منحة السفر في الجزائر.. من دعم اجتماعي للمسافر إلى وقود للسوق السوداء
14 ديسمبر 2025
أصدر بنك الجزائر بتاريخ 7 ديسمبر/كانون الأول الجاري بيانًا رسميًا حذر فيه من استغلال المنحة السياحية التي تعادل 750 أورو، والمقررة بداية من 17 جويلية/تموز المنصرم وفق قرار وقعه محافظ بنك الجزائر صلاح الدين طالب، إلى وجهات تتجاوز أهدافها القانونية.
تحولت منحة السفر في الجزائر من حق اجتماعي أقر لتخفيف أعباء التنقل على الجزائريين المسافرين إلى الخارج، إلى مصدر جدل واسع بين البنوك والمواطنين، وحتى وكالات السفر التي قيل إن بعضها يتلاعب بهذه المنحة
وبذلك، تحولت منحة السفر من حق اجتماعي أقر لتخفيف أعباء التنقل على الجزائريين المسافرين إلى الخارج، إلى مصدر جدل واسع بين البنوك والمواطنين، وحتى وكالات السفر التي قيل إن بعضها يتلاعب بهذه المنحة، وهنا يطرح السؤال بشكل ملح: كيف انحرف حق 750 أورو عن غاياته، ومن يقف وراء تحويله من دعم اجتماعي للمسافر إلى وقود يغذي السوق السوداء؟
وكالات سفر متورطة
واعترف فعلا رئيس الجمعية الوطنية لحماية المستهلك، فادي تميم، في تصريح لـ"الترا جزائر"، بأن منحة السفر في الجزائر التي جاءت بعد سنوات من النضال لرفع قيمتها، بعدما كانت لا تتعدى 95 أورو، إلى 750 يورو مع بداية تطبيقها، وضعت أساسا لتمكين المستهلك الجزائري من تغطية مصاريفه الضرورية أثناء تنقله إلى الخارج، غير أنه، ومع انطلاق العمل بها، ظهرت محاولات للالتفاف عليها واستغلالها خارج إطارها القانوني.
وأوضح تميم أن بعض الأشخاص طمعوا في هذه المنحة وحولوها إلى مصدر ربح، من خلال تواطؤ مع وكالات سياحية باتت تعرض رحلات شبه مجانية مقابل الاستحواذ على المنحة وجواز السفر، مستفيدة من الفارق الكبير بين سعر الصرف في السوق النظامية والسوق السوداء.
رئيس الجمعية الوطنية لحماية المستهلك، فادي تميم: عض الأشخاص طمعوا في هذه المنحة وحولوها إلى مصدر ربح، من خلال تواطؤ مع وكالات سياحية باتت تعرض رحلات شبه مجانية مقابل الاستحواذ على المنحة وجواز السفر، مستفيدة من الفارق الكبير بين سعر الصرف في السوق النظامية والسوق السوداء.
وأكد أن القانون واضح وصريح، إذ ينص على أن الاستفادة من المنحة شخصية وحصرية، غير أن تجاوزات خطيرة تم رصدها، من بينها تنظيم رحلات جماعية يتم فيها نقل المستفيدين في حافلات لقضاء إجازة شكلية، ثم بيع مبالغ المنحة في السوق الموازية، ما أدى، بحسبه، إلى تغذية السوق السوداء بالعملة الصعبة من أموال منحة الصرف نفسها، بدل أن تحقق الهدف الاجتماعي والاقتصادي الذي أقرت من أجله.
حلول رقمية لتفادي التجاوزات
وفي تصريح لـ"الترا جزائر"، تحدث فيصل دريوش، المحامي والرئيس السابق للجنة الوطنية للاتحاد الدولي للمحامين، عما وصفه بمفارقة غير منطقية إلى حد بعيد، تتمثل في الحديث المتكرر عن الرقمنة والدفع الإلكتروني ووسائل الرقابة المالية المتطورة، في مقابل استمرار تسيير منحة الصرف بآليات تقليدية، مكلفة ومعقدة، وقابلة للانحراف عن غاياتها.
وأشار إلى أن مبالغ ضخمة توزع يوميًا نقدًا في المطارات والمعابر الحدودية، وهي طريقة اعتبرها غير عقلانية في زمن تتوفر فيه أدوات تقنية أكثر نجاعة.
المحامي فيصل دريوش:يمكن اعتماد تصور مختلف جذريًا، يقوم على إلزام كل مستفيد من منحة الصرف بامتلاك بطاقة دفع بالعملة الصعبة مرتبطة بحساب بنكي
وأوضح دريوش أنه كان يتمنى اعتماد تصور مختلف جذريًا، يقوم على إلزام كل مستفيد من منحة الصرف بامتلاك بطاقة دفع بالعملة الصعبة مرتبطة بحساب بنكي، مبرزا أن هذه البطاقات لم تعد اليوم امتيازًا نادرًا أو إجراءً معقدًا، بل يمكن الحصول عليها في وقت قصير وأحيانا في اليوم نفسه.
وأوضح محدثنا أن اعتماد هذا الخيار كان سيسمح بتفادي الطوابير والضغط على المطارات والمعابر الحدودية، إضافة إلى تقليص تكاليف فتح وتسيير شبابيك الصرف وما يرافقها من إشكالات تنظيمية، مشددا على أن هذا الحل كان سيؤسس لرقابة حقيقية وفعالة، من خلال إمكانية تتبع عمليات السحب والدفع، ومكان صرف العملة، وطبيعة استعمالها، بطريقة بسيطة وشفافة وغير مكلفة.
وبخصوص الوضع الحالي، ومع تحديد مدة دنيا للسفر، اعتبر دريوش أن التحايل الفردي من طرف المسافرين أصبح محدودًا وصعبًا، نظرا لارتفاع تكاليف المعيشة والإقامة والتنقل عبر العالم، ما يجعل منحة تستعمل خلال أسبوع غير كافية لتغطية الحاجيات الأساسية، باستثناء فئة المسافرين الذين يتوجهون للإقامة عند ذويهم بالخارج.
حمزة جرامي، خبير اقتصادي وأستاذ الاقتصاد بجامعة كندا: استهلاك المنحة خلال أربعة أشهر بلغ حوالي 400 مليون أورو، أي ما يعادل 100 مليون أورو شهريا، وهو ما يمثل نحو 0.6 بالمائة من احتياطي الجزائر المقدّر بين 65 و70 مليار دولار،
غير أن نقطة الضعف الحقيقية، حسب المحامي، تظهر على مستوى آخر، يتعلق ببعض وكالات الأسفار التي تنظم رحلات، خاصة نحو تونس، وتستغل منحة الصرف الخاصة بالزبائن لتقديم رحلات شبه مجانية، مستفيدة من الفارق بين السعر النظامي والسوق الموازية، مؤكدا أن هذه الممارسات لا تمثل تجاوزًا فرديًا بسيطًا، بل استغلالًا منظما لثغرات الرقابة.
وخلص دريوش إلى أن المشكل لا يكمن في مبدأ منحة الصرف، بل في طريقة تسييرها، معتبرا أن الحل يكمن في إعادة تصميم المنظومة على أساس رقمي وبنكي شفاف يحد من التجاوزات دون إرهاق المواطن أو الإدارة.
التهام 100 مليون أورو شهريًا
من جهته، أوضح حمزة جرامي، خبير اقتصادي وأستاذ الاقتصاد بجامعة كندا، في تصريح لـ"الترا جزائر"، أن استهلاك المنحة خلال أربعة أشهر بلغ حوالي 400 مليون أورو، أي ما يعادل 100 مليون أورو شهريا، وهو ما يمثل نحو 0.6 بالمائة من احتياطي الجزائر المقدّر بين 65 و70 مليار دولار، وبحسبه، فإن الأثر الفوري على الاستقرار النقدي يبقى محدودًا، غير أن استمرار الصرف بنفس الوتيرة قد يؤدي إلى استنزاف سنوي يناهز 1.2 مليار دولار، ما يستدعي تقييما دقيقا في ظل تقلب عائدات المحروقات وضغوط الحساب الجاري.
حمزة جرامي، خبير اقتصادي وأستاذ الاقتصاد بجامعة كندا: ضخ المنحة لم يؤد إلى انخفاض ملموس في سعر اليورو الموازي، نتيجة اتساع الطلب على العملة الصعبة، وغياب الضخ عبر القنوات البنكية، وتفاعل السوق مع التوقعات، وإعادة تدوير المنحة داخل السوق
وأشار جرامي إلى البعد الاجتماعي للمنحة، باعتبارها تسهّل حصول المواطن على قدر من العملة الصعبة للسفر، لكنها في المقابل تفتقر إلى الكفاءة الاقتصادية بسبب غياب تنظيم محكم لآلية التوزيع، مضيفًا أن المنحة توزع نقدا بسعر صرف رسمي أقل بكثير من السوق الموازية، ما يخلق فجوة حافزة للمضاربة، حيث يمكن بيعها وتحقيق أرباح تتراوح بين 101 و108 آلاف دينار جزائري، وهو مبلغ يفوق متوسط الدخل الشهري للكثير من المواطنين.
وأوضح أن "ضخ المنحة لم يؤد إلى انخفاض ملموس في سعر اليورو الموازي، نتيجة اتساع الطلب على العملة الصعبة، وغياب الضخ عبر القنوات البنكية، وتفاعل السوق مع التوقعات، وإعادة تدوير المنحة داخل السوق"، مشيرًا في ذات الصدد أن التجربة التونسية تقدم نموذجا أكثر فاعلية، لاعتمادها على بطاقات بنكية مقيّدة الاستعمال، ما يقلص فرص المضاربة ويحسّن تتبع تدفقات العملة، مشددًا على أن التحدي الحقيقي يكمن في إعادة تصميم آلية توزيع المنحة لضمان تحقيق هدفها الاجتماعي دون الإضرار بتوازنات سوق الصرف.
الكلمات المفتاحية

زيادات الشحن تعود من جديد.. قلق المستوردين وأسئلة المستهلكين مع مطلع 2026
مع بداية سنة 2026، وجد المتعاملون الاقتصاديون في الجزائر أنفسهم أمام واقع جديد يطغى عليه القلق والترقب ، بعد تسجيل زيادات متتالية في تكاليف الشحن البحري والخدمات اللوجستية، زيادات أعادت طرح أسئلة جوهرية حول أسباب هذا الارتفاع المفاجئ: هل هو ظرف عابر مرتبط بتقلبات السوق العالمية، أم نتيجة تحولات أعمق في منظومة النقل البحري؟ وهل تعكس هذه الزيادات اختلالا مؤقتا في سلاسل الإمداد، أم أنها مؤشر على…

بعد اعتراف الرئيس بـ "الفشل" في إنتاجها.. كيف تتخلّص الجزائر من معضلة اللحوم الحمراء؟
مازال إنتاج اللحوم يشكل نقطةً سوداء في القطاع الفلاحي الجزائري الذي حقق في السنوات الأخيرة نتائج مشجعة في عدة شعب، بتحقيق الاكتفاء الذاتي فيها، وهو ما يستدعي اليوم التفكير في إيجاد حل حقيقي للنقص المسجل في مادة اللحوم والوصول إلى تلبية الطلب عليها محليًا أيضًا.

الفاو تحذّر من عودة الجراد الصحراوي في المنطقة.. ما وضع الجزائر؟
يشهد موضوع الجراد الصحراوي عودة إلى واجهة الاهتمام في المنطقة المغاربية وشمال إفريقيا، في ظل تقارير دولية تحذّر من نشاط متزايد لهذه الآفة العابرة للحدود، لما تمثّله من تهديد محتمل للزراعة والأمن الغذائي.
الجزائر تطرح مناقصةً دوليةً جديدة لشراء القمح
قال متعاملون أوروبيون إن الديوان الجزائري المهني للحبوب طرح مناقصة دولية لاقتناء القمح، محددًا يوم الاثنين المقبل كآخر أجل لتقديم العروض.

طقس الجزائر.. موجة برد وأمطار رعدية تمس عدة ولايات عبر الوطن
تشهد عدة ولايات من البلاد، اليوم الأحد، تقلبات جوية حادة تتمثل في موجة برد شديدة وتساقط أمطار رعدية بكميات معتبرة محليًا، وفق ما أفادت به مصالح الأرصاد الجوية.

للمرّة الخامسة.. مولودية الجزائر تُتوَّج بالكأس الممتازة
تُوِّج نادي مولودية الجزائر، اليوم السبت، بلقب الكأس الممتازة، عقب فوزه في لقاء الديربي على غريمه التقليدي اتحاد الجزائر بهدف دون مقابل، في المباراة التي احتضنها ملعب نيلسون مانديلا.

سيفي غريب يعلن إطلاق "ورشات عمل".. هل يتم إصلاح قطاع سيارت الأجرة في الجزائر؟
ترأس الوزير الأول، سيفي غريب، اجتماعًا تشاوريًا مع ممثلي النقابة الوطنية للناقلين بسيارات الأجرة، بحضور وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، ووزيرة التجارة الداخلية وضبط السوق الوطنية، خُصّص للاستماع لانشغالات مهنيي القطاع وبحث آفاق إصلاح منظومة النقل.

