18-يناير-2023

مهاجرون أفارقة في الجزائر (فاروق باتيش/الأناضول)

يحمل تشريع خاص بمكافحة ظاهرة الاتجار بالبشر، مراجعة عميقة لسياسات الحكومة من خلال حماية أكبر للضحايا وفرض عقوبات مشدّدة على المتورطين في عمليات تهريب المهاجرين تصل إلى السجن المؤبد، وفي خلفية الموضوع تشير قراءات في القوانين الردعية، إلى محاولة الخروج من دائرة الاتهامات الموجهة للحكومة الجزائرية في تقارير دولية.

يرى متابعون أن تسليط عقوبات على المهاجرين السريين أمرٌ يجب مراجعته وإسقاط التجريم عنه لأنه يتنافى مع حرية  الإنسان في التنقل والإقامة

في هذا السياق، شدّدت الحكومة الجزائرية في تقديمها للتشريع الجديد، على الطبيعة الوقائية له، وقالت إن القانون الجديد "يقترح إطارًا قانونيًا خاصًا للوقاية من جرائم الاتجار بالأشخاص ومكافحتها، على اعتبار أن الأمر يتعلق بظاهرة غريبة تمامًا على المجتمع الجزائري".

وأضافت المصدر نفسه أنه "في إطار تكييف التشريع الوطني مع الآليات الدولية ذات الصلة وهي 17 اتفاقية دولية، منها الاتفاقية المتعلقة بالرقّ لعام 1926 التي صادقت عليها الجزائر في 1963،والاتفاقية الدولية الخاصة لإبطال الرق وتجارة الرقيق لـ 1956، والاتفاقية الدولية للقضاء علي جميع أشكال التمييز العنصري التي صادقت عليها الجزائر في سنة 1966".

وتلتزم السلطات الجزائرية بموجب التشريع الجديد بضمان "تيسير اللجوء إلى القضاء لضحايا الاتجار بالبشر، الذين يستفيدون من المساعدة القضائية بقوة القانون في جميع مراحل الإجراءات القضائية"، وبـ"توفير الحماية لهم وعند الاقتضاء أفراد أسرهم، وإعلامهم بالإجراءات الإدارية والقانونية والقضائية ذات الصلة، وحصولهم على المعلومات المتعلقة بها بلغة يفهمونها.

كما يتم إعلامهم حسب التشرع بـ "جميع أنواع المساعدة التي يمكنهم الحصول عليها وتوضع تحت تصرفهم كل الوسائل التي تسهل اتصالهم بالمصالح والهيئات المختصّة في هذا المجال، وتمنح الضحايا حق المطالبة أمام الجهات القضائية الجزائرية بالتعويض عما أصابهم من ضرر، إلى جانب التكفل المجاني بعلاجهم وتقرر في هذا السياق إنشاء صندوق لمساعدة ضحايا الاتجار بالبشر والتكفل بهم".

وتخصص الجزائر أماكن لاستقبال ضحايا التهريب وإيوائهم في ظروف تضمن سلامتهم وأمنهم، وتسمح لهم باستقبال ذويهم ومحاميهم، وتولي السلطات المختصة والجمعيات التي تنشط في هذا المجال عناية خاصة بالنساء والأطفال والأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة.

يشار هنا، أن الدولة الجزائرية لم تتخل عن سياسة إعادة الضحايا إلى بلدانهم، حيث ينص القانون على توليها "تيسير العودة الطواعية والآمنة للرعايا الأجانب ضحايا الاتجار بالبشر  إلى بلدهم الأصلي أو عند الاقتضاء إلى بلد إقامتهم مع مراعاة الاعتبارات الواجبة لسلامتهم، وفقًا للقواعد والإجراءات القانونية والتنظيمية سارية المفعول".

عقوبات مشددة

في مقابل ذلك، نص التشريع الجديد على تشديد العقوبات والغرامات المالية في حق المتورطين في تهريب البشر، حيث يصل سقف العقوبات إلى المؤبد، حيث نصت المادة 42 من القانون الجديد مثلًا على أنه "يعاقب على الاتجار بالبشر بالسجن المؤبد إذا تعرضت الضحية إلى تعذيب أو عنف جنسي أو نتج عن الجريمة عاهة مستديمة أو إذا أدى الفعل إلى وفاة الضحية"، فيم تصل إلى 30 عامًا "إذا ارتكبت الجريمة من طرف جماعة إجرامية منظمة أو كانت ذات طابع عابر للحدود الوطنية أو بمناسبة نزاع مسلح".

ويعاقب بالحبس من خمس سنوات إلى عشرة سنوات وبغرامة من 500 ألف دج إلى مليون دج، كل من ينشئ أو يدير أو يشرف على موقع إلكتروني أو حساب إلكتروني أو برنامج معلوماتي بقصد ارتكاب جريمة الاتجار بالبشر ، أو الترويج لها أو القيام بأعمال دعائية من أجل ذلك، بينما تصل عقوبة كل من علم بالشروع في ارتكاب جريمة من جرائم الاتجار بالبشر أو بوقوعها فعلًا، ولم يبلغ عنها فورًا السلطات المختصة إلى خمس سنوات وبغرامة إلى 500 ألف دج.

ويتيح التشريع للجمعيات الوطنية المعتمدة والهيئات الوطنية الناشطة في مجال حقوق الإنسان وحماية الطفل والمرأة والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، إيداع شكوى أمام الجهات القضائية والتأسيس كطرف مدني في جريمة الاتجار بالبشر.

تمتد الحماية المنصوص عليها في هذا المشروع إلى الجزائريين ضحايا مثل هذه الجرائم بالخارج، حيث تعمل الدولة بالتنسيق مع السلطات المختصة في الدول المعنية على مساعدتهم وعند طلبهم، تسهيل رجوعهم إلى الجزائر.

صلاحيات إضافية للجنة الوطنية للوقاية

 وينص المشروع على إعداد الدولة لإستراتيجية وطنية للوقاية من جرائم الاتجار بالبشر والسهر على تنفيذها وعلى تسخير الإمكانيات المدنية والمادية اللازمة لذلك يشارك في وضعها وتنفيذها، مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع المدني كما تتولى الجماعات المحلية إعداد استراتجيات محلية للوقاية من جرائم الاتجار بالبشر.

وكلف المشروع اللجنة الوطنية للوقاية من الاتجار بالأشخاص ومكافحته المنشأة سنة 2016، بالتنسيق من جميع المتدخلين في مجال الوقاية من الاتجار بالبشر، حيث تتولى إعداد مشروع الاستراتيجية الوطنية للوقاية من الاتجار بالبشر وعرضها على الحكومة والسهر على تنفيذها بالتنسيق مع جميع الفاعلين في هذا المجال، واعتماد آليات اليقظة والإنذار والكشف المبكر عن الجريمة، إذ تضع اللجنة مبادئ توجيهية بشأن التعرف على هوية ضحايا الاتجار بالبشر وإحالتهم إلى المرافق العمومية المختصة.

كما تقدم هذه اللجنة بإعداد تقرير سنوي حول وضعية الاتجار بالبشر في الجزائر وتقييم الإجراءات المتخذة في مجال الوقاية منه ومكافحته وترفعه إلى رئيس الجمهورية.

آمال كبيرة

وضعت الجزائر في الأعوام الأخيرة تحت مراقبة هيئات أممية ومنظمات غير حكومية ودولٍ غربية خصوصًا الولايات المتحدة الأميركيةـ بلغت حدّ اتهامها بالقسوة تجاه اللاجئين وعدم حمايتهم، ولا تخلو تقارير مفوضية حقوق الإنسان الأممية من إشارات لهذا الموضوع، وفي الأشهر الاخيرة صدرت شكاوى من مفوضية اللاجئين التابعة للمنظمة الأممية في حق السلطات الجزائرية.

ويحمل التشريع رغبة صريحة من السلطات في إنهاء حالة الإفلات من العقاب للشبكات التي تنشط لتهريب البشر واستغلال المهاجرين السريين لأعمال السخرة، وتحسين صورة البلاد في التقارير الدولية وعلاقاتها مع عمقها الأفريقي.

يلقى قانون تجريم الهجرة السرية انتقادات حادة في الجزائر بعد مصادقة البرلمان عليه

غير أن متابعين، يرون أن تسليط عقوبات على المهاجرين السريين أمرٌ يجب مراجعته وإسقاط التجريم عنه، لأنه يتنافى مع حرية  الإنسان في التنقل والإقامة.