الجزائر.. في ذكرى أم الثورات
1 نوفمبر 2015
فجأة، دوّى صوت الرصاص في سماء الجزائر، مخترقًا سكون منتصف ليلة الفاتح من شهر نوفمبر/تشرين الثاني 1954، وسط صيحات "الله أكبر" و"تحيا الجزائر" المزلزلة، إيذانًا بفتح أبواب جهنّم على الاستعمار الفرنسي البغيض الذي عاث فسادًا وإفسادًا، وجثم على نفوس الجزائريين منذ سنة1830، تاريخ احتلال الجزائر.
في الذكرى الواحدة والستين لاندلاع الثورة الجزائرية، تعود الكثير من الأشجان والذكريات التي تعبر بصدق عن عظمة هذه الثورة المجيدة، والتي اعتبرت أكبر ثورة في القرن العشرين، ونموذجًا يحتذى به لكل الشعوب المستعمرة الطامحة للحرية والانعتاق من طوق الاستبداد والاستعمار. وهي الثورة التي حيّرت الصديق قبل العدو، حتى صارت تدرّس في المعاهد الحربية إلى اليوم، وتعرض الأفلام التي توثق لها على القادة والعسكريين الغربيين لاستخلاص الدروس والعبر منها، كما حدث قبل سنوات قليلة عندما عرض البنتاغون فيلم "معركة الجزائر" على كبار الضباط للتعرف على حرب الكرّ والفرّ التي خاضها المجاهدون الجزائريون لتمريغ أنف فرنسا في التراب ودحرها وإخراجها مذلولة مهزومة، وذلك بهدف إسقاطها على الحرب في العراق وفهم الاستراتيجية التي يطبقها المجاهدون في هذا النوع من الحروب.
فجّر الثورة الجزائرية شباب مؤمن بالحرية ومتشبع بالروح الإسلامية والتكوين السياسي، وكانت آخر حلقة في سلسلة الثورات الشعبية التي قاومت الفرنسيين منذ أول يوم وطأت فيه أقدامهم أرض الجزائر. كان هؤلاء الشباب وقود الثورة ويدها الضاربة، واستطاعوا منذ أول يوم وبوسائل بسيطة أن يذيقوا فرنسا مرارة الهزيمة والعذاب ويردّوا لها الصاع صاعين بأسلحة خفيفة لا تتعدى عدة بنادق وخراطيش، حتى أن القادة الفرنسيين في بداية الأمر، نعتوهم بالخارجين عن القانون والإرهابيين. وتوهّم الفرنسيون أن ما يجري من فرقعات هنا وهناك، مجرد أحداث معزولة ستخمد نارها بعد أيام معدودة، لكن بعد توالي الأيام خاب الظنّ، فمنذ تلك اللحظة التاريخية التي أطلقت فيها أول رصاصة، زادت رقعة المعارك واشتدّ لهيبها، والأيام صارت شهورًا ثم سنوات حافلة بالملاحم والمعارك الكبيرة التي صنعها أبطال الجزائر من الرجال والنساء.
دامت الثورة الجزائرية سبع سنوات ونصف ولم تنجح خلالها كل الخطط الفرنسية في وقف مدّها المتزايد
دامت الثورة الجزائرية سبع سنوات ونصف، وخلالها، لم تنجح كل الخطط الفرنسية في وقف مدّها المتزايد. استعملت فرنسا كل فنون القتل الهمجي والتعذيب الذي لا يمكن لعقل إنسان سويّ أن يتخيله وحاولت استمالة الشعب الجزائري والاستثمار في حاجته وعوزه وفقره، لكن كل ذلك لم يثنه ولم يغره بترك حلمه في العيش مستقلًا على أرضه بكرامة وعزة، حتى أن جنرالات فرنسا جنّ جنونهم لهذه العقيدة المستميتة في الدفاع عن الأرض والعرض والدين، فعلى مدى أكثر من قرن ونصف لم يتسن لهذه الدولة الاستعمارية البغيضة أن تمسخ عقيدة الجزائريين أو تسلخهم عن دينهم وثقافتهم ومحيطهم العربي الإسلامي.
عرفت ثورة الجزائريين تنظيمًا محكمًا وانخراطًا كثيفًا لجميع أفراد الشعب الجزائري لإذكائها وإنجاحها، برغم الفقر والتجويع والتجهيل والعذاب الذي لا يوصف، العذاب الذي عانوه على يد القوات الفرنسية المدعومة بالحلف الأطلسي واللفيف الأجنبي والترسانة الحربية التي لا تخطر على بال، رغم ذلك، ثبت الجزائريون بكل صمود وشموخ وأعينهم شاخصة نحو فجر الاستقلال، ولم يبخل الشعب بدمائه من أجل إنجاح ثورته، فقاوم وتحدّى كل الظروف ودفع ثمنًا لأجل حريته فاق المليون ونصف المليون شهيد، والملايين من المشردّين والأيتام والمعطوبين.
دفع الشعب الجزائري ثمنًا لحريته مليونا ونصف مليون شهيد والملايين من المشردّين والأيتام والمعطوبين
لقد نجحت الثورة الجزائرية لالتفاف الشعب حولها، وصبره على الهمجية والعذاب، وإيمانه العميق بنصر الله، وهي صفات جعلت الكثير من الشعوب الشقيقة تتعاطف معه وتدعمه، وكانت تضحيات هذا الشعب مضربًا للأمثال، برغم الجرائم والمآسي التي عاشها والقهر الذي سلّطه الجلادون عليه، ومع ذلك، فقد أرغم الجزائريون فرنسا تحت وقع الرصاص وقوة ضربات المجاهدين في المدن والقرى والجبال، على الجلوس إلى طاولة المفاوضات والاعتراف باستقلال الجزائر في الخامس من يوليو/ تموز 1962.
لقد ارتوت أرض الجزائر بدماء أبنائها الذين فجّروا الثورة المباركة، وحرّروها لينعم جيل الاستقلال اليوم بالحرية التي أهداها لهم أجدادهم، الجيل الذي ضحى بالغالي والنفيس من أجل مستقبل أفضل ومشرق، وهي تضحيات لا يمحوها تراكم السنين، ولا تكفي الآلاف المؤلفة من الكتب لتوفيها حقها أو تسرد تفاصيل ثورة نوفمبر الغنية بالأحداث والوقائع، هي باختصار أم الثورات.
اقرأ/ي أيضًا:
الكلمات المفتاحية
"الجزائر تتعافى".. هل نتشافى حقًا أم أنّنا نَغرق في الإنكار؟
تنتشرُ منذ فترةٍ قصيرةٍ عبر منصّات التّواصل الاجتماعيّ عبارةٌ باللّغة الإنجليزية، وتفرض نفسها كشعارٍ جديدٍ لمواطنين جزائريّين يبحثون عن مُتنفّس وسط كلّ ذلك الغليان المُجتمعيّ.
دراما رمضان في الجزائر: من مشروعية الاقتباس إلى شُبهة "البلاجيا"
يعيدُ قدومُ شهرِ رمضان كلّ عامٍ رسمَ خريطة قطاع السّمعي البصريّ في الجزائر، حيثُ تتكاثفُ الشّبكات البرامجية، وتغزو الوَمضاتُ الإشهاريةُ كلّ الشّاشات ومواقع التّواصل ومنصّات المُشاهدة، كما يتسابق المنتجون والمخرجون إلى تقديم أعمالٍ برّاقة، وتعودُ إلينا الوجوهُ المألوفة في حكاياتٍ صُمّمت لتؤثّث سهرات العائلة طيلة شهرٍ كامل، ليصبح المسلسلُ الرّمضاني طقسًا جماعيًا، وموعدًا اجتماعيًا مُقدّسًا، كما…
التغيرات المناخية والفيضانات.. امتحانٌ للبنية التحتية بالجزائر
مع كل اضطراب جوي تشهده الجزائر، تعود مشاهد الفيضانات والسيول لتفرض نفسها بقوة على واجهة الأحداث، وتقديم حصاد مؤقت بالأرقام لتدخلات فرق الإنقاذ وحجم الخسائر، تُذكّر بمدى هشاشة التوازن بين الإنسان والطبيعة.
هكذا يشكّل الجزائريون لغتهم.. مواد عربية وطريقة طهي وتوابل جزائرية
ككل البلاد العربية وبلدان أخرى في العالم، احتفلت الجزائر باليوم العالمي للغة العربية، وأقامت للمناسبة أنشطة ثقافية وعلمية عبر مختلف محافظاتها، كان على رأسها توزيع "جائزة رئيس الجمهورية للأدب واللغة العربية"، في طبعتها الأولى. رغم ذلك مازال يصعب على أغلب الأشقاء العرب، خاصة في المشرق العربي تصنيف الدارجة الجزائرية على أنها أداء من أداءات العربية.
تبون في ألمانيا.. شراكة استراتيجية وأكثر من 30 اتفاقية مرتقبة
يشرع رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، في زيارة رسمية إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية تدوم يومين، تلبية لدعوة من الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، وذلك في إطار تعزيز علاقات الصداقة التاريخية والشراكة بين البلدين.
قضية لويزة حنون.. تنازل وزير التربية عن الدعوى والنيابة تلتمس تطبيق القانون
تعود وقائع الملف إلى تصريحات كانت قد أدلت بها الأمينة العامة لحزب العمال، اتهمت فيها وزير التربية بدعم مترشحين للانتخابات التشريعية
نحو إلغاء تدريس الفرنسية في السنة الثالثة ابتدائي والإبقاء على الإنجليزية
يرتكز التصور الجديد على تمكين التلميذ من اكتساب قاعدة متينة في لغة أجنبية واحدة، قبل الانتقال إلى تعلم لغة ثانية في مرحلتي التعليم المتوسط أو الثانوي، عندما تكون قدراته الذهنية أكثر استعداداً لاستيعاب التعدد اللغوي
وزارة الصحة توضح ملابسات وفاة طبيبة التخدير والإنعاش بمستشفى دباغين
أصدرت وزارة الصحة، بيانًا توضيحيًا بشأن حادثة وفاة طبيبة متخصصة في التخدير والإنعاش بالمؤسسة الاستشفائية الجامعية دباغين بباب الوادي بالعاصمة، نفت فيه صحة المعلومات المتداولة حول ظروف وفاتها، مؤكدة أن التحقيقات والإجراءات القانونية والطبية لا تزال جارية لتحديد السبب الحقيقي للوفاة.