مطبعة سعد دحلب.. صوتُ ذاكرة الثورة الجزائرية
6 نوفمبر 2025
شكَّلت مسألة كتابة التاريخ في الجزائر عقب الاستقلال إحدى أبرز الإشكاليات السياسية، حيث كان الرئيس الراحل هواري بومدين يتبنّى رؤية خاصة للتاريخ الوطني تقوم على فكرة أن البطل الحقيقي هو الشعب الجزائري بكل فئاته، لا الأفراد.
لعبت هذه المؤسسة دورًا محوريًا في إعادة كتابة التاريخ الوطني عبر نشر الشهادات والمذكرات التاريخية التي سلّطت الضوء على صانعي الثورة ومساراتهم النضالية
فقد كان الراحل هواري بومدين يرى أن الثورة التحريرية كانت ثمرة نضال شعبي شارك فيه الفلاح والعامل والمثقف والمرأة والمجاهد على حد سواء، وأن التركيز على الأسماء بعينها قد يُفضي إلى شخصنة التاريخ وتقليص البعد الشعبي للثورة.
إلا أنّ هذه المقاربة، التي اتسمت بطابعها السياسي والأيديولوجي، أدّت إلى تأخر عملية التدوين والتوثيق للتاريخ الوطني خلال مرحلة بومدين. بيد أن التحول بدأ بعد وفاته، وبدأ عهد التعددية الديمقراطية سنة 1989، حين برزت جهود مطبعة سعد دحلب، التي أسسها المجاهد والمناضل سعد دحلب، أحد أبرز وجوه الثورة التحريرية وعضو الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية.
فقد لعبت هذه المؤسسة دورًا محوريًا في إعادة كتابة التاريخ الوطني عبر نشر الشهادات والمذكرات التاريخية التي سلّطت الضوء على صانعي الثورة ومساراتهم النضالية.
وعلى ضوء ذلك، ساهمت مرحلة ما بعد الحزب الواحد في الانتقال من سردية جماعية مغلقة إلى مقاربة توثيقية متعددة الأصوات، مزجت بين الذاكرة الشعبية والبحث الأكاديمي، وأسست لوعي تاريخي أكثر توازنًا يعترف بتضحيات الشعب دون إغفال رموزها الفاعلة.
من هو سعد دحلب؟
وُلد سعد دحلب في أبريل / نيسان 1918 قرب مدينة قصر الشلالة بولاية تيارت (الشمال الغربي للجزائر). تلقى تعليمه الابتدائي بالمدرسة الفرنسية، ثم واصل دراسته بالمدية فالمعهد بالبليدة (وسط الجزائر).
كان الراحل هواري بومدين يرى أن الثورة التحريرية كانت ثمرة نضال شعبي شارك فيه الفلاح والعامل والمثقف والمرأة والمجاهد على حد سواء، وأن التركيز على الأسماء بعينها قد يُفضي إلى شخصنة التاريخ وتقليص البعد الشعبي للثورة
انخرط مبكرًا في صفوف الحركة الوطنية، وناضل في حركة انتصار الحريات الديمقراطية. اعتُقل عقب اندلاع الثورة في ديسمبر / كانون الأول 1954 وأُطلق سراحه في مارس / آذار 1955، ليلتحق بعدها بجبهة التحرير الوطني.
تولى مناصب هامة، منها عضوية لجنة التنسيق والتنفيذ، ومدير ديوان وزارة الإعلام، ثم وزير الخارجية في الحكومة المؤقتة. كان من أبرز مفاوضي جبهة التحرير في اتفاقيات إيفيان، وتميز بالصلابة والذكاء والفطنة.
عُيّن سعد دحلب سفيراً لدى المملكة المغربية بعد استقلال الجزائر، ثم مديراً لشركة مختلطة (بيرلي - الجزائر) عام 1971، التي أعاد هيكلتها تحت مُسمى «سونـاكوم».
تعرّض إلى سكتة دماغية غيّبته عن الحياة العامة، ثم استعادت حالته الصحية وانخرط في العمل الخاص، وأسّس دار نشر تحمل اسمه عام 1989. ترك بصمته في سيرة ذاتية بعنوان "المهمة منجزة من أجل الاستقلال"، صدرت عام 1990 باللغتين العربية والفرنسية.
كان سعد دحلب يتحفّظ على مقولة الرئيس هواري بومدين "البطل الوحيد هو الشعب"، خاصة عند تناول مسألة تدوين تاريخ الحركة الوطنية ومرحلة النضالين العسكري والدبلوماسي إبان الثورة التحريرية.
فقد كان يرى أنّ الاقتصار على "شعار شعبوي" كهذا يُغفل البعد النضالي للأحداث وللشخصيات التي أسهمت في بلورة الوعي الوطني.
من هذا المنطلق، دعا دحلب دوما إلى توثيق شامل ودقيق للأحداث، يُبرز مسار تشكّل الوعي الوطني، ويُظهر دور المعاناة والتضحيات، ووفاءً لذكرى الشهداء والرفاق.
الرؤية الأحادية للتاريخ
غير أنّ مرحلة حكم بومدين اتسمت بسيطرة نظام أحادي الرؤية، جعل من كتابة التاريخ مجالاً مؤطرًا سياسيًا وأيديولوجيًا.
فخلال تلك الفترة، مُنِع تداول أسماء بارزة من رموز الحركة الوطنية والثورة التحريرية مثل أحمد بن بلة، محمد خيضر، كريم بلقاسم، حسين آيت أحمد، محمد شعباني، ومصالي الحاج وغيرهم، إذ اعتُبرت هذه الأسماء رموزًا للمعارضة لا غير.
ونتيجة لذلك، غاب ذكر الأسماء الوطنية تمامًا عن المناهج التعليمية والجامعية والإعلامية، مما ساهم في إقصاء جزء أساسي من الذاكرة الوطنية الجماعية، وأدى إلى قراءة أحادية للتاريخ الوطني.
دعا دحلب دوما إلى توثيق شامل ودقيق للأحداث، يُبرز مسار تشكّل الوعي الوطني، ويُظهر دور المعاناة والتضحيات، ووفاءً لذكرى الشهداء والرفاق
شكّل الإقصاء المتعمد للرموز الوطنية في مرحلة ما بعد الاستقلال الدافع الحقيقي وراء مبادرة سعد دحلب إلى تأسيس مطبعة ودار نشر مُتخصّصة في تدوين تاريخ الحركة الوطنية. وقد اعتمد في مشروعه هذا على شهادات رفقائه الذين ظلّوا على قيد الحياة، وعلى المذكرات التي خلّفها بعض المناضلين الراحلين.
المهمة الصعبة
كان توثيق تلك المرحلة التاريخية مهمة صعبة، لأن الجيل الذي خاض الثورة تكوّن في مناخ من التكتم والصمت، إلى جانب واجب التحفظ لدى إطارات عسكرية وأمنية ومدنية كانت لا تزال في مناصب المسؤولية، كما تربّى ذلك الجيل الثوري على تجنّب الخوض في الخلافات الداخلية التي طبعت العمل السياسي والعسكري إبان الثورة، خشية الكشف عن التوترات والصراعات التي رافقتها.
ورغم ذلك، استطاع سعد دحلب بفضل مكانته التاريخية والرمزية أن يشجّع العديد من رفاقه على كسر حاجز الصمت وكتابة مذكراتهم، مساهماً بذلك في إعادة بناء الذاكرة الوطنية على أسس أكثر شمولاً وموضوعية.
إعادة كتابة التاريخ
في الفاتح نوفمبر / تشرين الثاني 1984، اتخذ الراحل الشاذلي بن جديد الرغبة في الاحتفاء بذكرى التواريخ الهامة من تاريخ الثورة التحريرية. ولأول مرة منذ 1962 اجتمع مئات من المناضلين والمناضلات في نادي الصنوبر، وتقرر "إعادة كتابة التاريخ" وفتح ورشات في كل مناطق الوطن والمشاركة في تسجيل الشهادات التاريخية بعد سنوات من الصمت والرقابة.
في مقابل الرغبة والإرادة السياسية التي أبدها الراحل الشاذلي بن جديد، كان الحزب الواحد المشرف على تنظيم العملية قد قضى على حسن مبادرة الرئيس، فتم إقصاء بعض الأسماء نتيجة الرهانات السياسية والاعتبارات الأيديولوجية والجهوية وضغائن الماضي الثوري.
في مواجهة التاريخ الكولونيالي
خلال فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، بدأ المجتمعان الأكاديمي والإعلامي الفرنسيان يُبدِيان اهتمامًا متزايدًا بتاريخ الحركة الوطنية الجزائرية وبفترة الوجود الفرنسي في الجزائر.
ومن أبرز الباحثين والكتّاب الذين تناولوا هذا الموضوع: إيف كوريير (Yves Courière)، الذي اشتهر بكتابه الشهير "حرب الجزائر" من أربعة أجزاء، وجيلبير مينيي (Gilbert Meynier)، صاحب المؤلَّف المهم "التاريخ الداخلي لجبهة التحرير الوطني 1954-1962".
في الفاتح نوفمبر / تشرين الثاني 1984، اتخذ الراحل الشاذلي بن جديد الرغبة في الاحتفاء بذكرى التواريخ الهامة من تاريخ الثورة التحريرية. ولأول مرة منذ 1962 اجتمع مئات من المناضلين والمناضلات في نادي الصنوبر، وتقرر "إعادة كتابة التاريخ" وفتح ورشات في كل مناطق الوطن والمشاركة في تسجيل الشهادات التاريخية بعد سنوات من الصمت والرقابة
كما يُعدّ بنجامان ستورا (Benjamin Stora)، المولود سنة 1950 في مدينة قسنطينة، من أهم المختصين في دراسة تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية والعلاقات الجزائرية-الفرنسية.
السردية الكولونيالية
شكّل الاهتمام الفرنسي بتأريخ مرحلة الثورة التحريرية وما سبقها من أحداث مرجعية أساسية للباحثين الجزائريين، خاصة في ظل غياب التوثيق الكافي من الجانب الجزائري لتلك الفترة النضالية.
ورغم أن العديد من المؤلفات الفرنسية قد اعتمدت على شهادات مباشرة لثوار جزائريين مثل كريم بلقاسم، ومحمد حربي، وسعد دحلب، وحسين آيت أحمد، وعلي هارون، والرائد عز الدين، على سبيل المثال لا الحصر، فإن السردية الفرنسية – رغم ما تميزت به أحيانًا من دقة وموضوعية – بقيت متأثرة بمنظور استعماري (كولونيالي) في تناولها للتاريخ.
هذا المنظور جعل بعض الدراسات تنحرف عن السياق التاريخي الحقيقي، وتُحدث خلطًا بين الضحية والجلاد، نظرًا إلى مراعاة التوازنات السياسية والإيديولوجية السائدة في المجتمع الفرنسي، خاصة تلك المرتبطة بالمعمّرين، واليهود، والأوروبيين من أصول جزائرية، و"الحركى"، ما انعكس على طبيعة الخطاب التاريخي الفرنسي حول الثورة الجزائرية.
إعادة التوازن في قراءة التاريخ
شكّل هذا التوجّه باعثًا ودافعًا أساسيًا لدى سعد دحلب لإعادة توازن التأريخ الوطني، من خلال نقل شهادات تاريخية وتدوين مذكرات لفاعلين أساسيين في الثورة التحريرية.
العديد من المؤلفات الفرنسية قد اعتمدت على شهادات مباشرة لثوار جزائريين مثل كريم بلقاسم، ومحمد حربي، وسعد دحلب، وحسين آيت أحمد، وعلي هارون، والرائد عز الدين
وقد ساهم هذا العمل في مجمله في تأسيس مرجعية مُوثوقة للباحثين الجزائريين، عبر جمع المادة التوثيقية من مصادرها الخام والأصلية، بعيدًا عن التأويلات والتحريفات، وترك المجال أمام الباحثين الجزائريين للاشتغال على المراجع الأساسية من منظور وطني علمي رصين.
أبرز الإصدارات
من بين أبرز الإصدارات التي قدّمتها مطبعة دحلب نذكر مجموعة من الأعمال القيّمة التي تناولت تاريخ الحركة الوطنية والثورة الجزائرية من زوايا متعددة، من بينها:
- كتاب "محطات من الحركة الوطنية" للمناضل والمجاهد عبد الرحمن كيوان، الصادر باللغة الفرنسية.
- كتاب "صالح لوانشي مسار مناضل" من تأليف آن ماري لوانشي، أيضًا بالفرنسية.
- مؤلف "فيدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا" للمناضل موسى القبايلي، الصادر بالفرنسية.
- كتاب "الجزائر 1954-1962: التعذيب في ميزان النقاش.. ملف جون موليرو" من إعداد مليكة القرصو، والصادر باللغة العربية.
- كتاب "أرشيف الثورة الجزائرية" جمعها وعلّق عليها المؤرخ محمد حربي.
الثورة من منظور الأوروبيين
كما أصدرت مطبعة دحلب مجموعة من الأعمال لمؤلفين أوروبيين عايشوا الثورة التحريرية الجزائرية وكتبوا عنها من منظورٍ مغايرٍ للسردية الفرنسية التقليدية.
ومن أبرز هذه الإصدارات:
- كتاب "الثورة الجزائرية" للكاتب والصحفي السويسري شارل هنري فافرود، الصادر باللغة العربية.
- كتاب المؤرخ البريطاني أليستير هورن (1925-2017) بعنوان "تاريخ حرب الجزائر"، الصادر باللغة الفرنسية.
مؤلف الباحث والمؤرخ الإيطالي برونو بانياتو (Bruno Bagnato) المعنون "إيطاليا وحرب الجزائر 1954-1962".
وتُبرز هذه الأعمال البعد الدولي والإنساني للثورة الجزائرية وتنوّع المقاربات التي تناولت مسارها التحرري خارج إطار الرواية الفرنسية التقليدية.
الكلمات المفتاحية

مشروع قانون تجريم الاستعمار في الجزائر يصل مرحلته النهائية.. نحو مساءلة تاريخية كاملة
على امتداد خمسة فصول وسبع وعشرين مادة، يوفّر مقترح قانون تجريم الاستعمار في الجزائر،المرتقب مناقشته والمصادقة عليه من قبل البرلمان الجزائري في الأسبوع الأخير من العام الحالي، أسسًا قانونيةً لمطالبة الدولة الفرنسية بالاعتراف والاعتذار والتعويض عن الجرائم المرتكبة في زمن الاستعمار واسترجاع الأرشيف والممتلكات المنهوبة .

الأزمة البربرية من منظور صادق هجرس.. صراع هوية أم مأزق ديمقراطي؟
شهدت الحركة الوطنية الجزائرية، منذ نشأتها في أربعينيات القرن الماضي، سلسلة من الهزّات والصراعات الداخلية شكّلت منعطفات حاسمة في مسارها.

لخضر آمقران .. قيادة جديدة لحزب "جيل جديد" ومنعطف سياسي قبل استحقاقات 2026
قبل قبل استحقاقات 2026 الحاسمة، برز اسم الدكتور لخضر آمقران كوجه جديد بقيادة حزب "جيل جديد"، بعد انتخابه رئيسًا للحزب، خلال المؤتمر الاستثنائي المنعقد في ديسمبر/كانون الأول 2025.

بين الاحتواء والمواجهة.. تاريخ موجز للعلاقة بين التيار الإسلامي والدولة الجزائرية
شهد المشهد السياسي في الجزائر عبر مختلف المراحل حالة من الشدّ والجذب بين السلطة الحاكمة والتيار الإسلامي، اتخذت طابعًا متغيّرًا تبعًا للظروف والتحولات السياسية والاجتماعية، ولم يكن التيار الإسلامي كتلةً واحدةً متجانسة، بل كان فضاءً واسعًا يضمّ اتجاهات متعددة ورؤى متفاوتة في التصوّر والممارسة.

تحديد أسعار سكنات "عدل 3" وامتيازات المستفيدين
صدر في العدد الأخير من الجريدة الرسمية قرار وزاري مشترك مؤرخ في 24 نوفمبر 2025، يحدّد الكلفة النهائية المعتمدة لحساب ثمن المسكن الموجّه للبيع بالإيجار، بالنسبة للطلبات المسجّلة خلال سنة 2024، في إطار ضبط آليات التسعير وتوضيح الامتيازات الممنوحة للمستفيدين.

فاتورة باهظة.. 230 مليار دينار كلفة حوادث المرور في الجزائر
قدّرت المفتشية العامة للمالية الكلفة الاقتصادية لحوادث المرور في الجزائر بنحو 230 مليار دينار، في رقم يعكس خطورة الوضع المروري وتداعياته الثقيلة على الاقتصاد الوطني، ويعزز التوجه الرسمي نحو تشديد العقوبات ضمن مشروع قانون المرور الجديد المعروض حاليًا للدراسة على مستوى المجلس الشعبي الوطني.

طقس الجزائر.. أمطار رعدية غزيرة تفوق 60 ملم بعدة ولايات
أصدر الديوان الوطني للأرصاد الجوية، اليوم الإثنين، نشرية خاصة حذّر فيها من تساقط أمطار رعدية معتبرة على عدد من ولايات الوطن، قد تكون غزيرة محليًا وتستمر إلى غاية صبيحة يوم غد الثلاثاء.

وزارة الري تحصي أكثر من 13 ألف نقطة سوداء مهددة بالفيضانات في الجزائر
كشف مدير التطهير والوقاية من مخاطر الفيضانات بوزارة الري، شريف عيسيو، عن إحصاء نحو 13.500 نقطة سوداء عبر مختلف ولايات الوطن، وهي مناطق تشهد تجمعًا للمياه وقد تشكل خطرًا حقيقيًا على السكان والبنية التحتية خلال فترات تساقط الأمطار الغزيرة.
