمتابعة.
جدل اجتماعي واقتصادي
لا يُمكن فهم هذه الظاهرة بمعزل عن السياق الاجتماعي، إذ توقّفت العشرات من العائلات عن إكمال بناء منازلها بسبب الظروف الاقتصادية وارتفاع أسعار مواد البناء، بينما يرى آخرون في ترك الواجهات دون طلاء نوعًا من الانتظار المفتوح لاحتمال تحسين الظروف المعيشية.
بين نصوص قانونية ومشهد يُفسد المنظر والذوق، من المنتظر أن تدعم الدولة المواطن في إطار إعادة واجهات المنازل، من جهة وتحفيزهم على البناء بطرق تنسجم مع هوية المدن.
وفي سياق ذي صلة؛ يقول أستاذ علم الاجتماع بجامعة سطيف (شرق) البروفيسور عبد الرزاق أمقران أنّ المشهد العمراني في بعض أحياء ومدن الجزائر يُضعِف جودة الحياة ويؤثّر على الإحساس بالانتماء للمدينة.
تعكِس السياسات العمرانية اختلالات عميقة وتعقيدات ناجمة عن تراكم عقود من البناء الفردي غير المنظّم، وتأخر في تسوية العقارات، وضعف المتابعة التقنية والقانونية.
ورغم ما يُعلن من معطيات وأرقام، تفيد بمعالجة أكثر من مليون ملف، يبقى السؤال الجوهري: هل نحن بصدد حلٍّ شامل أم مجرد تسوية مؤقتة لمظهر الأزمة؟.
مشاريع سكنية تتمدّد
من خلال المشاريع السكنية التي تتوسّع في مختلف المدن الجزائرية، يعرف العمران عدة تحديات يربطها المختصون بعدة عوامل أولها سياسية واقتصاديه وتاريخية، لكن في المقابل فإنّ بعض البنايات
يرجع جزء كبير من الفوضى العمرانية إلى تراكمات تاريخية وسياسية تعود إلى فترة العشرية السوداء خلال سنوات التسعينيات، حين اضطر المواطنون إلى النزوح نحو مناطق أكثر أمانًا، مما أدى إلى بناء مساكن فوضوية وما وسم منذ تلك الفترة بـ"بيوت القصدير" دون احترام القوانين العمرانية.
استمرت هذه الممارسات التي لها دواعي أمنية لا يمكن انكارها مع استتباب الأمن لاحقًا، استمرّت من خلال التعدّي على العقارات العمومية والبناء من دون رخص رسمية.
أمّا من الناحية الاجتماعية، أرجعت الباحثة في علم الاجتماع نوال رزقي في تصريح لـ" الترا جزائر" أنّ" البناء لدى الجزائريين مرتبط بخلفية اجتماعية اقتصادية لا يمكن تجاهلها، موضحة في هذا السياق أنّ أفراد العائلة الواحدة يشتركون في بناء واحد من عدة طوابق.
واعتبرت رزقي التي أجرت عدة بحوث أكاديمية حول الأسرة ومشاكل العائلة الجزائرية من سلوكات من بين أسبابها السكن المُشترك، ما يجعل الأخير يستهلك مداخيل أفراد العائلة الواحدة لسنوات طويلة مع إهمال الجانب الجمالي الخارجي أو عدم إتمام المسكن بحجة اقتصادية مالية.
قوانين العمران وترتيب البيت الجزائري
في انتظار الإفراج عن القوانين الناظمة للتهيئة العمرانية في الجزائر، يعتمد هذا القطاع وفقاً لوثيقة وزارة السكن والعمران على "القانون رقم 90-29 الصادر سنة 1990، وهو الإطار القانوني الأساسي الذي لم يشهد تحديثًا جوهريًا رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود. هذا الجمود التشريعي جعل القانون غير قادر على مواكبة التطورات العمرانية الحديثة والمعايير الدولية".
كما صدر في عام 2008 القانون رقم 15/08 المتعلق بـ"تسوية البنايات غير المكتملة.
ورغم صدور مراسيم تنفيذية لاحقة له، إلا أنّه بقي حبرًا على ورق بسبب ضعف تطبيقه، إذ لم تُفرض العقوبات المنصوص عليها في القانون، مثل الغرامات أو الهدم أو السجن.
كما يُمدَّد العمل بهذا القانون منذ سنة 2013، وذلك في إطار قانون المالية دون تحقيق نتائج ملموسة.
ويبدو أنّ مشكلة العمران في الجزائر عملية مركبة ذات خلفيات اجتماعية واقتصادية وثقافية، لذا يرى المختصون أنّ تطبيق العقوبات على المخالفين لاحترام التنظيم العمراني، مع وضع إجراءات لتشجيع المواطنين على استكمال بناياتهم وطلاء الواجهات، بمنح مالية أو تخفيضات الضريبة، فالقوانين وحدها لن تُغيّر ذهنية.
الكلمات المفتاحية
بعد سنوات من التأخر.. هل تُغلق الجامعات باب التمديد أمام الدكتوراه؟
يعود ملف الباحثين في سلك الدكتوراه المتأخرين في تسليم أطروحاتهم ومناقشتها إلى الواجهة، وذلك في خضم تداول تعليمة وزارية موجهة للجامعات بضرورة مناقشة أطروحات المتأخرين في سلك الدكتوراه قبل نهاية شهر كانون الأول/ ديسمبر 2026، لتطرح فرصة للباحثين لإتمام أطروحاتهم، وإغلاق ملفات عالقة منذ سنوات؛ في مقابل فتح نقاش أوسع حول طبيعة التأخر في إنجاز الأطروحات.
الجزائريون ينتظرون كباشًا أكبر… هل تتحسن تجربة استيراد أضاحي العيد؟
هذه السنة، ومع اقتراب عيد الأضحى، تستعد الأسواق الجزائرية لاستقبال خرفان العيد المستوردة بسقف سعر وصل إلى 50 ألف دينار (حوالي 227 دولارا للخروف الواحد)، في خطوة تهدف إلى توفير أضاحي ذات حجم وجودة مناسبة لكل الأسر
جدلٌ حول الفصل الثالث في الجزائر.. أيّ تأثير على مترشحي الامتحانات المدرسية الرسمية؟
كشفت وزارة التربية الوطنية عن رزنامة جديدة تخص إجراء امتحانات الفصل الثالث بالنسبة للسنة الرابعة متوسط والثالثة ثانوي، بتقديمها إلى بداية شهر ماي المقبل، وذلك بعدما أثارت الرزنامة السابقة التي كانت مقررة في منتصف الشهر نفسه ضجة واستياء من قبل تلاميذ الطور المتوسط.
طقس الجزائر.. خلايا رعدية وأمطار على هذه الولايات
وأوضحت مصالح الأرصاد الجوية أن خلايا رعدية ستتشكل خلال فترة ما بعد الظهر والمساء على المناطق الداخلية والهضاب العليا والأوراس، قد تكون مرفوقة بأمطار محلية.
الجزائر.. اعتماد نظام "كيو آر" لضبط توزيع أضاحي العيد
أكدت المنظمة الجزائرية لحماية المستهلك أن الكباش المستوردة تخضع خلال فترة الحجر الصحي لإجراءات تتبع دقيقة، من خلال تثبيت حلقة تعريف في الأذن مزودة برمز الاستجابة السريعة (QR)، بما يسمح بتحديد مسارها بدقة.
الربيع الأمازيغي.. كيف تفاعل الأفافاس والأرسيدي مع الذكرى؟
أكدت جبهة القوى الاشتراكية في بيان بالمناسبة أن "تافسوت إيمازيغن" كما وصفها الراحل حسين آيت أحمد، تمثل "محطة من الحيوية الوطنية وربيعًا حمل آمال الشعب الجزائري في التغيير الديمقراطي".
طقس الجزائر.. موجة حرّ تضرب هذه الولايات
حذّرت مصالح الأرصاد الجوية من موجة حرّ قياسية يُرتقب أن تمس، اليوم الثلاثاء، عددًا من ولايات غرب البلاد، مع تسجيل درجات حرارة مرتفعة بشكل لافت في بعض المناطق.