34 بالمائة من أموال الجزائريين خارج البنوك.. من يحكم اقتصاد الظل؟
5 ديسمبر 2025
في الجزائر، لا يحتاج المواطن إلى الكثير ليلاحظ أنّ جزءا كبيرا من المال لا يمر عبر البنوك، معاملات نقدية يومية، تجار يفضلون “الكاش”، وأسعار تتحرك خارج أي منطق بنكي، هذا الواقع الذي يلمسه الناس في حياتهم العادية، يعكس خللا أعمق من مجرد تبادل أوراق نقدية.
نشأ الاقتصاد الموازي في الجزائر منذ التسعينيات وتوسعت رقعته بسبب غياب الثقة في البنوك في السابق ونقص الشفافية المالية للمتعاملين الاقتصاديين ورغبة الكثير منهم في التهرب الضريبي
لأول مرة، قدم التقرير التمهيدي لمشروع قانون المالية لسنة 2026 المرفوع إلى مجلس الأمة رقما يشرح الصورة بدقة، 34 بالمائة من الكتلة النقدية في الجزائر توجد خارج المنظومة البنكية، رقم صادم، لأنه يعني أن مليارات الدنانير تتحرك في الظل، بعيدا عن أي رقابة أو تتبّع.
هذا الوضع لا ينعكس فقط على الاقتصاد الكلي، بل يطال حياة المواطنين مباشرة، من الأسعار إلى وفرة السلع وحتى قيمة الدينار، وهنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه: من أين تتكون هذه السوق السوداء في الجزائر، وكيف يمكن تفكيكها قبل أن تصبح اقتصادا موازيا يبتلع الرسمي؟
أسباب "اقتصاد الظل"
نشأ الاقتصاد الموازي منذ التسعينيات في الجزائر وتوسعت رقعته مع السنوات بسبب غياب الثقة في البنوك في السابق ونقص الشفافية المالية للمتعاملين الاقتصاديين ورغبة الكثير منهم في التهرب الضريبي.
ويؤكد الخبير الجبائي أبو بكر سلامي في تصريح لـ"الترا جزائر" أن الاصلاحات التي تقوم بها البنوك اليوم من شأنها المساهمة تقليص رقعة السوق السوداء.
إلا أنه يرى أن السوق الموازية للعملة الصعبة لم تعد مجرد مساحات فردية معزولة، بل أصبحت "نظاما موازيا كاملا" يتحكم في جزء ضخم من الدورة المالية الوطنية، بعدما احتضنت ما يقارب 34 بالمائة من الكتلة النقدية المتداولة خارج البنوك، وهو رقم خطير، برأيه، لأنه يعني أن ثلث السيولة في البلاد خارج أي رقابة أو تتبع أو أثر في المنظومة المصرفية.
يكشف رئيس الجمعية الوطنية للتجار والحرفيين، الطاهر بولنوار، في تصريح لـ"الترا جزائر" أنّ سوق "السكوار" للعملة الصعبة بساحة بور سعيد بالعاصمة وغيرها من النقاط السوداء من أهم أوجه السوق الموازية التي تستحوذ على ثلث الكتلة النقدية في الجزائ
ويفسر سلامي هذا الوضع بانعدام ثقة متجذر لدى المواطنين تجاه البنوك في السابق، نتيجة تجارب قديمة ارتبطت بتجميد الودائع خلال التسعينيات، وتعقيدات التعاملات البنكية، وغياب خدمات مرنة وسريعة تطابق احتياجات الأفراد والتجار.
ويشير إلى أنّ المواطن حين كان يذهب للبنك في السابق كان يشعر بأن الإجراءات "تعاقبه"، بينما في السوق الموازية يحصل على ما يحتاجه فورا، خصوصا العملة الصعبة، التي توفر بكميات ضخمة خلال ساعات وبلا شروط، هذا الواقع –يضيف– جعل السوق الموازية أكثر جاذبية من النظام الرسمي نفسه.
ويرى الخبير أن المشكلة لم تعد مالية فقط، بل أصبحت مسألة اقتصادية، لأن تداول مليارات الدينارات والأوروات خارج البنوك يخلق بيئة مثالية لتهريب العملة، لذلك يتوجب حل المشكل فوريا.
ويؤكد سلامي أن الحل لن يكون بإجراءات ظرفية أو حملات مراقبة محدودة، بل بتغيير جذري في طريقة عمل النظام البنكي، بدءا برقمنة شاملة للمعاملات، وفتح شبابيك رسمية للحصول على العملة الصعبة بسقف سنوي واضح، وتبسيط المساطر الإدارية، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والبنك. فاسترجاع الثقة كما يؤكد وحده كفيل بإعادة السيولة إلى القنوات القانونية وتجفيف السوق الموازية تدريجيا وهو ما تعمل البنوك اليوم على تحقيقه.
مصادر تموين السوق السوداء
وعن مصادر تموين السوق السوداء، يكشف رئيس الجمعية الوطنية للتجار والحرفيين، الطاهر بولنوار، في تصريح لـ"الترا جزائر" أن سوق "السكوار" للعملة الصعبة بساحة بور سعيد بالعاصمة وغيرها من النقاط السوداء من أهم أوجه السوق الموازية التي تستحوذ على ثلث الكتلة النقدية في الجزائر.
ويرى أن مصادر تموين السوق الموازية للعملة الصعبة تعدّدت وتشعّبت، ما جعلها تتحول إلى شبكة مالية ضخمة تعمل خارج أي رقابة رسمية، وأوضح أن جزءا معتبرا من هذه الأموال مصدره التحويلات المالية للجالية الجزائرية بالخارج، التي تتراوح بين 1.5 و2 مليار دولار سنويا، لافتا إلى أن قسما كبيرا من هذه التحويلات لا يمر عبر البنوك بسبب الفارق الكبير بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية، ما يدفع الآلاف لتوجيه تحويلاتهم نحو "السكوار".
الخبير الجبائي أبو بكر سلامي في تصريح لـ"الترا جزائر": المشكلة لم تعد مالية فقط، بل أصبحت مسألة اقتصادية، لأن تداول مليارات الدينارات والأوروات خارج البنوك يخلق بيئة مثالية لتهريب العملة، لذلك يتوجب حل المشكل فوريا
وأضاف بولنوار أن مداخيل الأنشطة التجارية الموازية، خاصة في المناطق الحدودية الشرقية والجنوبية، تُعدّ من أهم روافد تموين هذه السوق، إلى جانب معاشات المتقاعدين الجزائريين في الخارج، خصوصًا في فرنسا، التي تُتداول أحيانًا عبر قنوات غير رسمية.
وأشار إلى وجود شبكات تبادل مستمرة بين باعة العملة داخل الجزائر ونظرائهم في الخارج، يتم التنسيق بينها عبر الهاتف ووسائل اتصال مختلفة، ما يجعل السوق الموازية متصلة عمليًا بأسواق غير شرعية خارج الحدود.
وأوضح أن غياب الإحصاءات الرسمية الدقيقة يجعل تحديد الحجم الحقيقي للأموال المتداولة أمرا شبه مستحيل، إلا أن التقديرات الاقتصادية تضعها في حدود 100 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم التأثير الذي تمارسه السوق الموازية على الاقتصاد الوطني وعلى قدرة البنوك على امتصاص السيولة.
مداخيل الأنشطة التجارية الموازية، خاصة في المناطق الحدودية الشرقية والجنوبية، تُعدّ من أهم روافد تموين هذه السوق، إلى جانب معاشات المتقاعدين الجزائريين في الخارج
ويرى أن توسع هذه السوق جاء نتيجة تراجع ثقة المواطن في القنوات الرسمية خلال سنوات مضت، بسبب تعقيد الإجراءات البنكية وضعف خدمات الإيداع والسحب وطول الطوابير التي رغم انها اختفت تقريبا اليوم الا أن المواطن لم يثق بعد في السوق الرسمية.
وشدد بولنوار على أن الظاهرة لا يمكن فصلها عن الضرائب التي يرغب البعض في التهرب منها والبيروقراطية التي يواجهها التجار النظاميون في بعض الادارات، إذ إن ارتفاع الأعباء وتعدد الشروط يدفع الكثيرين للتوجه نحو النشاط غير الرسمي الذي يضمن سرعة أكبر وهامش ربح أعلى.
ودعا إلى تحفيزات جديدة مثل التسوية الجبائية الطوعية التي اقرها مشروع قانون مالية 2026، وتحسين خدمات البنوك، وتسريع إنشاء مكاتب الصرف كخطوات عملية لإعادة جزء مهم من هذه الأموال إلى القنوات القانونية والحد تدريجيا من هيمنة السوق الموازية.
وأضاف أنّ استمرار الفارق الكبير بين سعر الصرف الرسمي والسعر الموازي هو المحرك الأساسي الذي يبقي هذه السوق نشطة، معتبرا أن أي سياسة إصلاح لا تعيد التوازن بين السعرين ستظل محدودة الأثر. ودعا إلى معالجة جذرية تشمل إصلاحا نقديا شفافا ومدروسا يعيد الثقة للمواطن ويجعل التعامل عبر البنوك أكثر جاذبية من الأسواق الموازية.
الكلمات المفتاحية

زيادات الشحن تعود من جديد.. قلق المستوردين وأسئلة المستهلكين مع مطلع 2026
مع بداية سنة 2026، وجد المتعاملون الاقتصاديون في الجزائر أنفسهم أمام واقع جديد يطغى عليه القلق والترقب ، بعد تسجيل زيادات متتالية في تكاليف الشحن البحري والخدمات اللوجستية، زيادات أعادت طرح أسئلة جوهرية حول أسباب هذا الارتفاع المفاجئ: هل هو ظرف عابر مرتبط بتقلبات السوق العالمية، أم نتيجة تحولات أعمق في منظومة النقل البحري؟ وهل تعكس هذه الزيادات اختلالا مؤقتا في سلاسل الإمداد، أم أنها مؤشر على…

بعد اعتراف الرئيس بـ "الفشل" في إنتاجها.. كيف تتخلّص الجزائر من معضلة اللحوم الحمراء؟
مازال إنتاج اللحوم يشكل نقطةً سوداء في القطاع الفلاحي الجزائري الذي حقق في السنوات الأخيرة نتائج مشجعة في عدة شعب، بتحقيق الاكتفاء الذاتي فيها، وهو ما يستدعي اليوم التفكير في إيجاد حل حقيقي للنقص المسجل في مادة اللحوم والوصول إلى تلبية الطلب عليها محليًا أيضًا.

الفاو تحذّر من عودة الجراد الصحراوي في المنطقة.. ما وضع الجزائر؟
يشهد موضوع الجراد الصحراوي عودة إلى واجهة الاهتمام في المنطقة المغاربية وشمال إفريقيا، في ظل تقارير دولية تحذّر من نشاط متزايد لهذه الآفة العابرة للحدود، لما تمثّله من تهديد محتمل للزراعة والأمن الغذائي.
الجزائر تطرح مناقصةً دوليةً جديدة لشراء القمح
قال متعاملون أوروبيون إن الديوان الجزائري المهني للحبوب طرح مناقصة دولية لاقتناء القمح، محددًا يوم الاثنين المقبل كآخر أجل لتقديم العروض.

طقس الجزائر.. موجة برد وأمطار رعدية تمس عدة ولايات عبر الوطن
تشهد عدة ولايات من البلاد، اليوم الأحد، تقلبات جوية حادة تتمثل في موجة برد شديدة وتساقط أمطار رعدية بكميات معتبرة محليًا، وفق ما أفادت به مصالح الأرصاد الجوية.

للمرّة الخامسة.. مولودية الجزائر تُتوَّج بالكأس الممتازة
تُوِّج نادي مولودية الجزائر، اليوم السبت، بلقب الكأس الممتازة، عقب فوزه في لقاء الديربي على غريمه التقليدي اتحاد الجزائر بهدف دون مقابل، في المباراة التي احتضنها ملعب نيلسون مانديلا.

سيفي غريب يعلن إطلاق "ورشات عمل".. هل يتم إصلاح قطاع سيارت الأجرة في الجزائر؟
ترأس الوزير الأول، سيفي غريب، اجتماعًا تشاوريًا مع ممثلي النقابة الوطنية للناقلين بسيارات الأجرة، بحضور وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل، ووزيرة التجارة الداخلية وضبط السوق الوطنية، خُصّص للاستماع لانشغالات مهنيي القطاع وبحث آفاق إصلاح منظومة النقل.

